العدد 140 - 15/1/2009

ـ

ـ

ـ

 

 

غرناطة الطنطاوي

كان عبد الرحمن يتابع نشرة الأخبار، وهو يتميز غيظاً مما يرى من تقتيل وتنكيل بأهله في غزة.

لوّح بقبضة يده غضباً، وأقسم أن يثأر من هؤلاء القتلة الجبناء، الذين يتباهون بقوتهم أمام الأطفال الرضع، والنساء وكبار السن والعجزة، فهم يرمون بأسلحتهم عن بعد، خوفاً من قبضة المجاهدين الأبطال.

ذهب عبد الرحمن مسرعاً إلى جدته وهو يقول:

- جدتي.. جدتي.. لماذا نحن هنا في فرنسا؟ لماذا تركنا أرضنا في فلسطين وجئنا هنا.

سرحت الجدة ببصرها، وهربت دمعتان من عينيها، وهي تتذكر ما قاست من ويلات مذبحة دير ياسين، ثم قالت لحفيدها:

- يا عبد الرحمن.. يا حبيبي.. جئنا إلى هنا هرباً من بطش يهود سنة 48، لقد ذبحونا وشردونا دون رحمة..

قال عبد الرحمن:

- ولكن يا جدتي هناك ملايين من الفلسطينيين في فلسطين، ولم يهربوا منها كما فعلتم أنتم.

قالت الجدة:

- هذا صحيح يا حبيبي، ولكن والدي رحمه الله خاف عليّ من الذبح، فقد كنت في السادسة عشرة من عمري، وأخي أصغر مني بعامين، فهرب بنا إلى هنا.

قال عبد الرحمن:

- يا جدتي.. لقد ذكرتني بالصحابي الجليل أسامة بن زيد.. فقد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس جيش وهو في السادسة عشرة من عمره تقريباً.

قالت الجدة:

- هذا صحيح يا ولدي، ولكن كان خوف والدي علينا كبيراً، ولكنه قبل أن يموت صرّح لنا عن ندمه لتركه بلده فلسطين، وكان يقول دائماً: عزة الإنسان وكرامته في بلده وليس في غيره.

سرح عبد الرحمن ببصره، وتخيل نفسه وهو راكب فرسه، ويلحق بجند أسامة بن زيد، وفجأة أخذ يصرخ:

- الله أكبر.. الله أكبر..

نظرت الجدة إلى حفيدها بإشفاق وقالت:

- يا ليت جدك كان على قيد الحياة، لفرح بك فرحاً عظيماً.

دخل أبو عبد الرحمن وجوازات السفر بيده يلوّح بها.

صاح عبد الرحمن فرحاً:

- هل سنعود يا أبتي إلى فلسطين؟!

وقفز عبد الرحمن وأخذ الجوازات من يد أبيه وهو يغني:

- فلسطين داري ودرب انتصاري....

 


أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح ©  2009