العدد 141 - 1/2/2009

ـ

ـ

ـ

 

 

غرناطة الطنطاوي

دخل أبو وليد مسرعاً إلى بيته فرحاً وهو يقول:

- وأخيراً يا زوجتي العزيزة وجدت البيت المناسب، وسأشتريه قريباً إن شاء الله.

فرحت الزوجة والأولاد فرحاً كبيراً وتراكضوا نحو أبيهم يشكرونه على حسن صنيعه.

قال أبو وليد:

- هيا البسوا بسرعة حتى نذهب معاً لكي أُريكم بيتكم الجديد..

لبست أم وليد حجابها، وأخذت محفظتها ووضعت فيها القسط الأول من ثمن البيت.

وفي الطريق كان الأولاد يتصايحون ويهتفون:

- بسرعة بسرعة يا بابا.. نريد أن نرى بيتنا الجديد.

ما أن وصلت عائلة أبو وليد إلى البيت حتى ركض وليد وسمر إلى البيت وأخذا يتجولان في أرجائه بإعجاب وسرور.

وفي المساء جلست العائلة تستمع لنشرة الأخبار كعادتهم كل مساء.

وإذ بهم يرون الطائرات تقصف غزة قصفاً مخيفاً، وتهدم البيوت على رؤوس ساكنيها، وبعد قليل ظهرت فتاة صغيرة تبكي بحرقة أبكت الرجال وهي تقول:

- هدموا بيتي.. قتلوا أهلي.. مزقوا ألعابي.. حتى التلفاز كسروه.. فكيف سأرى أفلام الكارتون؟ كيف؟ ماذا فعل أخي الصغير حتى يقتلوه، ماذا فعلت أمي الحنون حتى يحرموني منها؟ أين أختي التي ما تزال في اللفة صغيرة جميلة؟؟

بكت العائلة بكاء مرّاً، وأخذ كل فرد منهم يتصور نفسه مكان هذه الطفلة اليتيمة، ماذا سيصنعون كي يخففوا عن هذه الطفلة وأمثالها، بل ماذا يمكن أن يقوموا بواجبهم تجاه هؤلاء المساكين.

البيوت خُرّبت..

الأطفال يُتّمت..

النساء ترملت..

دخل وليد وسمر إلى غرفتهما وهما يمسحان دموعهما، وصدريهما يعلو ويهبط، وفي قلوبهما لوعة وحرقة..

قال وليد:

- سمر.. هل البكاء يعيد الحياة إلى هؤلاء المساكين؟

قالت سمر، وهي تتخيل أخاها بين الأنقاض، فلم تتمالك نفسها مرة أخرى، ثم تماسكت وقالت:

- يا أخي الغالي.. يا أغلى من عينيّ.. هل نستطيع فعل شيء أمام هؤلاء الوحوش؟

قال وليد:

- علينا أن نصلي صلاة الحاجة وندعو لهم، وهذا أضعف الإيمان.

وعلينا أن نتبرع بأموالنا ودمائنا وبكل ما نملك.

قالت سمر:

- لكن يا وليد أعطينا والدنا كل مدخراتنا في سبيل شراء البيت الجديد.

سكت وليد قليلاً كمن يحمل همّاً كبيراً، رغم صغر سنه، ثم همس في أذن أخته.

وقفت سمر وأمسكت بيد أخيها وذهبا إلى والدهما كي يخبراه بشيء هام.

كان أبو وليد يمسح دموعه، ويلعن كل من تواطأ على ضرب غزة الحرّة.

وقف وليد وسمر بجانبي والدهما، وقالا بصوت واحد:

- بابا.. قررنا أمراً هاماً.

نظر الأب إليهما، وهو يدعو في سرّه أن يحفظ الله ولديه، وأولاد المسلمين جميعاً، ثم قال:

- تفضلا.. يا أغلى من عينيّ..

قال وليد:

- بابا.. قررنا أن لا نشتري البيت الجديد.. كي نتبرع بثمنه إلى أهلنا في غزة..

عقدت الدهشة لسان أبي وليد، فهو يعرف مدى شوق أولاده إلى البيت الجديد، وأنهم حرموا أنفسهم الكثير من الأشياء الجميلة في سبيل توفير ثمن هذا البيت.

ولكنه شعر بتصميم أولاده على التبرع، فهو يعرف ولديه، وحبّهم الكبير لفلسطين، فقال لهما:

- جميل جداً هذا الشعور المسؤول تجاه ما يجري في فلسطين، ولو أن كل مسلم استشعر هذا الشعور، لحررنا أرضنا منذ زمن بعيد..

على بركة الله يا أولادي.. على بركة الله..

 




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح ©  2009