العدد 142 - 15/2/2009

ـ

ـ

ـ

 

غزة- ريما عبدالقادر

في بداية الأمر شعرت في حيرة كبيرة، بوضع مقدمة تتناسب مع مجزرة غزة، أو بالأصح محاولة إبادة غزة. الحيرة أخذت في الزيادة مع هول ما شهده كل شيء في غزة، سواء كان إنساناً، أو حجراً، أو شجراً، أو حتى حيواناً...من قبل عنجهية الآليات العسكرية الإسرائيلية. وأكثر ما جعل الأمر أكثر صعوبة هو استشهاد أخي فادي"رحمه الله تعالى"

الشهيد فادي عبد القادر

ذلك جعل من الصعب على أناملي أن تحمل القلم، وتكتب حروف المجزرة إلا أنه ومع محاولات عديدة بإعادة مسك القلم ليكون شاهداً عبر التاريخ على أحداث غزة جعلني أتمالك نفسي، خاصة بعد أن شاهدت الطفلة دلال أبو عيشة طفلة بعمر الزهور فقدت جميع أفراد عائلتها، ومع ذلك سطرت أروع قصص الصمود، ذلك جعلني أدعو الله تعالى بأن يساعد ذاكرتي وأناملي الضعيفة على استكمال كتابة الكلمات التي كثيراً ما كانت تنقطع سواء بسبب مشاهد حرب غزة، أو حينما تعود الذاكرة بالأيام الجميلة التي حملت معها حبيبي، وأخي فادي.

أحبتي أصدقاء مجلة "الفاتح" الحبيبة قد تكون الكلمات لا تتناسب مع طفولتكم الصغيرة لكن بصدق ما حدث في غزة يجعلني أقول لم يعد للطفولة مكان في غزة، ولذلك عليكم أن تضعوا غزة وأطفالها في قلوبكم.

 

شوارع غزة

تمالكت نفسي، وقررت الخروج إلى أزقة وشوارع قطاع غزة، وحينما كنت أسير في شوارعها شعرت بأنني أجهل هذه الشوارع رغم أنني سرت عليها كثيراً إلا أن معالمها أخذت بملامح الدمار بعد أن زلزلتها طائرات، ودبابات الاحتلال الإسرائيلي.

كنت انظر لكل شيء من حولي، وفي كثير من الأوقات أسأل نفسي أين أنا؟؟! هل أنا حقاً في غزة؟؟! حيث وجدت البيوت المدمرة، والمساجد المهدمة، وأحياء سكنية لم يعد لها وجود، وكثيراً ما كنت أشم رائحة الأماكن المحترقة من قبل آليات الاحتلال الإسرائيلي.

وكلما نظرت لشيء كنت أقول مباشرة بحرقة :"حسبنا الله ونعم الوكيل.."، كثيراً ما كنت أتدحرج بالسير نتيجة الشوارع التي دمرتها آليات الاحتلال حيث كانت خطوات الدبابات واضحة عليها.

وكثيراً ما أوقفتني مشاهد انتشال الجثث من بين ركام البيوت المهدمة، سواء كانت لجثث شهداء تعود لعائلة الداية التي فقدت 23 فرداً من عائلتها، أو شهداء عائلة السموني، أو بالأصح مجزرة عائلة السموني التي فقدت أكثر من 35 فرد من عائلتها في منطقة حي الزيتون.

وكثير من العائلات التي ودعت أبناءها الشهداء فمنهم من كان ممزق الأشلاء والبعض ما زال يحتفظ بشيء من ملامحه للتعرف عليه.

ولقد أصاب الحزن قلبي كلما مررت من بين أشلاء الشهداء وخاصة حينما وجدت منزل الشيخ المجاهد الدكتور نزار ريان، قد هدم منزله على جسده وأجساد أفراد عائلته التي أخذت رقم 17 شهيداً من قوافل الشهداء التي تزيد عن 1400 شهيد.

ولقد شهدت الكثير من المناطق في قطاع غزة خاصة الشمالية، ومنطقة المغراقة إبادة للأحياء السكنية، ومع ذلك أجد مالكيها يرفضون الابتعاد عنها وأصروا على النوم على ركام منازلها في خيمات رغم برودة فصل الشتاء.

 

بيوت الله تعالى

وكما لم يرحم الاحتلال الإنسان لم يرحم أيضا بيوت الله تعالى حيث أنها هدمت بشكل كلي وجزئي ما يقارب 100 مسجد مما يؤكد على سياسة الاحتلال في محاربة الإسلام، فكان مسجد الشهيد إبراهيم المقادمة، وغيره من المساجد لدليل واضح على ذلك، حيث تم قصفه على المصلين أثناء صلاة المغرب ليتحول المسجد في دقائق بل أقل من دقائق إلى ساحة دماء الشهداء.

وكما لم تسلم بيوت الله تعالى من آليات الاحتلال أيضاً لم يسلم معهد الأمل للأيتام الذي تم استهدافه بدون أي رحمة لهم.

وبمسافة ليست بعيدة كثيرة عن مسجد إبراهيم المقادمة، وبالتحديد شمال قطاع غزة كان يتواجد مستشفى الشهيد محمد الدرة للأطفال الذي تم استهدافه أيضا، حيث كانت صرخات الأطفال المرضى تصدح في جدران المشفى في ساعات متأخرة في ليلة شتاء باردة إلا أن صواريخ الاحتلال حولتها إلى ساعات حارقة.

 ولازالت تهديدات قصف مستشفى دار الشفاء عالقة في ذهني حيث تم تهديده مما أربك العمل لدى الطواقم الطبية في الداخل ومع ذلك سار العمل في داخل المشفى بكل الجهود رغم قلة الإمكانيات المادية من الأدوية، والمستلزمات الطبية خاصة أن قطاع غزة عاش ولازال يعيش تحت الحصار.ونتيجة قصف المسجد المقابل للمشفى أدى ذلك إلى تأثر المستشفى بالقصف. 

 

الأسلحة المستخدمة :

وأكدت مصادر طبية فلسطينية أن الاحتلال استخدم أسلحة فتاكة محرمة دولية تعمل على إذابة الجسم تم استخدامها بالحرب على غزة، وذكرت المصادر ذاتها أن الشظايا التي تدخل جسم المصاب لا يمكن كشفها من خلال الأشعة بل من خلال الأنسجة مما جعل عدد الشهداء في زيادة.

وحسب ما أوضحه أطباء عرب عملوا في مستشفيات غزة أن الأسلحة التي تمَّ استخدامها تجعل المصاب في حالة نزيف مستمر للدماء مما يجعل حالته تدخل بتدهور مباشرة.

وحسب العديد من التقارير الطبية تبين أن أكثر الإصابات كانت بتر بالأطراف السفلى إضافة للعليا، حيث تم استخدام مواد فسفورية قاتلة إضافة إلى صواريخ الدبابات،والطائرات "f16"، وطائرات الزنانة التي تستخدم بعضها للتصوير والبعض الأخر محمل بصواريخ يتم إطلاقها على المواطنين.

 

الأطفال

وللأطفال كان نصيب كبير من كل شيء في المجزرة سواء من الجرحى، أو الشهداء، أو حتى من حالة الفزع التي كانت تحيط بطفولتهم، خاصة عند الانتقال من منزل إلى أخر وسط اطلاق كثيف لصواريخ الاحتلال التي لم تفرق بين طفل صغير، أو مسن.

ورغم الحرب التي تجاوزت 22 يوم إلا أنني وجدت بالأطفال صموداً كبيراً خاصة لدى الطفلة دلال أبو عيشة التي فقدت كافة أفراد أسرتها ولم تبقى لها إلا قطة صغيرة احتضنتها، ومع ذلك كانت ترفض الخضوع للمحتل وتردد بالصمود، والبقاء على أرض غزة.

وفي منزل عائلة البطران في مخيم البريج رأيت مشهد جعلني أقول:"سبحان الله تعالى الذي له عمر لا تهينه شدة"، حيث تم استشهاد كافة أفراد العائلة إلا طفل رضيع يبلغ من العمر شهور معدودة تم العثور عليه بين ركام المنزل.

 

الهجرة والتكافل

ونتيجة لاستهدف كل شيء في قطاع غزة جعل كثير من العائلات الغزية تتنقل من بيوتها إلى أماكن تجدها أقل خطر، مما جعلها تعيش أيام الهجرة التي عادت إلى الذاكرة في أحاديث الأجداد عام 1948م.

ورغم الحصار، والحرب إلا أن غزة شهدت تكافل بين سكانها سواء من يعرف الأخر أو حتى لا يعرفه يقدم له المساعدة، ويستضيفه في منزله، فقد كانت كثير من المنازل تضم العشرات من الأشخاص.

ورغم ما حل بغزة إلا أنها ترفض الانكسار فقد شهدت غزة رغم رائحة دماء الشهداء والبيوت المهدمة ودموع وداع الأحبة، حالة من الصمود من خلال عودة الطلبة للمدارس، والجامعات رغم استهدافها من قبل صواريخ الاحتلال.

وفي الختام لا يسعني إلا أن أقول..عذرا أيها الشهداء ..عذراً يا غزة أرض العزة عذرا لكل شيء في غزة فكل ما كتبته لم يكن إلا قطرة حبر حمراء سالت على ورقة ....

"ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.."




 

 

أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح ©  2009