العدد 142 - 15/2/2009

ـ

ـ

ـ

 

إعداد: شريف الراس

رسوم: ضياء حجار

بستانٌ خضراءٌ جميلةٌ على ضفة نهر هادئ.

الأشجار محملةٌ بالفواكه الشهية الملونة: خوخٌ ورمانٌ وعنبٌ وتينٌ وتفاحٌ وسفرجل.. وفي الجو تعبق رائحة أزهار أشجار الزيزفون المنعشة.

يصل إلى البستان موكب أميرٍ عربيٍ. إنه شيخٌ جليلٌ مهيب وقد اصطحب معه ابنه الفتى "أسامة" وعدداً من الجند والخدم الذين كانوا يحملون فوق سواعدهم ثلاثة صقورٍ جارحة، وشاهيناً ذا منقار معقوف ومخالب حادة، وأربعةً من طيور الباز والباشق، وكلها طيورٌ مدربة على الصيد. يكفي أن يرفع الحجاب عن عيني أي طيرٍ جارحٍ منها، ويطلق، فيطير في الجو ويتفحص الأرض ببصره الحاد الشديد، فيقض بسرعةٍ على ما يراه من طرائد: أرانب أو حجلٍ أو دجاجٍ بري فيمسك بها بمخالبه التي تشبه الخناجر، ويفرح "السادة" بالغنيمة. إذن فالأمير الجليل وابنه وجنده وخدمه آتون إلى حفلة صيدٍ. وها هو الأمير المهيب يرفع يده إيعازاً بالتوقف، ثم يشير بيده إلى ظلٍ كثيفٍ تحت شجرة توت ضخمة ويقول:

- افرشوا السجادة هنا.. سنتوقف لنستريح ونصلي العصر.

قال الفتى أسامة:

كان أبي مشغوفاً بالصيد، عنده من طيور الباز والشواهين والصقور وكلاب الصيد ما لا يكاد يجتمع عند غيره. ويركب في أربعين فارساً من أولاده وأطفال العائلة (كأولاد عمي) وجنده وخدمه. كل منهم خبيرٌ بالصيد، عارفٌ بالقنص. فيتصيد دجاج الدراج، وطيور الماء، والحجل، والأرانب. وكنا نقتل خنازير بريةً أحياناً. وهي حيواناتٌ بشعة غدارة، لأنيابها طعنةٌ قاتلة ما لم نعاجلها بسيوفنا ورماحنا وما معنا من فؤوسٍ حربيةٍ.

واليوم، بعد أن نزلنا عن خيولنا، وتوضأنا بمياه النهر المنعشة، وبدأنا نصلي فرادى فوق هذه السجادة الثمينة، فوجئنا بصاحب البستان، وهو رجلٌ عجوزٌ ضعيف، يأتي راكضاً وهو يصرخ محذراً من خطر داهم:

- احذروا احذروا.. الوحش الوحش.

كنا نظن أنه لجأ إلينا هارباً من خنزيرٍ بري مخيف كان يلاحقه. ولكن الرجل كان يصرخ: "أسد.. أسد" وهو يشير بيده نحو سفح الجبل القريب المطل على البستان.

قطعت صلاتي وسلمت على الفور، أريد أن أسرع لقتال ذلك الأسد قبل أن يمنعني أبي الذي أعرف أن من عادته –لشدة تقواه وإيمانه بالله تعالى- أنه لا يقطع صلاته حتى لو زلزلت الأرض زلزالها. (ولهذا حكاية ذكروني لأرويها لكم بعد قليل).

قال البستاني المضطرب وهو ما يزال يلهث:

- إنه هناك... انظروا إنه مقبل نحونا.

نظرت إلى سفح الجبل فرأيت ذلك الأسد ينحدر فعلاً. إنه أسدٌ ضخمٌ مخيف، يزأرُ مكشراً عن أنيابه. إنه جائع، ولن يردعه عن القدوم إلينا شيء. أسرعت فحملت سيفي والرمح، وعلقت في حزامي فأسي الحربية التي نسميها "القنطارية". وركبت حصاني وتوجهت إليه فاستقبلني أمام باب البستان وهو يهدر ويزأر. فحاص بي الحصان وارتعد خائفاً، وسقط الرمح من يدي لشدة ثقله. فأنا ما زلت صغيراً ابن أربعة عشر عاماً وهذا رمحٌ مصنوعٌ للرجال الأقوياء. وطاردني الأسد الغاضب مسافةً، والحصان يهرب بي باتجاه سفح الجبل. ثم التفت الأسد نحو رجالنا الشجعان الذين لحقوا بي راكبين خيولهم، ووثب على واحدٍ منهم اسمه "ربيع" فمزق الثوب عن ساقيه بمخالبه الحادة، وجرح بأنيابه ورك الحصان. وخلال ذلك كان خادمي الوفي "أبو مصباح" وهو رجلٌ شجاع، قد ناولني الرمح، فقبضت عليه بكلتا يدي بقوة، بعد أن رميت سيفي جانباً.. والرجال يصرخون من كل جانبٍ، والأسد الضخم يناوشهم غاضباً، فما كان مني إلا أن صعدت الجبل ثم حدرت حصاني عليه وأنا أهتف "الله أكبر" فطعنته بأقصى ما أستطيع من قوةٍ، فدخل سنان الرمح الحاد في خاصرته، وبرز من الخاصرة الأخرى، فتقلب متدحرجاً والرمح فيه. ومات الأسد والرمح فيه. وأبي واقفٌ يرانا، ومعه أولاد عمي عز الدين يبصرون ما يجري، وهم صبيان صغار.

حملنا الأسد وقفلنا راجعين بهذه الغنيمة العظيمة، فدخلنا البلد وقت أذان العشاء. وإذا جدتي -وهي عجوزٌ رائعة قد قاربت من العمر مائة سنة – تأتي إلي في الليل حاملةً شمعةً تنير دربها. فما شككت أنها قد جاءت تهنئني بالسلامة بعد أن وصلها الخبر العظيم الذي هز المدينة، فهي تحبني كثيراً وتريد أن تعبر لي عن سرورها بما فعلت فأسرعت لاستقبالها وقبلت يدها. فصرخت بوجهي غاضبةً:

- ماذا فعلت يا ولد؟.. إيش يحملك على هذه المصائب التي تخاطر فيها بنفسك وحصانك، وتكسر سلاحك.. هل تصورت ماذا كان سيحل بي لو أن الأسد قتلك؟.. ألا ترأف بقلبي يا حبيبي؟

ثم ضمتني إلى صدرها بحنانٍ وهي تبكي وتقول: الحمد لله.. الحمد لله.. فالله وحده هو الحافظ والمنجي.

من هو ذلك الأمير الجليل المهيب الذي يهوى الصيد؟

وهل له هواياتٌ أخرى؟

ومن هو ابنه الفتى الشجاع "أسامة" الذي هجم على الأسد بدلاً من أن يهرب منه؟.

وهل قتل بعد ذلك أسوداً أخرى؟

ومتى حدث ذلك؟ وأين؟

للإجابة على هذه الأسئلة علينا أن نعود بالذهن إلى ما قبل 800 سنةٍ من أيامنا، أي إلى القرن السادس الهجري، (ما بين سنة 500هـ، وسنة 600هـ)، ففي ذلك الزمن كانت الدولة العربية قد انحدرت إلى أضعف حالةٍ من التفتت والوهن والانهيار. فالخليفة العباسي في بغداد وهو لا يحكم فعلياً مدينة بغداد ذاتها. وفي مصر خليفةٌ فاطميٌ منافسٌ له وهو أشد منه ضعفاً. وكل مدينةٍ في بلاد الشام استولى عليها رجلٌ متسلطٌ وجعلها مملكةً مستقلة له. أي أن كل مدينةٍ كانت مملكةً، مهما كانت تلك المدينةُ صغيرةً. وكانت جيوش هذه المدن تتقاتل مع بعضها بدلاً من أن تتوحد جميعاً لصد الخطر العظيم الذي داهم ديار الإسلام وقتذاك، إذ أن ملوك أوروبا الإقطاعيين الهمج المتخلفين جاءوا على رؤوس جيوش جرارةٍ، غزاةً محتلين، فاستولوا على مدنٍ عربيةٍ كثيرة في سواحل بلاد الشام، أي في لبنان وسورية وفلسطين، ومن أهمها مدينة القدس العزيزة الغالية. ومن وسط هذه الصورة السوداء المحزنة برزت أسماء ملوكٍ مضيئةٌ مشرقةٌ مشرفة. إنهم ملوكٌ مجاهدون أبطالٌ قادوا معارك هائلة لطرد المحتلين "الإفرنج" واستشهدوا في معارك الدفاع عن قدسية أرض الإسلام، ومنهم البطل العظيم عماد الدين زنكي ملك الموصل، وابنه البطل العظيم نور الدين الشهيد ملك الموصل وحلب ودمشق، وثالثهم البطل الخالد صلاح الدين الأيوبي الذي حرر "القدس" وطرد "الإفرنج" منها بعد احتلالٍ دام أكثر من سبعين سنة.

وسوف يزداد تشوقكم لمعرفة شخصية "أسامة"، هذا الفتى الشجاع الذي قتل الأسد، إذا أخبرناكم بأن كلا من هؤلاء العظماء المجاهدين الثلاثة استقدم إليه "أسامة" (عندما غدا رجلاً كبيراً) وكرمه واحتفى به وجعله أقرب المقربين من الرجال الذين يستفيد الحاكم الصالح من علمهم وخيرتهم وشجاعتهم وآرائهم الحكيمة. فضلاً عن أن أسامة –وهو المقاتل الشجاع والمحارب الشديد البأس- كان يشارك فعلياً في عددٍ كبيرٍ من المعارك التي قادها كلٌ من أولئك العظماء الثلاثة.

قال هذا المجاهد الكبير عندما بلغ سن التسعين:

- اعلموا يا أولادي أنه لو صفت القلوب من كدر الذنوب(1)، وفوضت الأمر إلى عالم الغيوب، علمتم أن ركوب أخطار الحروب لا ينقص الأجل المكتوب. فلا يظن ظان أن الموت يقدمه ركوب الخطر، أو تؤخره شدة الحذر، ففي بقائي أوضح معتبر. فكم لقيت من الأهوال، وتقحمت المخاوف والأخطار، ولاقيت الفرسان، وقتلت الأسود، وضربت بالسيوف، وطعنت بالرماح، وجرحت بالسهام والفؤوس، وأنا من الأجل في حصنٍ، إلى أن بلغت تمام التسعين.

فمن هذا إذن هذا الرجل الرائع؟

الجواب: إنه أسامة بن منقذ.

و"منقذ" ليس اسم أبيه، بل هو اسم عائلته، وهي عائلة "آل منقذ" العربية من بني كنانة في اليمن. جاءوا إلى بلاد الشام وظهرت منهم بطولاتٌ ومواقف شجاعةٍ وإقدام في المعارك التي كانت تدور لصد هجمات الروم(2) مما أبرزهم إلى مكانة الصدارة والإقدام، فكلفهم ملك حلب "صالح بن مرداس الحمداني" بأن يحكموا حصن شيزر ويدافعوا عنه.

وهكذا كان جد أسامة "سديد الملك" أول حاكم من بني منقذ في أمارة شيزر. ثم حكم الإمارة من بعده ابنه "أبو المرهف نصر". ثم تولى السلطة والد أسامة "مجد الدين مرشد" حتى سنة 504 فأحب أن يصرف كل وقته لممارسة هوايتيه الأثيرتين إلى نفسه وهما: كتابة نسخٍ جديدةٍ من المصحف الشريف بخط يده الجميل، فقد كان خطاطاً مبدعاً، وأن يتعمق في دراسة العلوم والآداب وكتب الفقه والشريعة والتاريخ والفلك وعلوم القرآن. فتخلى عن حكم إمارة شيزر لأخيه عز الدين أبي العساكر. وكان أسامة يومذاك ابن 16 سنة.

وشيزر ليست مدينة عادية فيها بيوتٌ لسكانٍ مدنيين، وهي –في الوقت ذاته- ليست قلعةً حربيةً تضم بين أسوارها معسكراً لجنود محاربين، بل هي "مدينةٌ –قلعةٌ" معاً. إذ أنها تشكل حصناً كبيراً شيدت أسواره الصخرية العالية فوق نتوءٍ جبلي يسمونه "عرف الديك". يطل الإنسان من نوافذ بيوتها –عندما ينظر إلى الأسفل البعيد- على نهر العاصي الذي يحيط بها من ثلاث جهات، ومن الجهة الرابعة حفر الشيزريون القدامى في صخور الجبل زقاقاً سحيقاً يستحيل عبوره أو الوصول إلى شيزر من فوقه إلا باجتياز جسرٍ شيد لهذا الغرض، فهو مدخل "المدينة- القلعة" الوحيد والمحروس ببرجين عاليين فيهما نوافذ ضيقةٌ ليرمي منها الحرس بسهامهم ونبالهم كل قادم غير مرغوب فيه.

ثم إن نهر العاصي –بعد أن يشكل خندق ماءٍ دفاعياً يحمي هذه القلعة الجميلة من ثلاث جهات- يواصل جريانه ليروي سهل الغاب الأخضر الخصب، بما فيه من بساتين ونواعير وحقولٍ وقرى وثرواتٍ زراعيةٍ كثيرةٍ وأدغالٍ كثيفة تعيش فيها الخنازير البرية والأسود والفهود والطرائد التي تغري بممارسة هواية الصيد والقنص.

هنا في هذه القلعة الحصينة، وفي هذه السهول الزراعية الجميلة، عاش الفتى أسامة بن منقذ أمتع أيام عمره: طفولته وصباه وشبابه، إلى أن غدا رجلاً كبيراً وفارساً مشهوراً فالتحق بالملك العظيم نور الدين الشهيد بدمشق، ثم التحق بالخليفة الفاطمي في القاهرة –مستشاراً ناصحاً أميناً- ثم عاد إلى دمشق ليواصل جهاده إلى أن سطع نجم البطل صلاح الدين الأيوبي فقربه إليه واستفاد من خبرته وحكمته، وكلفه بمهمة سفارة في مفاوضاتٍ سياسية خطيرة.

يسألنا هذا الجد اللطيف الودود هو يبتسم:

- أليس أفضل من هذا أن أحدثكم عن الأسود؟ فأنا أعرف أنكم تحبون حكايات الأسود؟

نقول: نعم.. حدثنا نرجوك.

يقول: لقد شاهدت من طباع الأسود ما لم أكن أظنه. إذ أنني لم أكن أعتقد أن الأسود كالناس: فيها الشجاع وفيها الجبان. وأن اللبوة، وهي أنثى، قد تكون أشجع من الأسد، وهو الذكر الفحل والأضخم جثة. فذات مرةٍ جاءنا راعي خيلنا وهو يركض ويقول: "في تل التلول أجمةٌ(3) فيها ثلاثةُ سباع". فركبنا خيولنا وخرجنا إليها, وإذا لبوةٌ خلفها أسدان.

درنا حول الأجمة فخرجت علينا اللبوة وهاجمتنا وأقدمت علينا غاضبةً وهي تزأر مكشرة. فحمل عليها أخي بهاء الدولة وطعنها فقتلها وتكسر رمحه فيها. ورجعنا إلى الأجمة، فخرج علينا أحد السبعين، فطرد الخيل، ووقفت أنا وأخي بهاء الدولة في طريقه التي سوف يعود منها بعد طراد الخيل. لأننا نعرف أن الأسد إذا خرج من موضع فلا بد من أن يرجع إليه.

وجعلنا أعجاز خيلنا إليه، ورددنا رماحنا نحوه، ونحن نعتقد أنه قادمٌ نحونا، وبذلك ننشب رماحنا فيه فنقتله. فما راعنا إلا وأنه عبر بجانبنا، مسرعاً كالريح، ليهاجم رجلاً من أصحابنا اسمه سعد الله الشيباني، فوثب عليه وضرب فرسه فرماها، فأسرعت إليه فطعنته بالرمح ثم قفزت إلى الأرض فضربته بفأسي "القنطارية" ضربةً توسطت عينيه. فمات مكانه.

ورجعنا إلى الأسد الآخر، ومعنا نحوٌ من عشرين فارساً معروفين بمهارتهم في رمي السهام. فخرج ذلك السبع، وهو أعظمها خلقةً فعارضه الرماة بالنشاب. وأنا واقفٌ في الجهة المقابلة أنتظر وهو يمشي. لكن ذلك الأسد الجبان ظل واقفاً مكانه حتى سقط ميتاً من جراح السهام. فرأيت من خور ذلك الأسد وجبنه شيئاً ما ظننته.

صمت أسامة هنيةً ثم ابتسم وقال متسائلاً:

- لكن مالي لا أخبركم بالأسد الذي نطحه خروفٌ فهزمه؟.. هل تصدقون أن خروفاً يهزم أسداً! اسمعوا الحكاية إذن.

كان بمدينة دمشق جرو أسد قد رباه سباعٌ(4) معه. حتى كبر فصار يهاجم الخيل وكل عابري الطريق، فتأذى منه الناس. فقيل لملك دمشق "معين الدين" وأنا عنده:

- هذا السبع قد آذى الناس، والخيل تنفر منه، وهو في الطريق إلى قصرك. إذ أن السباع ربطه على مصطبةٍ قريب من باب القصر، في الليل والنهار.

فقال معين الدولة: قولوا للسباع يجيء به.

ثم التفت إلى كبير الطباخين وقال له:

- هات من ذبائح المطبخ خروفاً فاتركه في باحة القصر عند المدخل حتى نبصر كيف يفترسه السبع.

فأخرج كبير الطباخين خروفاً وأفلته في الباحة. ودخل السباع ومعه السبع، وفك قيد السلسلة عن رقبته وأطلقه حراً. وساعة رآه الخروف حمل عليه فنطحه، فانهزم السبع وراح يدور حول بركة الماء التي في وسط الساحة، هو يركض والخروف يطرده وينطحه، ونحن قد غلبنا الضحك. وقال معين الدولة:

- هذا سبعٌ منحوس. أخرجوه فاذبحوه واسلخوه وهاتوا جلده.. وأما الخروف فأعتقوه من الذبح.

ثم ماذا تقولون لو رويت لكم قصة أسدٍ هرب من كلب؟.. فذلك من عجيب أمور السباع حقاً.

ظهر عندنا في أرض شيزر أسدٌ، فخرجنا إليه، ومعنا مقاتلون فرسانٌ ورجالٌ مشاةٌ من أهل شيزر، بينهم غلامٌ يصطحب كلبه معه. فخرج الأسد على الخيل فهربت قدامه جافلةً مذعورةً، فدخل بين الرجال المشاة وانقض على ذلك الغلام وبرك عليه. فوثب الكلب الوفي على ظهر الأسد، فنفر عن الغلام وعاد إلى الأجمة التي كان مختبئاً فيها. فأقبل الغلام على كلبه يعانقه بفرح ويشكره ويثني على شجاعته التي أنقذته من موتٍ أكيدٍ. فكنت أعجب من إقدام ذلك الكلب على الأسد. وكل حيوانٍ ينفر من الأسد ويجتنبه.

وعلى ذكر السباع اسمعوا هذه الحكاية:

كان عندنا في خدم القصر أخوان ظريفان يقال لهما: "صافي ولافي". كانت مهمتهما أن ينقلا البريد والرسائل بين عمي عز الدين أبي العساكر أمير شيزر، وعمي "أبي المرهف نصر" أمير اللاذقية. وكان يذهبان ويعودان مشياً على الأقدام.

قالا:

خرجنا من اللاذقية فأشرفنا على مضيقٍ بين جبلين. يجري في قاعه نهر. فرأينا السبع وهو رابضٌ على ذلك النهر. فوقفنا مكاننا ما نجسر على النزول خوفاً من ذلك الأسد. فرأينا رجلاً قد أقبل، فناديناه لنحذره، ولوحنا له بأيدينا ونحن نصرخ فلم يسمعنا. لكنه عندما رأى الأسد أوتر قوسه وشد فيه نشابه ومشى. فرآه الأسد فوثب عليه، فرماه الرجل بالنشاب ما أخطأ قلبه فقتله، ثم مشى إليه فتمم قتله بالخنجر، وأخذ نشابه وجاء إلى النهر فنزع حذاءه وتحرر من ثيابه ونزل فاغتسل في الماء، ثم خرج فلبس ثيابه، ونحن نراه ونقول:

"ما أشجع هذا الرجل!!".. وجعل ينفض شعره لينشفه من الماء، ثم لبس فردةً من حذائه واتكأ على جنبه، وأطال في إتكاءته لا يتحرك أبداً. فقلنا:"والله إنه لبطل.. ولكن أليس من الغرور أن يتباهى علينا إلى هذا الحد؟". فنزلنا إليه وهو على هذه الحال، فحركناه فإذا هو ميت ونحن لا نعرف ما أصابه. فنزعنا فردة الحذاء من رجله فوجدنا فيها عقرباً صغيرةً قد لسعته في إبهامه فمات لوقته. فعجبنا لذلك البطل الجبار الذي قتل الأسد، وقتلته عقربٌ أصغر من إصبع اليد فسبحان الله القادر النافذ المشيئة في الخلق.

سألناه: وخلال حياتك المديدة هل قاتلت أسوداً كثيرة؟

قال: قاتلت السباع في عدة مواقف لا أحصيها، وقتلت عدة منها، ما شركني في قتلها أحدٌ، سوى ما شاركني فيه غيري. حتى خبرت منها وعرفت من قتالها ما لم يعرفه غيري. فمن ذلك أن النمور قتالها أصعب من قتال الأسود، لرشاقة جسمها وخفة حركتيها وبعد وثبتها. وهي تدخل في المغارات والمحاجر كما تدخل الضباع، بينما الأسود لا تكون إلا في الغابات والآجام. وكان قد ظهر عندنا نمرٌ في قريةٍ يقال لها معرزاف(5). فركب إليه عمي عز الدين، وأرسل إلي فارساً وأنا في شغلٍ لي، يقول: "الحقني إلى معرزاف" فلحقت به. وجئنا إلى الموضع الذي زعموا أن النمر فيه، فلم نجد شيئاً. وكان هناك جبٌ. فنزلت عن حصاني ومعي رمحي والفأس. وجلست فوق فم الجب الذي لا يزيد عمقه عن قامة إنسان، ولكن في جانبه خرقٌ أسود كفم التنور، فأدخلت رمحي في ذلك الخرق وحركته، فخرج النمر من ذلك المخبأ غاضباً يريد أن يعض الرمح ويأخذه مني وينسحب عائداً إلى الداخل، فتكاثر حولي أصحابي وكل منهم يحرك رمحه داخل المخبأ، فإذا خرج النمر أصيب بطعنةٍ، وكلما أراد الصعود من الجب أوثقناه طعناً بالرماح، حتى قتلناه. وكان ضخم الجثة وله نابان مخيفتان. وخرج أهل معرزاف لقتله لأنه كان قد أكل من دوابهم الشيء الكثير.

صمت هذا الفارس الرائع هنيهةً ثم قال لنا وهو يبتسم:

- هل روى لكم أحدٌ قصة النمر المجاهد؟

وتساءلنا بدهشةٍ واستغراب: نمرٌ مجاهد؟..كيف!

قال: إلى جهة الجنوب الغربي من بلدة معرة النعمان توجد قريةٌ جميلةٌ اسمها "حناك" احتلها الإفرنج –لعنهم الله- وأنزلوا بسكانها الفلاحين أبشع ألوان العذاب والاضطهاد.

وقد كان في تلك القرية كنيسةٌ قديمةٌ لها طاقةٌ عاليةٌ في ارتفاع أربعين ذراعاً. فكان يأتيها نمرٌ وقت الظهر، والشمس المحرقة في كبد السماء، فيثب إلى هذه الطاقة فينام فيها إلى آخر النهار، آنذاك يثب نازلاً ويمضي.

وكان يحكم الإفرنج في تلك القرية فارسٌ خطيرٌ يقال له: "سير آدام" وهو من شياطين الإفرنج. فأخبروه خبر النمر فقال لهم:"إذا رأيتموه أعلموني".

فجاء النمر كعادته كل يوم ووثب إلى تلك الطاقة ونام. فأسرع بعض الفلاحين وأخبروا السير آدام بذلك. فلبس درعه وركب حصانه وأخذ رمحه وترسه وجاء إلى الكنيسة وهي خرابٌ (أطلال) إنما فيها حائطٌ قائمٌ وفيه تلك الطاقة. فلما رآه النمر وثب من النافذة عليه، وهو على حصانه، فكسر ظهره، وقتله، ومضى.

ففرح فلاحو "حناك" وصاروا يسمونه "النمر المجاهد". ويشكرون الله إذ بعثه إليهم ليخلصهم من وحشية هذا المحتل الإفرنجي الظالم المستبد.

وعلى سيرة الإفرنج اسمعوا هذه الحكاية ثم استنتجوا منها بأنفسكم حقيقة طباعهم وأخلاقهم.

في سنة 549، وبعد إقامتي في مصر تسع سنوات وأنا من أقرب المقربين إلى سلطانها الخليفة "الحافظ لدين الله الفاطمي"، كلفني السلطان بمهمةٍ جهاديةٍ خطيرة، وهي أن أتوجه إلى دمشق مع عددٍ من المجاهدين البواسل الأشداء، وستة آلاف دينار ذهباً، لنعين إخوتنا أهل الشام في قتالهم مع الإفرنج الغزاة، ونجند أكبر عددٍ ممكنٍ من المجاهدين لمؤازرة قوات المسلمين هناك في معاركهم المستمرة مع أولئك الغزاة المحتلين، وهي معارك لم تتوقف يوماً في مناطق عديدةٍ من سواحل فلسطين ولبنان وسوريا.

تركت أولادي وأفراد أسرتي وكتبي الكثيرة في مصر وخرجت في هذه المهمة المشرفة التي لم أكن أتوقع أنني سألاقي أثناءها –في الطريق- كل ما لاقيت من أهوالٍ ومصاعب وكوارث.. فقرب مدينة غزة التي يحتلها الإفرنج دارت بيننا وبينهم معركةٌ ضاريةٌ استشهد فيها أخي عز الدولة رحمه الله. وفي موقعةٍ أخرى بفلسطين أسر الإفرنج –لعنهم الله- أخي نجم الدولة. فضلاً عن معارك أخرى عديدةٍ وضاريةٍ. لكن الله تعالى كتب لنا أن نصل إلى دمشق ونباشر مهمتنا الشريفة. فوجدت أن مصلحة معركتنا الكبرى توجب علي البقاء في دمشق، مع ملكها العادل نور الدين الشهيد بدلاً من أن أعود إلى بيتي وأسرتي في القاهرة. فأخبرت الملك العادل بقراري فحبذه وأيده. فقلت له: ولكنني أريد أن أجلب أهلي من مصر إلى دمشق. غير أن ملك مصر متمسك ببقائهم عنده زاعماً أن ملك الإفرنج المقيم في عكا سوف يتعرض لهم وقد يأسرهم أو يقتلهم انتقاماً مني.

فقال لي الملك العادل: أنا أوفد رسولاً إلى ملك الإفرنج ليأخذ منه عهداً بالأمان لأهلك، وأن لا يتعرض لهم أحدٌ في البر والبحر، وأن يكونوا في حمايته إلى أن يصلوا إلينا سالمين إن شاء الله.

وتم ذلك بالفعل، فسيرت خادماً من دمشق إلى القاهرة، مزوداً بكتاب الأمان المأخوذ من ملك الإفرنج. فسيرهم ملك مصر إلى دمياط، بعد أن زودهم بكل ما يحتاجونه من النفقات والزاد، ووصى بهم. ومن ميناء دمياط أقلعت بهم سفينةٌ من سفن الإفرنج. فلما دنوا من عكا، والملك –لا رحمه الله- فيها، أرسل قوماً في مراكب حربيةٍ فكسروا سفينة الركاب المسافرين، ونهبوا كل ما فيها، وذلك الملك خائن العهد واقفٌ على الساحل يرى كل ما يجري. 

فخرج إليه خادمي سباحةً وكتاب الأمان معه وقال له:"يا مولاي الملك.. أليس هذا أمانك مكتوباً بخط يدك وممهوراً بخاتمك؟". فضحك ذلك الوغد باستخفافٍ وأجابه:"أليس من عادة المسلمين أنه إذا انكسر لهم مركبٌ على شاطئ بلدٍ فإنه من حق أهل ذلك البلد أن ينهبوه؟.

فسأله خادمي الغاضب: أتأسرنا وتأخذنا عبيداً؟

أجابه: لا.

وأنزلهم –لعنه الله- في دارٍ، وفتش النساء حتى أخذ كل ما معهن من حليٍ وجواهر وثيابٍ وسيوفٍ وسلاحٍ وذهبٍ وفضةٍ بنحو ثلاثين ألف دينار، أخذ ذلك كله وأبقى لهم خمسمائة دينار وقال:"إنها كافيةٌ لكم حتى تصلوا إلى بلادكم". وكانوا رجالاً ونساءً وأطفالاً في خمسين نسمة.

إن سلامة أولادي وأولاد أخي ونسائنا هون علي ذهاب ما ذهب من المال، إلا ما ذهب من الكتب. فإنها كانت أربعة آلاف مجلدٍ من الكتب الفاخرة، فإن ذهابها ظل حزازةً في قلبي ما عشت.

هذه هي يا أولادي أخلاق أعداء أمتكم الإفرنج الكذابون، وهذا طبعهم في الغدر وعدم احترام الوعود وعدم الوفاء بالعهود.

ثم أطرق صامتاً حزيناً على كتبه الثمينة التي ضاعت.

ـــــــــــ

الهوامش:

(1) أي لو كان الإنسان مؤمناً صادق الإيمان.

(2) في ذلك الزمن لم تكن القبائل التركية قد هاجرت من موطنها الأصلي في أواسط آسيا إلى البلاد التي أصبح اسمها "تركيا" منذ أن استوطنها الأتراك، في القرن السادس عشر الميلادي وانتشر فيها نور الإسلام، بل كان يقطنها وقتذاك "الروم البيزنطيون" الذين ظلوا، منذ هزيمتهم الكبرى في معركة اليرموك وخروجهم من سوريا نهائياً في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يواصلون محاولاتهم اليائسة لاستعادة سورية، ويشنون الحملات العسكرية تلو الحملات العسكرية، ولكن دون جدوى. أي أن المعارك بين المسلمين في العراق وسورية وبين الروم في تركيا لم تتوقف قط خلال أكثر من 500 سنة.

(3) أي أشجار كثيفة ملتفة.

(4) السباع: الشخص الذي يمتهن حرفة ترويض الأسود والنمور والمتاجرة بها.

(5) معرزاف: قرية جميلة ما تزال مسكونة عامرة، تقع بين مدينة حماة وقلعة شيزر.

يتبع في العدد القادم بإذن الله




 

 

أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح ©  2009