العدد 143 - 1/3/2009

ـ

ـ

ـ

 

الحلقة الثانية

 

إعداد: شريف الراس

رسوم: ضياء حجار

أحببنا أن نخرج به من دائرة الحزن والذكريات المؤلمة ونعود به إلى أحاديث البطولة والشجاعة فسألناه:

- هل كانت النساء في أيامكم يشتركن في معارك القتال؟

قال:

اسمعوا هذه الحكاية. كان لي ابن عم اسمه شبيب بن حامد، وهو تربي ولداتي، إذ ولدت أنا وهو في يومٍ واحد. غير أنه ما باشر حرباً أو اشترك في قتال إلى أن بلغنا سن الخامسة والعشرين، بينما كنت أنا فارس الحرب وقطبها.

في تلك السنة تعرضت مدينتنا الحصينة شيزر إلى هجومٍ ضارٍ من الأعداء، واستطاعوا أن يحتلوا الحصن الذي عند باب السور، فرأى قائدهم ابن عمي شبيباً فناداه من أعلى الحصن قائلاً:"ارجع إلى بيتك فاحمل ما تقدر عليه من المال ورح لا تقتل. فنحن قد ملكنا هذا الحصن وغداً نحتل مدينتكم كلها". فرجع الخائب إلى الدار وقال لمن فيها من النساء: "من كان معه مالٌ أو حلي أو ذهبٌ فليعطني إياه" فخافت النساء وأعطينه معظم ما عندهن. وبينما هو كذلك إذ دخل الدار فارسٌ مجاهدٌ يرتدي درعاً وخوذةً من الزرد، ومعه سيفٌ وترسٌ، فلما رآه شبيبٌ خاف وأيقن بالموت.

رفع الفارس خوذته ولثامه فإذا هي أم ابن عمه ليث الدولة يحيى فسألته:

- إيش تريد تعمل يا شبيب؟

قال: آخذ ما قدرت عليه، وأنزل من سور القلعة بحبلٍ، وأعيش في الدنيا.

فقالت: بئس ما تفعل يا من فقدت المروءة والنخوة.. تخلي بنات عمك وأهلك للكفار الغزاة وتروح؟.. أي عيشٍ يكون عيشك إذا افتضحت في أهلك وانهزمت عنهم؟.. كن رجلاً واحمل سلاحك فقاتل عن أهلك ومدينتك حتى تقتل بهم.. هيا اخرج فعل الله بك وفعل.

ومنعته –رحمها الله- من الهرب.

فأثرت به بطولة هذه المرأة الشجاعة فانقلب مقاتلاً وأصبح بعد ذلك من الفرسان المعدودين.

وفي ذلك اليوم العصيب، وقد اشتدت وطأة الأعداء على مدينتنا المحاصرة، فرقت أمي سيوفي ودروعي وتروسي ورماحي على كل من يقدر على حمل السلاح من الأهالي، رجالاً ونساءً، ثم جاءت إلى أختي الكبرى وقالت لها: "البسي حذاءك وإزارك" فلبست، فأخذتها إلى نافذةٍ في داري تشرف على الوادي السحيق من فوق السور العالي، فأجلستها على حافة النافذة وجلست إلى جانبها.

ونصرنا الله –سبحانه- عليهم، وانهزموا مدحورين ملعونين، فجئت إلى البيت لأبشر الوالدة، ولكنني عندما وجدت الدار خاليةً من السلاح سألت أمي: "يا أمي أين أسلحتي؟". قالت: "يا بني.. لقد أعطيت السلاح لمن يقاتل دفاعاً عنا. وما ظننتك سالماً". فنظرت إلى أختي الجالسة في النافذة وسألت: "وأختي.. أي شيءٍ تعمل هنا؟". قالت: "يا بني أجلستها على هذه الحافة وجلست أنتظر. فإذا رأيتُ الأعداء لعنهم الله قد وصلوا إلينا، دفعتها فرميتها إلى الوادي، فأراها قد ماتت ولا أراها في أيدي الأعداء مأسورةً".

فشكرتها على ذلك، وشكرتها أختي وأثنت على ما فعلته. فهذه النخوة أشد من نخوات الرجال.

وإنني لا أنسى ما حييت بسالة السيدة "فنون" في ذلك اليوم العصيب.

تسألونني: من هي هذه السيدة فنون؟

أجيبكم: إنها امرأةٌ عجوزٌ فقيرةٌ من أهالي شيزر، زوجة أبي عبد الرحمن أجير الطاحون، فقد تلثمت هذه العجوز الباسلة، وأخذت سيفاً وخرجت إلى القتال. وما زالت كذلك حتى تحقق النصر وزال الخطر.

أطرق هذا المجاهد البديع صامتاً هنيهةً ثم نظر إلينا قائلاً:

- ارفعوا أياديكم بالدعاء إلى الله تعالى يا أولادي وقولوا: اللهم ارحم البنت رفول.

سألناه: ومن تكون هذه البنت رفول؟.. وما حكايتها؟

قال: كان في جند شيزر مقاتلٌ كرديٌ شجاع يقال له: "أبو الجيش". وله بنتٌ اسمها "رفول". وقد أسرها الإفرنج وأخذوها معهم. فتوسوس أبو الجيش وكاد يصاب بالجنون. كان يقول لكل من يلقاه في الطريق: "سبيت رفول". فخرجنا من الغد نسير على الدرب التي ذهب منها أولئك الظالمون، نريد أن نخلص الأسيرة من أيديهم. فوصلنا إلى نهر العاصي، فوجدنا في جانب الماء سواداً، فقلنا لأحد الغلمان: اسبح وأبصر ما هذا السواد؟". فمضى إليه فإذا ذلك السواد البنت رفول –رحمها الله- وعليها ثوبٌ أزرق. لقد رمت نفسها من على فرس الإفرنجي الذي أخذها، فغرقت، وعلق ثوبها في شجرة صفصاف. لقد فضلت الموت على الأسر لدى أعداء الله. فسكنت لوعة أبيها "أبي الجيش" واستراحت نفسه.

فرفعنا أيدينا بالدعاء: اللهم اشمل رفول برحمتك.

ثم سأله واحدٌ منا:

يا عم أسامة.. من هي المرأة التي أحببتها أو أعجبت بها أكثر من نساء العالم جميعاً؟.

فأجاب على الفور: جدتي.. هذه العجوز الجميلة التقية الرائعة. كانت جدتي من صالحي المسلمين في التقى والصلاة والصوم والإيمان.

اسمعوا هذه الحكاية:

ذات مرة، وكنا نحتفل بليلة نصف شعبان قالت جدتي (وقد شارفت على المائة سنة) لأبي وهو شيخٌ عجوزٌ ابن سبعين سنة:

- ألا تقوم للصلاة يا ولدي؟.. أريد أن أأتم بك لنصلي جماعةً. يسعدني سماع صوتك وأنت ترتل القرآن في الصلاة، تطربني تلاوتك الجميلة.

فنهض أبي مسروراً وأقام الصلاة ثم التفت إلينا وقد اصطففنا للصلاة  خلفه أنا وإخوتي وجدتي فقال لها:

- يا أمي. لو جلست فصليت من قعود. إنه مباحٌ لمن هو في مثل سنك أن يصلي قاعداً لا واقفاً. خاصةً وأنت تعلمين بأنني أطيل في قراءة القرآن أثناء الصلاة.

فأجابته:

- يا بني.. هل بقي لي من العمر ما أعيش إلى ليلةٍ مباركةٍ مثل هذه الليلة؟.. لا والله لن أجلس.

وأدت الصلاة وهي على أروع ما تكون همةً ونشاطاً وعزماً.

صمت أسامة بن منقذ هنيهةٍ ثم أضاف.

كانت الصلاة خلف أبي متعةً روحيةً لا متعة فوقها. وكان من عادته أنه إذا دخل في الصلاة فإنه لا يقطعها حتى لو دوهم بأشد المخاطر. بل حتى لو زلزلت الأرض زلزالها. وكنت عندما أفاتحه بهذا الموضوع يبتسم ويقول لي: "أنسيت حكاية حسن الزاهد؟". فأجيبه: "لا والله ما نسيتها" فيقول لي: "إذن اروها لنا مرةً أخرى ما دمت قد شهدتها بنفسك".

وإليكم حكاية حسن الزاهد:

ذات مرةٍ هاجمنا الإفرنج –لعنهم الله- بعساكر كثيرةٍ، فرساناً وراجلين، وبيننا وبينهم نهر العاصي، وكان وقتذاك في موسم فيضانه. فلا هم يقدرون أن يجوزوا إلينا ولا نحن نقدر أن نجوز إليهم. فنزلوا على الجبل بخيامهم، ونزل منهم قومٌ إلى البساتين –وهي من جانبهم- وأفلتوا فيها خيلهم لترعى وناموا في ظل الأشجار. فتجرد شبابٌ من مجاهدي شيزر وخلعوا ثيابهم، وحملوا سيوفهم، وسبحوا إلى أولئك النيام، فقتلوا بعضهم ورجعوا سابحين منتصرين. فانتبه الإفرنج إلى فجيعتهم فتصايحوا وهبوا للثأر غاضبين. كانت عساكرهم –فرساناً وراجلين- تنحدر من الجبل كالسيل. وهم يمرون إلى جانب مسجدٍ هناك اسمه جامع أبي المجد بن سمية. وفيه رجلٌ يقال له: حسن الزاهد وهو واقفٌ على سطح المسجد يصلي، وعليه ثيابٌ سود. ونحن نراه وما لنا إليه من سبيل. وقد احتشد الإفرنج حول المسجد، ونزلوا على بابه، وصعدوا إلى الشيخ حسن ونحن نقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله.. الساعة يقتلونه وقد أعماهم الغضب والحقد". فلا والله ما قطع الرجل صلاته ولا تحول من مكانه. وعاد الإفرنج فنزلوا، وركبوا خيلهم وانصرفوا، وهو واقفٌ مكانه يصلي.. ولا نشك أن الله سبحانه أعماهم عنه وستره عن أبصارهم.

وإنني أظل أروي هذه الحادثة التي شهدتها بنفسي، أرويها للأجيال شاهداً على لطف الله تعالى وحسن دفاعه. وكلما رويتها أتذكر عادة أبي في عدم قطعه الصلاة مهما داهمته المخاطر.

وكانت لأبي –إلى جانب هواية الصيد- هوايةٌ أخرى لا أجمل منها ولا أشرف. ذلك أنه كان خطاطاً، أي فناناً في كتابة الخط العربي البديع. فاستثمر هذه البراعة في كتابة المصاحف. وكان لا ينسخ غير القرآن. وكنت أقف ساعاتٍ أتأمله معجباً به وهو ينسخ صفحاتٍ من القرآن بخطه الجميل. سألته يوماً فقلت:

- يا مولاي.. كم مصحفاً كتبت؟

قال: ستعرف في الوقت المناسب.

فلما حضرته الوفاة قال:

- في ذلك الصندوق أوراقٌ كتبت على كل منها سورة الفاتحة، رمزاً لنسخةٍ كاملةٍ نسختها من المصحف الشريف. ضعوا هذه الأوراق تحت خدي في القبر.

فعددناها فكانت ثلاثاً وأربعين ورقةً. فكان قد كتب بعددها مصاحف شريفةً. منها نسخةٌ كبيرةٌ كتبها بماء الذهب. وإنني أذكر ذلك لأستدعي له الرحمة.

قلنا له: لقد لاحظنا عليك أنك لا تتحدث بالثناء إلا على الفرسان والمقاتلين والمجاهدين. ألم يحدث أن أعجبت مرةً برجلٍ عادي؟

قال: بلى.. وهو بدوي.. وإن لي معه حكايةً عجيبة.

ذات مرةٍ كنت مسافراً بطريق البر من مصر إلى الشام، مع قافلة المسافرين. وفي موقع من الطريق –في البادية: شمال صحراء سيناء- توقفت القافلة للاستراحة والمبيت. فتركتهم ومضيت وحدي مدفوعاً بهواية الصيد. كانت أحب أن أصطاد طيراً أو أرنباً. فوقعت في كمينٍ لجماعةٍ من الإفرنج فأخذوني أسيراً ومضوا بي إلى بلدة بيت جبرين، وهي بلدةٌ تقع بين غزة والقدس يحتلها الإفرنج. وحين عرف كبيرهم من أنا قال لي: "لن نطلقك إلا لقاء فديةٍ مقدارها ألفُ دينارٍ ذهباً". ثم أصدر أمره لرجاله فحبسوني في جبٍ وحدي. فبقيت في ذلك الجب سنةً لا يسأل عني أحد. إذ كيف يصل الخبر إلى أبي فيرسل ثمن فديتي؟.

إلى أن حدث ذات يومٍ أن كشف غطاء الجب، ودلوا إلي بالقفة والحبال رجلاً بدوياً.

فسألته: من أين أخذوك؟

قال: من الطريق.. وإنهم لن يطلقوني من الأسر إلا لقاء فديةٍٍ حددها كبيرهم الظالم بخمسين ديناراً.

وأقام ذلك الرجل معي في الجب المظلم بضعة أيامٍ. لا يسأل أحدٌ عنه أو عني. فقال لي: هل تصدقني إذا أخبرتك بأنه لن يخلصك من هذا الجب أحدٌ غيري أنا؟.. فخلصني حتى يخلصك.

فقلت في نفسي: هذا رجلٌ قد وقع في شدةٍ ويريد لروحه الخلاص فلم أجاوبه.

ثم عاد فكرر قوله في اليوم التالي. فقلت في نفسي: والله لأسعين في خلاصه، لعل الله يكتب لي ثواباً فيخلصني بثوابه.

فصحتُ بأعلى صوتي للسجان: أخبروا قائدكم بأنني أريد أن أتحدث معه.

وبعد ساعةٍ عاد السجان وكشف غطاء الجب، ودلى سلماً من حبالٍ صعدت عليه وخرجت، فاقتادوني إلى كبيرهم فقلت له: لقد مرت علي سنةٌ وأنا في حبسك ما سأل عني أحدٌ. ولا أحد يدري أأنا حيٌ أو ميت. وقد حبست معي هذا البدوي لقاء فديةٍ قدرها خمسون ديناراً. وإنني أقترح عليك أن تزيدها على فديتي لتصبح ألفاً وخمسين، فأوفد هذا الأسير إلى أبي فيعلم بي فيرسل المبلغ ويفكني. ولا سبيل آخر لحصولك على المبلغين.

قال كبيرهم: موافق.

وأعادوني إلى الجب فأخبرت البدوي بما جرى وعرفته بتفاصيل الخطة ففرح فرحاً عظيماً وعانقني مودعاً وخرج.

فانتظرت أكثر من شهرين، فما رأيت له أثراً ولا سمعت عنه خبراً. فيئست منه. إلى أن فوجئت بعد ذلك بأيام عديدة –وسط العتمة المطبقة في الجب- بسماع صوت حفرٍ في الجدار الصخري. ثم ها إن الرجل ينقب جدار الجب ويأتيني زاحفاً بصعوبة ليعانقني بحرارةٍ وهو يقول:

"قم.. والله إن لي خمسة أشهرٍ وأنا أحفر في هذا السرداب حتى وصلت إليك".

فقمت معه وتسللنا زحفاً في ذلك السرداب الضيق الطويل حتى خرجنا منه. فكسر قيدي، ثم سار معي ليوصلني إلى أهلي.

فما أدري مم أعجب: من حسن وفائه، أم من جلده وصبره، أم من حدة ذكائه بحيث حفر في الاتجاه الصحيح حتى وصل إلى موقع الجب في باطن الأرض؟

رفع أسامة بن منقذ رأسه، بعد هذه الحكاية الجميلة، وسألنا:

- أتحبون أن تسمعوا تعليقي على هذا الموقف الرائع، ورأيي في تفاضل الرجال في هممهم ونخواتهم؟

أجبناه: نعم.

قال: كان أبي –رحمه الله- يقول لي: يا أسامة: كل شيءٍ جيدٍ، له ما يكون بقيمته من الأشياء.. إلا ابن آدم. فإن ألف رجلٍ أردياء لا يساوون رجلاً واحداً جيداً.

وعلى ذكر النخوة والمروءة اسمعوا هذه الحكاية:

على بعد المسير نصف يومٍ شرقاً من شيزر توجد بلدةٌ جميلة اسمها "كفرطاب" استطاع الإفرنج –لعنهم الله- أن يحتلوها بعد محاولات عديدة. وحين استقر الوضع فيها لملكهم تيوفيل التحق به رجلٌ من الأهالي اسمه "أبو جرمق" فاشتغل جاسوساً لديه. كان يمد أولئك المحتلين البشعين بالمعلومات الدقيقة التي ساعدتهم على أن ينزلوا بالمسلمين بالغ الأذى، فينهبوا الأموال ويقتلوا النفوس ويسفكوا الدماء البريئة. حتى انقطع درب المسافرين ولم يعد أحدٌ من أهالي قرى تلك المنطقة يجرؤ على أن يغادر قريته.

وكان لهذا الوغد الخائن امرأةٌ تعيش معه في "كفرطاب" تحت سلطان ملك الإفرنج، كانت تنكر عليه أفعاله الذميمة وتنهاه فلا ينتهي.

فأرسلت تستدعي إليها أخاها الذي يعيش في قريةٍ مجاورة، وأخفته في البيت إلى الليل. واجتمعت هي وهو على زوجها الخائن اللعين فقتلاه.

ثم جمعا كل ما يستطيعان حمله من أغراضٍ وتسللا هاربين. ومع شروق الشمس كانا عندنا بشيزر.

قالت: لقد غضبت للمسلمين مما كان يفعل بهم هذا الكافر.. لقد أرحت الناس من هذا الشيطان.. فالحمد لله.

فاستقبلناها بما تستحق من الحفاوة والتكريم، ورعينا لها ما فعلت. وعاشت عندنا معززةً مكرمةً.

وصمت هذا الفارس الرائع هنيهةً كأنه يستعرض في ذهنه الذكريات الجميلة التي يحب أن يحكيها لنا، فقلنا له:

- نرجوك أن تحكي لنا عن أول معركة قتالٍ حربيةً خضتها في حياتك.

ابتسم الرجل المهيب وقال:

كان ذلك في سنة 513 هجرية. وهي سنةٌ مباركةٌ استطاع فيها المجاهد الكبير نجم الدين بن أرتق، أمير بلدة ماردين أن يكسر الإفرنج في إنطاكية (وهي أكبر مواقعهم وأقواها) في معركةٍ هائلة كتب الله النصر فيها للمسلمين، فقتل ملك الإفرنج روجار وأبيد فرسانه جميعاً. واهتزت الدنيا لهذا النبأ. وما لبث الإفرنج الذين يحتلون قلعة أفاميا القريبة من شيزر أن جمعوا قواهم وساروا في اتجاه إنطاكية ليشتركوا مع أصحابهم في  معركة ثأر. وفي الوقت ذاته حشد عمي "أبو العساكر" أمير شيزر قواتنا وقادها باتجاه إنطاكية أيضاً لتهنئة البطل المنتصر نجم الدين بن أرتق، والانضمام إلى قوات المسلمين في معركة الثأر المتوقعة.

وقال عمي لأبي وهو يودعه: أوصيك يا أخي بأن تسير ابنك أسامة على رأس قوةٍ إلى أفامية وقد خلت من المحاربين تقريباً، ليقوموا هناك بنهب الزرع وإتلافه وحرقه. فهذه فرصةٌ ثمينة علينا أن نستغلها.

فقال له أبي: سأفعل ذلك.. وسوف أسير أسامة في الغد إن شاء الله.

رفعنا أيدينا طالبين التوقف قليلاً لنسأله:

- كم كان سنك آنذاك؟

أجاب: ست عشرة سنة.

قلنا:

- وكيف وافق أبوك على تكليفك بهذه المهمة الخطيرة وأنت ما تزال فتىً يافعاً؟

ابتسم وقال:

- دعوني أذكر لكم حادثةً قد تدهشكم، ثم نعود بعد ذلك إلى حديث خروجي إلى أفاميا وخوضي أول معركةٍ حربيةٍ في حياتي.

ذات يوم، وكنت في سن العاشرة، كنا جالسين حول المائدة في باحة بيتنا نتناول طعام الغداء، ففوجئنا بأمي تصرخ مذعورةً وهي تشير إلى مكانٍ عالٍ في الجدار المبني من كتلٍ صخريةٍ منحوتة: ع73 "حية.. حية".وتيبست اللقمة في فمها.

قال أبي: إنها حيةًٌ عظيمة.. لكن لا تخافوا.

وظلت العيون مصوبةً نحو تلك الحية المخيفة. فنهضت وجلبت سلماً كان في جانب الدار، فأسندته على الجدار تحت الحية وصعدت إليها.

وأبي يراني فلا ينهاني. وأخرجت سكيناً صغيرةً من وسطي وطرحتها على رقبة الحية، وبين وجهي وبينها أقل من ذراع، وجعلت أحز رأسها، فخرجت والتفت على ذراعي وضغطت بقوة. لكنني واصلت الحز بالسكين إلى أن قطعت رأسها وألقيتها إلى الدار، وهي ميتة.

فلا والله ما سمعت من أبي وأمي نهياً أو تحذيراً أو لوماً رغم إقدامي على ركوب ذلك الخطر المخيف.

بل إن أبي –رحمه الله- كان على عكس ذلك يشجعني على الإقدام. ما رأيته طول عمري ينهاني عن قتالٍ إلا مرةً واحدة.

كان ذلك يوم أن خرجنا لقتال أسدٍ قطع طريق المسافرين عند الجسر الذي لا مدخل إلى مدينتنا سواه. كان في الحشد أبي وعمي وأخي بهاء الدولة وفرسانٌ كثيرون. فلما وصلنا إلى ذلك المكان هاجمنا الأسد الضاري من أجمةٍ كان مختبئاً فيها. فحمل على الخيل ثم وقف يزأر غاضباً مكشراً عن أنيابه القاتلة. وأنا وأخي بين الأسد وبين موكبٍ فيه أبي وعمي والفرسان الآخرون، والأسد قد ربض على حافة النهر يحك صدره على الأرض ويزأر. فحملت عليه وهجمت مصوباً رمحي إليه. فصاح علي أبي:"لا تستقبله يا مجنون، فيأخذك". فطعنته بالرمح فلا والله ما تحرك من مكانه، ومات موضعه.

فما رأيت أبي نهاني عن قتالٍ غير ذلك اليوم.

قلنا: نعود –لو سمحت- إلى حديث معركة أفاميا.

قال: سرت على رأس عشرين فارساً، ومعنا خلقٌ كثير من الفلاحين والبدو الذين سيقومون بإتلاف زرع العدو وإحراقه، ونقوم نحن بحمايتهم. وكان في التصور أن أفامية شبة خالية من الفرسان أو المقاتلين. لكننا عندما وصلنا فوجئنا بأكثر من مائة فرس يقبلون كالصاعقة ليقتلوا الفلاحين والبدو العزل المنتشرين في الحقول. آنذاك هان علي الموت لهلاك هؤلاء الخلق الذين جاءوا معي ووثقوا بقدرتي على حمايتهم. فأسرعت إلى فارس كان في مقدمة المهاجمين وأنا أهتف "الله أكبر" بقوة إيمانٍ هائلة، وطعنته بالرمح في صدره فطار عن سرجه ميتاً. ثم استقبلت خيلهم المتتابعة فولوا. وأنا غرٌ في القتال ما حضرت قتالاً قبل ذلك اليوم، وتحتي فرسٌ مثل الطير، ألحق أعقابهم لأطعن فيهم ثم أرتد عنهم.

وكان في آخرهم فارسٌ على حصانٍ كبير، مثل الجمل، كان يرتدي درعاً من زرد. كنت ألاحقه وأنا خائفٌ من أن يكون قد أعد ليستدرجني خلفه ثم يعود منقلباً علي فيقتلني. لكنني لاحظت أنه هو وحصانه قد بلغا حالةً شديدةً من التعب والإعياء، فحملت عليه وطعنته بكل قوتي وعزمي، فنفذ الرمح من قدامه نحواً من ذراع. وكدت أطير فوق السرج لخفة جسمي وقوة الطعنة وسرعة الفرس. ثم تراجعت وجذبت رمحي وأنا أظن أنني قتلته.

حمدنا الله وشكرناه عندما وجدنا أن من معنا جميعاً قد نجوا ولم يصبهم أي أذى. ومن العجيب أن أخبارنا المفرحة وصلت إلى شيزر قبل وصولنا. فاستقبلني أبي معانقاً مهنئاً وسألني عن سبب ما فعلت فقلت:

- يا مولاي.. كان هذا أول قتالٍ حضرته. فلما رأيت الإفرنج قد وصلوا إلى الناس هان علي الموت. فهجمت على الإفرنج لأقتل أو أحمي الناس الذين وثقوا بي.

وبعد أيامٍ رجع أمير شيزر من إنطاكية. فأتاني رسولٌ منه يستدعيني إليه في وقتٍ ما جرت عادته فيه. فجئته فإذا عنده رجلٌ من الإفرنج، فقال: "هذا الفارس جاء من أفامية يريد أن يبصر الفارس الذي طعن قائدهم فيليب. فإن الإفرنج تعجبوا من تلك الطعنة الهائلة التي خرقت زرد الدرع من ثغرتين. لكن ذلك الفارس سلم".

فسألت مستغرباً: كيف سلم؟

أجابني ذلك الفارس الإفرنجي: جاءت الطعنة في جلدة خاصرته.

قلت: نعم.. الأجل حصن حصين. وما ظننته يسلم من تلك الطعنة

ألا ما أجمل حكايات أسامة بن منقذ .. هذا الجد العربي العظيم.

النهاية

 


 

 

أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح ©  2009