العدد 144 - 15/3/2009

ـ

ـ

ـ

 

الحلقة الأولى

 

إعداد: شريف الراس

رسوم: مؤيد نعمة

من هو ابن الجوزي؟

لو صدف أنك دخلت بغداد في يوم الجمعة بعد صلاة الظهر –وقبل تسعمائة عام- فإنك لن تجد فيها أحداً بانتظارك. فالشوارع خاليةٌ والأزقة مقفرةٌ، والأسواق مقفلةٌ، والصمت يخيم على كل شيء.

وإذا أسعدك الحظ وقد وجدت صبياً يسير على عجل لتسأله:

- ماذا جرى؟.. أين ذهب الناس؟.

فيجيبك: وأنت، ماذا تفعل هنا يا عم؟.. ما الذي أخرك عن مجلس الشيخ؟

فتصاب بالحيرة وتسأل:

- عفواً إنني غريبٌ هنا ولكن عن أي شيخ تتحدث؟

ويقودك الصبي المسرع من يدك ويقول لك:

- الشيخ ابن الجوزي.. إنه هناك بمجلسه بدرب دينار يجلس للوعظ والإرشاد، والناس يجلسون مستمعين إليه.

وقبل أن تصل إلى مجلس الشيخ بمحلة درب دينار ترى من بعيدٍ جمعاً غفيراً من الناس يجلسون خارج المدرسة.. وقد تحلقوا حول الشيخ حلقة بعد حلقة.. حتى ضاق بهم المكان وانسدت الطرقات.

- ياله من جمعٍ غفير.. ترى كم يبلغ عددهم؟

فيجيبك الفتى:

- في الأسبوع الماضي كان عددهم ثلاثمائة ألف رجل، وربما هم اليوم أكثر من ذلك!

ترى ما السر الذي يجلب الناس إلى مجلس ابن الجوزي ويجعلهم يقدمون منذ الصباح الباكر ليحجزوا لهم أماكن في المقدمة.. ذلك السر الذي يجعل من بغداد المدينة المزدهرة ذات الأسواق المزدحمة تخلو من ناسها.

اجلس واستمع.

وتجلس لتصغي إلى الرجل، وهو يتحدث بصوتٍ جهوري واضح وكلامٍ عذبٍ ينم عن علمٍ وفير وذكاءٍ وقدرةٍ فائقةٍ على جعل الآخرين ينصتون إليه بشغفٍ وصمت.

وينتهي المجلس، وينهض الناس شاكرين للشيخ عمله.. وبالمقدمة رجلٌ مهيب الهيئة حلو اللباس يحيط به رجال الحاشية والحراس، يسلم على الشيخ بود وحرارة، وتسأل جارك:

- ترى من يكون ذلك الشخص الجليل؟

فيقول لك: إنه الخليفة المستضيء بالله الذي يحرص على حضور مجلس الشيخ أبي علي والاستزادة من علمه.

وتعود لتسأل الصبي الذي رافقك إلى المجلس:

- أتعرف أشياء كثيرةً عن شيخكم أيها الفتى الرائع؟

يجيبك الفتى بلسانٍ حلو ومنطقٍ سليم وثقةٍ ممتازة:

- نعم، فأنا أحد تلامذته بمدرسته في درب دينار، إن شيخنا أخذ العلم عن كبار علماء عصره ونبغ وهو فتى صغيرٌ. درس اللغة والأدب والفقه والتفسير والحديث. وهو اليوم يقدمها لنا بعد أن نبغ فيها وألف ثلاثمائة كتاب.

وتصاب بالدهشة وتسأل الصبي:

- إنك تبالغ يا صغيري.. إن ثلاثمائة كتاب رقمٌ كبير.

يهز الفتى رأسه ويقول لك:

- لا.. لا أبالغ فأنا أستطيع أن أذكر لك أسماء كتبه كلها.

- وهل قرأت شيئاً من كتبه؟

يريك الفتى كتاباً كان يحمله بيده ويقول:

- نعم.. والآن أقرأ في أهم كتبه وهو (تلبيس إبليس).

وهو كتابٌ ممتعٌ يدعو فيه ابن الجوزي الناس إلى الطريق الصحيح والتنبيه إلى مكائد الشيطان وخداعه التي تزين لهم المعاصي والسيئات.

*     *    *

لذا فإنني لا أعجب اليوم حين أرى في مدينتنا مدرسةً اسمها ابن الجوزي ومكتبة ابن الجوزي العامة، وهناك شارعٌ سمي باسمه وحيٌ كاملٌ كذلك، وربما منشآت أخرى لا أذكرها.

وفي مكتبة ابن الجوزي العامة ببغداد لوحةٌ وضعت عند الباب قرأت عليها تعريفاً به:

* الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي.

* ولد ببغداد سنة 510هـ وتوفي فيها سنة 597هـ.

* ألف حوالي 300 كتاب في التفسير والحديث والفقه واللغة والأدب والحكايات والنوادر.

* كان واعظ بغداد وعالمها وخطيبها الأكبر.

* من أشهر مؤلفاته: 

  ـ المدهش

  ـ عجائب البدائع

  ـ تلبيس إبليس

  ـ الأذكياء

  ـ نوادر الحمقى والمجانين.

كتاب الأذكياء

من الكتب الطريفة التي ألفها ابن الجوزي، وهو كتابٌ صغير الحجم كبير الفائدة، بين فيه المؤلف حقيقة الذكاء وأهميته وما جاء فيه من النصوص والأقوال، من خلال عشرات الحكايات الممتعة اللطيفة التي ذكرت عن الأذكياء العرب والمسلمين في كل العصور. والغرض من الكتاب تمجيد العقل البشري وتمجيد البشر الذين أسبغ الله عليهم نعمة الذكاء، فضلاً عن المتعة التي توفرها قراءة حكاياته اللطيفة ونوادره الرائعة.

من ذكاء النبي صلى الله عليه وسلم

حكى الصحابي الجليل أبو هريرة *رضي الله عنه قال: إن رجلاً من المسلمين جاء إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم واشتكى له قائلاً:

- يا رسول الله عندي جارٌ يضايقني ويسبب لي الأذى والضرر، وكلما أحاول أن أنبهه إلى سوء فعله في إيذائي كان يسخر مني ويزيد في فعله السيء هذا.

ففكر الرسول الكريم قليلاً ثم طلب من الرجل أن يعود إلى بيته ويخرج حاجاته وأغراضه ويكدسها أمام البيت، وسيمتنع الرجل عن إيذائه.

دهش الرجل أول الأمر وسأل نفسه: (ما علاقة حاجاتي بهذا؟). لكنه كان يعرف فطنة الرسول الكريم وذكاءه. فعاد إلى البيت وأخرج كل ما في البيت من فراس وأسرةٍ وأوانٍ. وعندما كان الناس يمرون أمام بيته كانوا يشعرون بالدهشة، فسأل أحدهم الرجل:

- ماذا جرى لك؟

قال الرجل: إن جاري أبا فلان يزعجني ويؤذيني فذكرت قصتي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلب مني أن أفعل هذا؟

وعندما سمع الحاضرون ذلك شعروا بالأسف وراحوا يلعنون ذلك الجار الجاحد قائلين: اللهم العنه.. اللهم اجلب له الخزي والعار.

ثم مضوا وجاء آخرون وسمعوا القصة وراحوا يلعنون الجار قائلين:

- اللهم افضحه، اللهم اجعله في النار.

وعندما سمع ذلك الجار ما كان يجري، حضر مسرعاً وهو يلهث وعرق الخجل يتصبب من جبينه وقال:

- يا جاري العزيز.. العفو.. والرحمة.. عد إلى بيتك وإلا جلبت علي لعنات المسلمين وغضبهم.. عد إلى بيتك فو الله لن أؤذيك بعد اليوم أبداً.

سارق الإوز

كان ياما كان في عهد النبي سليمان**"عليه السلام" كان هناك رجلٌ يمتلك قطيعاً من الإوز, يربيه ويرعاه ويعيش من بيعه وبيع بيضه، ولكن ذلك الرجل المسكين كان يجد إوزاته تنقص كل يوم، فكان كلما نهض في الصباح وأطل على قطيع الإوز وعده وجده ناقصاً إوزةً أو اثنتين، فساورته الشكوك في أحد جيرانه، فذهب إلى نبي الله سليمان عليه السلام وقال له بألم ورجاء:

- يا نبي الله.. إن جاري يسرق إوزي.

نظر إليه النبي سليمان بإمعانٍ، وكان مشهوراً بالفطنة والذكاء الحاد، فلمس صدقه وضعف حاله فطمأنه وقال لرجاله:

- ادعوا الناس إلى الصلاة الجامعة.

وانطلق رجال النبي سليمان في الشوارع والحارات، وراحوا يدعون الناس إلى الصلاة الجامعة في المسجد، حتى خلت المدينة ولم يبق فيها أحدٌ يمشي في الشارع أو يمكث في البيت، ذلك أن النبي سليمان كان إذا أراد أن يخبرهم بخبر هامٍ دعاهم إلى الصلاة.

غص المسجد بالناس، وصعد النبي سليمان إلى المنبر وراح يخطب وهو يلقي نظراتٍ فاحصةٍ على جموع الناس، حتى قال في خطبته:

- إن واحداً منكم يسرق إوزة جاره ثم يدخل المسجد والريش على رأسه.

وهنا مسح أحد الحاضرين بيده على رأسه.. فلمحه النبي سليمان وصاح:

- هذا هو السارق فخذوه.

فأخذ الحراس السارق الذي دهش، وكان يردد في نفسه:

- كيف عرفني النبي سليمان، ولم يكن هناك ريشٌ على رأسي؟!

إياس قاضي البصرة***

في البصرة وقبل أكثر من ألفٍ وثلاثمائة عام كان يتولى مهمة القضاء بين الناس شابٌ فطنٌ لامع الذكاء اسمه إياس بن معاوية، وكان إياس موهوباً منحه الله قدرةً على حل المشاكل المعقدة والألغاز المحيرة.

وذات يوم دخل إلى مجلس القاضي رجلان، كان الأول باكياً نادباً خائفاً وهو يقول: يا سيدي القاضي، دفعت إلى صديقي هذا "أبي حسان" مئة ألف درهم، وقلت له إنها أمانةٌ عندك.. احفظها لي حتى أعود من سفري.

وها أنذا عدت من سفري وطلبت منه أن يرد مالي فأبى وأنكر.

سأله القاضي:

- ومن كان معكما عندما أعطيته المال؟

قال الرجل باكياً:

- لم يكن معنا أحدٌ. فقد خرج ليودعني، وعندما وصلنا إلى شجرةٍ تقع خارج سور المدينة أعطيته المال.. يا ويلي.. ليتني لم أسافر ولم أعرف أبا حسانٍ هذا!!

فكر القاضي ملياً ثم قال للرجل:

- أهدأ يا رجل، واذهب إلى موضع الشجرة التي أعطيته قربها مالك.. لعل الله تعالى يوضح لك هناك ما يساعدك على الوصول إلى حقك، أو ربما دفنت مالك بقرب الشجرة فتتذكر ذلك.

ثم التفت إلى أبي حسان وقال له:

- أما أنت فاجلس هنا إلى جانبي حتى يعود صاحبك.

ومضى القاضي إياس يقضي بين الناس وهو ينظر إلى أبي حسان بين آونةٍ وأخرى. وبعد مدةٍ فاجأه بهذا السؤال:

- يا أبا حسان: أترى صاحبك قد وصل الآن إلى موضع الشجرة التي أودعك بقربها المال؟

رد الرجل بسرعةٍ: لا.. إنه يحتاج إلى زمنٍ أطول لوصوله إليها.

فصرخ القاضي بوجهه:

- يا عدو الله يا خائن الأمانة.

فتلعثم الرجل وارتبك وأمسك بيد القاضي ليقبلها وهو يقول:

- سامحني.. ليحفظك الله أيها القاضي.. سامحني.

فأمر إياسٌ رجال شرطته أن يحجزوا الخائن حتى يعود صاحبه، فلما عاد هذا وهو لاهثٌ مرتبكٌ يشكو سوء حظه وضياع ماله قال له إياس:

لقد اعترف الرجل بمالك فخذه منه.

*     *     *

... ومما يحكى عن إياس أيضاً:

ذهب القاضي إياس إلى الحج وفي الطريق نزل مع أصحابه بقريةٍ فسمع نباح كلبٍ فقال: هذا كلبٌ مشدود. ثم سمع نباحه بعد قليل فقال:

- لقد فكوا وثاق الكلب.

فلما وصلوا إلى القرية وسألوا عن الكلب وجدوا الحكاية صحيحةً. فقال أحدهم لإياس:

- وكيف عرفت ذلك؟

قال: لقد كان نباح الكلب يسمع من مكان واحد فعرفت أنه مقيد.

ثم سمعت صوته يقرب مرة ويبعد أخرى فعرفت أنه قد أطلق.

أتمم ليلتك بالشكر

كان يعيش ببغداد عالمٌ فقيه، ومجتهدٌ كبير اسمه أبو حنيفة النعمان**** .

وكان الناس يلجأون إليه بمشاكلهم وأسئلتهم فيجدون عنده صدراً رحباً وعقلاً كبيراً، فضلاً عن روحٍ مرحةٍ وذكاءٍ لامع.

وذات يوم جاء إلى أبي حنيفة صديقٌ له، وكان شديد القلق كثير الاضطراب، فسأله أبو حنيفة:

- ماذا جرى لك يا رجل؟

رد الرجل بيأس:

- لقد دفنت مالي في مكانٍ ما، ونسيت ذلك المكان، وأخشى أن تضيع ثروتي.. فساعدني ساعدك الله!

صمت أبو حنيفة ملياً وفكر عميقاً ثم قال لصاحبه:

- يا صاحبي.. هذا ليس أمراً فقهياً فأجيبك عنه، وليس لغزاً لأفكر لك بحل فيه، ولكن ما عليك إلا أن تذهب إلى بيتك وتصلي الليل كله حتى الغداة، فإنك ستذكر المكان بعون الله تعالى.

عاد الرجل إلى بيته حزيناً يائساً وراح يصلي مثلما قال له أبو حنيفة، ولم يمضٍ من الليل إلا قليلٌ حتى تذكر المكان، فترك الصلاة وأسرع إلى أبي حنيفة منطلقاً فرحاً.

- شكراً لله.. شكراً لله.. لقد تذكرت المكان.. ولكن قل لي يا أبا حنيفة كيف أمكنني أن أتذكر؟

فرد أبو حنيفة قائلاً:

- يا صاحبي، حين طلبت إليك الصلاة عرفت أن الشيطان لن يدعك تصلي حتى تذكر موضع المال... وها أنت فعلت وتذكرت ولكن هلا أتممت ليلتك بالشكر لله عز وجل؟

خجل الرجل وهز رأسه موافقاً: نعم.. نعم..

الطماع يشتري ما باع

ومن الحكايات الطريفة التي يرويها الإمام أبو حنيفة عن نفسه أنه قال:

كنت ذات يوم في سفر طويل، واحتجت إلى الماء وأنا في البادية، فجاءني أعرابيٌ ومعه قربةُ ماء، فقلت له:

- أعطني جرعة ماءٍ أيها الصديق.

فقطب الأعرابي جبينه وزم شفتيه وقال بجفاء:

- لا أعطيك الماء.. ولكنني أبيعك القربة بخمسة دراهم، وكنت عطشاناً جداً فأعطيته الدراهم الخمسة وأخذت القربة، وكنت أحس بالغيظ والغضب لفعل هذا الأعرابي الذي باعني الماء. فقررت معاقبته، فأخرجت من متاعي قدراً فيه حلوى مصنوعة من التمر تسمى السويق، وكان الذي يأكل منها يشعر بالعطش. فقلت للأعرابي:

- تفضل كل معي شيئاً من السويق.

ولم يصدق الأعرابي ما سمع، فاندفع يلتهم الحلوى التهاماً، حتى أحس بالعطش فقال لي:

- أعطني شربة ماء.

فرفضت أن أعطيه شربة، فراح يسأل ويلح ويتوسل.. وعطشه يزداد حتى صرخ: أرجوك أعطني جرعة ماء فإن العطش سيقتلني.

فقلت له: - أبيعك الجرعة بخمسة دراهم

فوافق حالاً ودفع لي الدراهم الخمسة وأعطيته جرعة ماء. فاسترددت دراهمي الخمسة وبقي معي الماء كله.

ــــــــــــ

الهوامش

* أبو هريرة: اسمه عبد الرحمن بن صخر، وهو من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعد من أكبر رواة الحديث النبوي الشريف. ولاه الخليفة عمر بن الخطاب إمارة البحرين، ثم تفرغ بقية عمره لجمع الحديث النبوي وروايته. ينسب إليه حوالي 3500 حديثٍ شريف.

** قبل أكثر من 2900 عام حكم نبي الله سليمان عليه السلام في أرض فلسطين واتسم عهده بالسلام والعدل والازدهار. وتروي الكتب عنه الكثير من الحكم والأمثال والحكايات التي تتحدث عن حكمته ورجاحة عقله. وقد ورد ذكره في القرآن الكريم في ست عشرة آيةً بينت نعم الله تعالى وفضله عليه.

*** إياس بن معاوية المزني، أحد رجال البصرة في القرن الأول الهجري. تولى منصب قاضي البصرة في زمن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز. وكان مضرب الأمثال في فطنته وذكائه. وله في ذلك قصصٌ وحكاياتٌ تمتلئ بها كتب الأدب والتاريخ.. وكان إياس راوية من رواة الحديث النبوي الشريف، وتوفي سنة 122 للهجرة.

**** الإمام أبو حنيفة، النعمان بن ثابت، كان من الفقهاء النابهين والأذكياء اللامعين. جمع الفقه والورع والعبادة. ولد بالكوفة سنة 80 هـ ودرس الفقه وروى الأحاديث النبوية الشريفة. صار مذهبه أحد المذاهب الرئيسة في الإسلام، وضريحة عامرٌ ببغداد يؤمه الزوار وطلبة العلم. توفي سنة 150 هـ في زمن الخليفة أبي جعفر المنصور.

يتبع في العدد القادم بإذن الله




 

 

أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح ©  2009