العدد 145 - 1/4/2009

ـ

ـ

ـ

 

إعداد: شريف الراس

رسوم: مؤيد نعمة

الحلقة الثانية

 

حيلة لم تنفع

كان الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان من أذكياء العرب المعدودين، وكان كريماً يعطي من يزوره المال والهدايا، وذات يوم أراد أعرابيٌ أن يقدم على الخليفة معاوية ويقابله، فذهب إلى ديوانه وقال للحاجب:

- أريد أن أرى الخليفة وأقابله.

فنظر إليه الحاجب بدهشة واستغراب، وكان الرجل قبيح الوجه، رث الثياب، فسأله:

- ومن تكون أنت لكي تقابل الخليفة؟

ويبدو أن الأعرابي كان يعرف أنه سيسأل مثل هذا السؤال فاستعد له سلفاً وأجاب:

- أنا أخوه.. قل للخليفة إن أخاك لأبيك وأمك بالباب.

صعق الحاجب وخاف وأسرع إلى الخليفة يخبره قائلاً:

- يا أمير المؤمنين إن أخاً لك بالباب يريد الدخول عليك.

- لا أعرف أخاً لي بمثل هذا الوصف.. ولكن أدخله لنرى أمره.

فأسرع الأعرابي ودخل على الخليفة وسلم عليه بلهفةٍ واشتياق. فقال له معاوية:

- كيف تدعي أنك أخي وأنا لا أعرفك ولا تعرفني.

فقال الأعرابي:

- بلى يا أمير المؤمنين، أنا أخوك من آدم وحواء ألسنا كلنا أبناء آدم وحواء.

فطن معاوية إلى حيلة الأعرابي، وقرر أن يكافئه فقال لخادمه:

- يا غلام أعطه درهماً واحداً.

صعق الأعرابي وشعر بالدهشة والغيظ وقال:

- يا أمير المؤمنين كيف تعطي أخاك لأبيك وأمك درهماً واحداً لا غير وأنت تمتلك الآلاف.

فضحك معاوية وقال:

- لو أعطيت كل أخٍ لي من آدم وحواء درهماً ما وصل إليك هذا الدرهم!!

حكاية عزلت القاضي

كان الخليفة العباسي المأمون يحب العدل ويكرم القضاة العادلين ويسأل عن أحوالهم، وذات يوم جاءه رجلٌ من بلدةٍ بعيدة فسأله الخليفة:

- كيف حال القاضي معكم؟

فقال الرجل: معاذ الله يا أمير المؤمنين. إن لدينا قاضياً لا يفهم، وحاكماً لا يرحم.

فشعر الخليفة بالغضب وصاح: ويحك، وكيف ذلك؟!

أجاب الرجل:

- سأحكي لك يا أمير المؤمنين واحدةً من حكاياته. كنت أطلب رجلاً أربعةً وعشرين درهماً، والرجل يماطل في ردها لي، فأخذته إلى القاضي. وقلت له: يا سيدي لي عند هذا الرجل أربعةٌ وعشرون درهماً. فقال له القاضي: رد للرجل ماله.

فقال الرجل:

أصلح الله القاضي. عندي حمارٌ أشتغل عليه فأكسب أربعة دراهم كل يوم.. وأخذت أوفر كل يوم درهمين، حتى صار عندي بعد اثني عشر يوماً أربعٌ وعشرون درهماً، وحينما ذهبت إلى هذا الرجل –وأشار إلي- لم أجده، وظل غائباً حتى اليوم.

فسأله القاضي: وأين الدراهم الآن.

رد الرجل: لقد صرفتها.

فعاد القاضي يسأله: ومتى ستعيد للرجل دراهمه.

فقال الرجل:

أرى أن تحبسه اثني عشر يوماً حتى أجمع له أربعاً وعشرين درهماً فأعطيها له.. لأنني أخشى إن جمعتها وهو حر لم أجده فأصرفها ثانيةً...

ضحك المأمون وقال: وماذا فعل القاضي؟

فقال الرجل: لقد حبسني يا أمير المؤمنين اثني عشر يوماً لأسترجع دراهمي.

فازداد ضحك المأمون وأمر بعزل ذلك القاضي.

جزاء الخيانة

قال ابن الجوزي مؤلف كتاب (الأذكياء):

علمت أن رجلاً جاء إلى بغداد، وهو في طريقه إلى مكة للحج، وكان معه عقدٌ من اللؤلؤ النادر الثمين يساوي ألف دينار. أراد الرجل أن يبيع العقد لكنه لم ينجح لأنه طلب فيه مبلغاً كبيراً، وعندما قرب موعد الحج ذهب الرجل إلى عطارٍ (بقال) موصوف بالخير والأمانة.. وقال له:

- يا أخي لقد عزمت الذهاب إلى الحج ومعي هذا العقد، ولكنني أخاف أن يسلبه اللصوص مني في الطريق، فأرجو أن تجعله أمانةً عندك حتى أعود من السفر.

نظر العطار إلى العقد فأصيب بالانبهار. فلقد كان عقداً ثميناً حقاً وقال:

- اذهب يا أخي وكن مطمئناً فعقدك عندي حتى تعود.

ذهب الرجل إلى الحج وأدى الفريضة ثم عاد إلى بغداد وهو يحمل معه هديةً من بيت الله إلى العطار، فلما وصل بيته قرع عليه الباب فأطل العطار من النافذة.

قال الرجل:

- السلام عليكم يا صديقي.. لقد جئتك بهديةٍ من مكة، فسأله العطار منكراً: من أنت؟

أجاب الرجل:

- أنا صاحب العقد ألا تذكرني؟

وقبل أن يتم الرجل كلامه رفسه العطار رفسةً قويةً ألقت به بعيداً، فاجتمع الناس حوله، وحكى لهم قصة العقد الذي أودعه عند العطار، فسخر الناس منه وكذبوه قائلين:

- يا رجل. ألم تجد غير العطار تدعي عليه مثل هذه الكذبة؟.. إنه رجلٌ أمين.

فتحير الحاج وذهب للرجل في دكانه في اليوم التالي وطالبه بالعقد فلم يحصل منه على غير الشتم والضرب.

جلس الحاج في السوق يائساً باكياً يندب سوء حظه وضياع عقده، فأوصاه أحد المارة بأن يذهب إلى الحاكم عضد الدولة*، فله في مثل هذه الأمور فراسةٌ وذكاء.

ردد الرجل في نفسه: سأذهب إليه.. الذهاب خيرٌ لي من الجلوس والبكاء. سمع عضد الدولة الحكاية، وأحس بصدق الحاج وخيانة العطار وقرر أن يكشف الجريمة فقال للحاج:

- اذهب إلى دكان العطار غداً، واقعد على دكته، فإن منعك فاجلس على دكةٍ تقابل دكانه من الصباح حتى المغرب، ولا تكلمه، وكرر جلوسك هذا ثلاثة أيامٍ. وفي اليوم الرابع سوف أمر عليك، فلا تنهض لي ولا تكلمني إلا بمقدار ما أسألك عنه. وعندما أنصرف عنك تقدم نحو العطار واطلب منه أن يرد العقد، فإن رده عليك فتعال إلي.

فهم الحاج كلام عضد الدولة. وانطلق ليجلس أمام دكان العطار ثلاثة أيام متتالية، وكان العطار يراه ولا يكلمه.

وفي اليوم الرابع اجتاز عضد الدولة السوق وهو بموكبه العظيم على فرسه، يحيط به الخدم والحشم ويلتف حوله الحراس والمرافقون، والناس تتفرج عليه، وعندما وصل عضد الدولة إلى دكان العطار ورأى الحاج جالساً أمامه.. قال له:

- السلام عليكم.

فلم ينهض الحاج من مكانه بل اكتفى برد السلام. وشعر الناس بالدهشة وتساءلوا من يكون هذا الرجل الذي سلم عليه عضد الدولة فلم ينهض له ويبالغ في احترامه؟.. فقال عضد الدولة مخاطباً الحاج:

- يا أخي كيف تصل إلى بغداد ولا تزورنا، ولا تعرض علينا حاجاتك ومشاكلك؟

فلهم يهتم الحاج لكلام عضد الدولة بل كان يجيب بأجوبةٍ سريعةًٍ متفقٍ عليها سابقاً. فانصرف عضد الدولة وترك الحاج في مكانه، وكان العطار يراقب ما يجري وهو يشعر بخوفٍِ شديد. وراح يندب سوء حظه ويردد في نفسه:

- آه.. كيف أنكرت عقد هذا الرجل.. ويبدو أنه قريب عضد الدولة؟ الويل لي..

وهنا توجه الحاج إلى دكان البقال وقال له:

- أرجع لي العقد أيها العطار.

تلعثم العطار وارتبك وقال:

- حسناً.. حسناً.. المعذرة. سأرده إليك. اللعنة على النسيان. لقد تذكرتك وتذكرت عقدك الآن.

أخرج العطار العقد من جرةٍ كانت في دكانه وقدمه للحاج وهو يكاد يغمى عليه من الخوف.

أخذ الحاج العقد وذهب به إلى عضد الدولة وأخبره بما جرى. فأمر عضد الدولة حاجبه أن يأخذ العقد ويعلقه في عنق العطار ويصلبه بباب دكانه.. وراح الحراس ينادون: هذا جزاء من خان الأمانة.

وعندما ذهب الناس سلم الحاجب العقد إلى صاحبه فأخذه وانصرف إلى بلدته وهو يلهج بحكمة عضد الدولة وعدالته.

عندما ينشغل الفكر يغلط اللسان

كان أحمد بن طولون** معتاداً على الخروج من داره وزيارة المساجد وسماع الأئمة والقراء فيها، وذات يومٍ مر بإمام أحد المساجد وسمعه يخطئ في قراءة القرآن، فعاد إلى قصره وطلب خادمه وأعطاه صرةً مليئةً بالمال وقال له:

- اذهب إلى المسجد الفلاني وأعط لإمامه هذا المال فإنه بحاجةٍ إليه. ثم عد لي بخبره.

مضى الخادم يقطع دروب القاهرة وحاراتها وسأل عن المسجد وخطيبه فدلوه عليه.

دخل الخادم على إمام المسجد وراح يتوسع معه في الحديث، ثم قدم له صرة المال ففرح وقال:

- الحمد لله، إن زوجتي على وشك الولادة ولم يكن معي من المال شيئاً، وظل فكري مشغولاً في ذلك حتى إنني غلطت في قراءة القرآن عدة مرات.

عاد الرجل إلى ابن طولون وأخبره بقصة إمام الجامع، فقال:

- لقد صدق الرجل، فقد وقفت أمس لأستمع إليه فوجدته يغلط عدة مرات. ومن المستحيل أن يغلط إمام الجامع في القرآن لو لم يكن ذهنه مشغولاً بمشكلةٍ أو حادث.

فطنة صبي

ذات يوم رأى الأصمعي*** فتىً صغيراً من فتيان العرب وأحب أن يمازحه فقال له:

- يا بني.. هل تحب أن يكون عندك مائة ألف درهم بشرط أن تكون أحمق؟

هز الصبي رأسه نافياً بشدةٍ وقال:

- لا. لا أحب ذلك والله.

فعاد الأصمعي يسأله:

- ولماذا؟

رد الصبي: لأنني أخاف أن يدفعني حمقي لأن أقوم بحماقةٍ تبذر المال فأخسره ويبقى علي الحمق وحده.

ثم انطلق يعدو بعيداً تاركاً الأصمعي معجباً مزهواً بفطنة هذا الصبي وذكائه.

أين التين؟

كان أحد البخلاء يجلس بباب بيته وبين يديه طبقٌ من التين، جاءه هديةً من جارٍ له. فأبصر أحد الأعراب يتقدم منه فخاف أن يسيل لعاب الأعرابي وتمتد يده إلى التين فأخفى التين تحت كسائه. لكن الأعرابي كان قد رأى ما فعله البخيل، وأحس بمقصده، فجاء وجالس قربه وراح يحادثه.

أراد البخيل أن يشغل الأعرابي بشيءٍ فقال له:

- هل تحفظ شيئاًَ من القرآن يا أخا العرب.

فأجاب الأعرابي:

- نعم.. أحفظ القرآن كله.

فقال البخيل:

- اقرأ لنا شيئاً من كتاب الله.

فقرأ الأعرابي: (والزيتون وطور سنين).

ولم يذكر كلمة "التين" في بداية الآية.

فسأله البخيل:

- وأين التين؟.

وهو يقصد "أين كلمة التين في الآية الكريمة"؟.

فقال الأعرابي:

- التين تحت كسائك.

ابتسم البخيل وشعر بالخجل. لكنه لم يخرج التين من تحت كسائه لأنه بخيلٌ كما علمتم.

ــــــــــــ

الهوامش

* عضد الدولة، هو أحد سلاطين بني بويه، تولى الحكم في بغداد أثناء فترة حكم البويهين أي قبل ألف عام تقريباً، كان مشهوراً بالحزم والعدل والذكاء، وعرف برعايته للعلم والعلماء. توفي عام 983 للميلاد.

** أحمد بن طولون.. مؤسس الدولة الطولونية بمصر وسوريا. ولد في سامراء ورحل إلى مصر والياً عليها من قبل العباسيين ثم استقل بحكم مصر وأقام دولته هناك. توفي سنة 844م.

*** الأصمعي هو عبد الملك بن قريب. عالمٌ من علماء العرب النابغين في اللغة والأدب.. وقد روى كثيراً من أشعار العرب وأخبارهم. عاش في البادية واختلط بالأعراب بحثاً عن اللغة الفصيحة. عاش بالبصرة وبغداد وتوفي سنة 831م.




 

 

أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح ©  2009