العدد 146 - 15/4/2009

ـ

ـ

ـ

 

بقلم :يحيى بشير حاج يحيى               رسوم : هيثم حميد

كان أبو خالد رجلاً طيباً ،يعرفُ حقَّ الله ، وحق الناس ، وحين طَلَبه الوالي ليكون مُشْرِفاً على مستودعات الأرزاق ، خشي ألاَّ يكون أهلاً لذلك ، لأنها أمانة ، وهو يخشى مِنْ تضييع الأمانة !!

ولكن الوالي ألح عليه ، وأفهمه أنه اختاره مِنْ بين الكثيرين لِما يَتْصِفُ به مِنْ قوة وأمانة وسمعة طيبة ، وأنه إذا رفض هو ، ورفض غيره من الأمناء فإن السرقات لن تتوقف ، وهو قد يئس مِمَّن عيَّنهم مِنْ قبله ، لأنهم لم يكونوا على مستوى المسؤولية ، بل كانوا يتواطؤون مع العصابات ، ويزعمون أنهم غُلبوا ، وهو يأمل أن يجد فيه مَنْ يحفظ الأموال ، ويردع المجرمين ؟!

قَبِلَ أبو خالد المهمة على كُرهٍ منه ، ومضى إلى بيته وهو يشعر بعبء كبير ، ولكن زوجته وولده خالد شجّعاه ، ورَجَوا له التوفيق .

بدأ أبو خالد عمله بعد أن استلم المفاتيح بتغيير الأقفال ، واستبدل الحراس بآخرين ممن يعرف أمانتهم وصدقهم ، وقبل بدء العمل اجتمع بهم ، وحدثهم عن عِظم المسؤولية ، وعن الثقة التي أظهرها الوالي به وبهم ! وعن ضَياع حقوق الفقراء والمساكين بسبب السرقات التي تحصل في المستودعات ، فعاهدوه على القيام بالمهمة على أكمل وجه ، وأفضل ما يكون !

وحين خرج أبو خالد في الليل ليتفقد الأبواب رأى ثلاثة أشخاص في هيئة تدعو إلى الريبة فيهم ، فقد كانوا ينظرون من النوافذ ولمَّا فاجأهم زعموا أنهم غرباء يبحثون عن مكان يبيتون فيه ؟!!

فأمرهم أن يبتعدوا عن المكان ، وأفهمهم أن التعرف على المكان لا يكون من النوافذ ، ولكن من الأبواب ، فأظهروا ندمهم  واعتذروا ومضوا في سبيلهم ، وهم يتهامسون ، و يأتمرون فيما بينهم للخلاص منه ! ولكن أحدهم قال : لماذا لا نحاول رشوته ، فلعله يستجيب كما استجاب الذين كانوا قبله ؟

فقال آخر : لكننا لا نعرفه ، ولا يعرفنا ؟!

فقال ثالث : لِنَعُدْ إلى " العَيَّان " ونتفق معه من جديد ، فهو يعرف ما يجري في قصر الوالي لكونه موظفاً كبيراً فيه ، وهذا مما يُسَهِّلُ علينا الأمور ويضمن لنا السلامة !

ابتسم  " العَيَّان " حين رجعوا إليه خائبين ، وقال لهم : إنكم لا تستطيعون العمل منفردين ، فلا تكونوا طمَّاعين ، واقبلوا بنصيبكم الذي أعطيه لكم ، وحين تأكد مِنْ حاجتهم إليه ، وعجزهم عن القيام بالعمل وحدهم ، قال : اتركوا الأمور تسير بشكل عفوي ، فأبو خالد سيأتي في نهاية الشهر، ليقدم كشفاً للوالي بالأرزاق الواردة والمستهلكة ، وسأحاول التعرف عليه عن قرب وإطماعه كما فعلتُ مع مَنْ سبقوه ، عسى أن نصل معه إلى اتفاق … ولم تمض إلا أيام حتى قدم أبو خالد إلى القصر وعرض على الوالي كشفاً بأعماله ، وضبطه للأمور ، فسر الوالي كثيراً ، ولا سيما أنه وجد زيادة غير معتادة ، فالذين سبقوه كانوا يشكون من وجود التالف ، وفي هذه المرة كان كل شيء على ما يرام ؟!!

علم " العَيَّان " بوجوده ، فانتظره عند الباب الرئيسي ، ورحب به ، ودعاه لزيارته في غرفته ، فاعتذر أبو خالد ، ولكنه أحس بالحرج لكثرة إلحاحه عليه… ولما استقر بهما المجلس بدأ العَيَّان يمدحه ، وينعتُه بصفات جميلة ، ثم مهَّد له بأن الأرزاق بعد أن استلم المستودعات ، صارت كثيرة ، وأن هذه الزيادات لا تدخل الكشوف ، و لا تُسَجَّل ، طالما أن الوالي لا يسأل عنها ؟! ولو أن أحداً غيره لانتفع بها ، ببيعها  لأنه أحق بها ؟! احمرَّ وجه أبي خالد والتفت إلى العيان ، وقال في حدة : إن في هذا العمل ثلاثة أمور : معصية الله ، ثم خيانة الأمانة ، ثم تضييع أرزاق المحتاجين ، وأنا أُفَضِّل أن أموت من الجوع على أن تمتد يدي إلى شيء من هذا …

ثم حدَّق في العَيَّان ، وقال : أيها السيد ! كنت أنتظر منك أن ترشدني إلى غير هذا، وكان الأَولى أن تحضَّني على مزيد من الضبط والحفظ والانتباه ؟!!

ابتسم العَيَّان ابتسامة صفراء حين تأكد أن أبا خالد ليس من صنف الرجال الذين عرفهم ، فقام من مكانه ، ومَدَّ يده إليه مصافِحاً ، وهو يقول : بُوركتَ أيها الرجل !! إنما كنتُ أختبر أمانتك ، وقد ثبت لي انك القوي الأمين ! وأن سعادة الوالي محظوظ بأن يكون في رجاله أمثالك ؟!

قال أبو خالد – وقد زالت دهشته - : لم أكن أُصَدِّقُ أُذُنُيَّ حين سمعت كلامك السابق ، وأرجو أن أكون عند حُسن الظنِّ ، ثم ودعه وخرج … رجع العَيَّان إلى مكانه وهو يكاد ينفجر من الغضب ، يُرَدِّدُ : من أين جاءنا هذا المغفل ؟ لابد من إزاحته بأي ثمن ! لقد كان عليه أن يُصَدِّقَ أنني أختبره ، ولكن ليس من أجل معرفة أمانته ، بل لمعرفة مدى استعداده للتعاون معنا … لابد من إزاحته بأي ثمن ؟!

*     *     *     *

عاد أبو خالد إلى منزله ، فهرول خالد إلى استقباله ، فضمه إليه ، فقال : لقد انتظرتك كثيراً – يا أبي – أريد أن ألقي كلمة عن الأمانة ، وقد كلَّفَني الأستاذ بها ، وأنا أحتاج إلى شواهد من القرآن الكريم ، والحديث الشريف .

قال أبو خالد : اكتبْ – يا بُني – " إن الله يأمرُكم أن تؤدوا الأماناتِ إلى أهلها ، وإذا حكمتم بينَ الناس أن تحكموا بالعدل " واكتب أيضاً : قال رسول الله - صلَّى الله  عليه وسلم – آيةُ المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذبَ ، وإذا وعَدَ أخلَف ، وإذا اؤتمن خان ".

ثم التفت إلى صورة الكعبة المعلقة على الجدار ، وتمتم : ولو أن أباك استجاب لما عُرِضَ عليه اليوم ، لما جَرُؤَ أن يردد هذا الكلام العظيم على شفتيه …

قال خالد : ماذا تقول يا أبي ؟ قال أبو خالد : لا شيء – يا بني – إنما كنتُ أستذكر كلاماً حفظته منذ زمن بعيد ؟ ولكن قل لي – يا خالد – كيف حال أستاذكم ؟ وهل عاد مِنْ سفره ؟ ومتى ستنتهي من حفظ الجزء العاشر من كتاب الله .

قال خالد : نعم عاد أستاذنا من السفر ، وسأنتهي قريباً من الحفظ– يا أبي – إن شاء الله.

ابتسم أبو خالد ، وقال : أرجو أن يكون ذلك ، وتَذَكَّرْ دائماً حديثَ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – " خيركم مَنْ تَعَلَّمَ القرآن وعَلَّمَه " .

*     *     *     *

التقى العَيَّان بالأشقياء الثلاثة ، وأفهمهم أن أبا خالد ليس كغيره ممّن سبقوه ! فهو لا يقبل الرشوة ، ولا يرضى بالخيانة ؟!

 قال أحد الثلاثة : ما العمل ؟ إن الحراسة قوية ، ولا يكاد الحرّاس يغادرون أماكنهم؟

قال آخر : إنني أتمزق عندما أرى الأرزاق تدخل إلى المخازن بكميات كبيرة ، ولم نستطيع  أن نحصل على شيء منها !

قال الثالث : المزعج حقاً ! أن هؤلاء يسجلون كل صغير وكبير ، ويضعون له علامة ورقماً ؟!

قال العَيَّان : يالهم من أغبياء ، إنهم يُضَيِّعون على أنفسهم وعلى غيرهم مالاً كثيراً، كان يمكن الحصول عليه دون أن يشعر أحد !

 قال الأول : يجب أن نبحث عن مخرج ، لقد مضى أكثر من شهر ونحن ننتظر !

التمعت عينا العَيَّان  بخبث وقال : غداً سترون كيف يكون العمل ؟

*     *     *     *

وفي اليوم التالي التقى العَيَّان بأحد أتباعه الملقب " ثعيلب " واتفق معه على أن يقوم بإحراق المخازن الجنوبية ، فهي تحتوي على الزيوت التي يمكن أن تنتقل نيرانها إلى بقية المخازن .

ابتسم ثعيلب عن أسنان صفراء ، ووجه قبيح ، وأسمع العَيَّان كلاماً يوافق غروره، ثم قال : ولكن ماذا نستفيد من إحراق المخازن ؟ قطّب العَيَّان حاجبيه ، وقال : إنها بداية الفائدة . قال ثعيلب : وكيف ، أننا لن نأخذ شيئاً منها ، فليس من المعقول أن نهاجم المخازن ، وهي تحترق ، والناس مجتمعون ؟

قال العَيَّان : كنت أظنك أذكى من ذلك – يا ثعيلب – اقتربْ !

اقتربَ ثعيلب فهمس العَيَّان في أذنه : بداية الحريق نهاية أبي خالد .

تعجب ثعيلب أكثر ، وقد بدا ذلك واضحاً في قسمات وجهه ، ولكن العَيَّان أنهى الحديث بقوله : سيُصرف أبو خالد من عمله ، ونستطيع أن نتهمه بالتقصير ، ولربما يعاقَب هو ومَنْ معه ! بل ربما تؤخذ أموالهم تعويضاً للأرزاق التالفة المحترقة ؟!

*     *     *     *

قبل أربعة أيام كان أبو خالد قد أمر العمال بنقل الزيوت إلى مستودع آخر كبير، وجَعْل المستودع السابق مصلى كبيراً ، بعد أن شكا مجموعة من العمال بأن المسجد بعيد ، ولا يجدون فيه مكاناً للوضوء والراحة ! ولكن ثعيلب لم يكن يعرف ذلك ، وكان متأكداً بأن إحراق الباب الخشبي الخارجي سيؤدي إلى اشتعال النار في مستودع الزيوت ، ولذلك وضَع قطعة مبللة بالزيت ملاصقة للباب ، وأشعل النار فيها ، ثم أطلق ساقيه للريح ، وهو يفرك يديه فرحاً ، ويُمَنّي نفسه بالجائزة التي سيعطيها له العَيَّان الذي كان ينتظره على أحر من الجمر … وهو يظن أن هذا العمل سيكون بداية الخلاص من أبي خالد !! وعندما اشتعلت النار في الباب الخارجي ، وأحرقت قسماً من المصلى ، أحس الحرس فانطلقوا ، وهم يرددون : الله أكبر ، الله أكبر …

وكان من توفيق الله أن الماء كان قريباً ، فتعاونوا وأطفؤوا النار قبل أن تأتي على بقية المصلى ؟!

*     *     *     *

في صباح اليوم التالي حضر أحد العمال ، ومعه رسالة من أبي خالد ، يبلغ فيها الوالي بالحادثة ، وحين وصل تلقاه العَيَّان ، وهو يبدي اهتماماً به قائلاً : خير ! خير ! قال العامل : إنه كذلك خير ، فقد اشتعلت النار بالباب الخارجي للمستودع الجنوبي ، وقد أطفأناها قبل أن تنتشر . فقاطعه العَيَّان بلهفة : والزيوت !! قال العامل : اطمئن – يا سيدي – فنحن قد نقلناها قبل أيام إلى مستودع آخر . قال العَيَّان : إذن ما الذي احترق ؟ قال العامل بهدوء : احترق الباب وحصير كنا نصلي عليه ، قال العَيَّان : حصير ؟!! قال العامل : نعم ! لأن أبا خالد كان قد حَوَّل المستودع إلى مصلى يصلي فيه بعض العمال جماعة ، أليس ذلك أفضل من أن يصلي كل واحد منفرداً ؟!! قال العَيَّان وقد تغيّرت ملامح وجهه : بلى ! أفضل ! فتابع العامل : ومن فضل الله أن الماء كان قريباً ، فلم نبذل جهداً كبيراً في إحضاره ، ثم استأذنه ومضى في طريقه .

*     *     *     *

استدعى الوالي أبا خالد ، وشكره ، ووعده بجوائز له ، ولمن معه ، ثم أبلغه أنه حزين لاحتراق المصلى ، وأن حزنه سيكون أشد إذا تبيّن أن هناك يداً آثمة فعلت ذلك !! وسأله إن كان يشك في أحد ؟ فقال أبو خالد : لا أستطيع أن أتهم أحداً – يا سيدي – ولا أتصور أن يقدم عاقل على حرق مكان تؤدى فيه الصلوات !

قال الوالي : وأنا أعتقد ذلك ! ولكن هذا لا يمنعنا من القيام بالتحقيق ، وسوف نجدد المصلى ، ونوسعه على أحسن طراز .

شكر أبو خالد الوالي ، واستأذنه ، فأذن له ، ثم انصرف .

*     *     *     *

في مكان منعزل مظلم التقى ثعيلب بالأشقياء الثلاثة ، وأفهمهم أن سيده العيان ليس لديه حيلة بعد إخفاقه في حرق مستودع الزيوت، وأنَّ عليهم أنْ يتدبروا أمرهم ، لأنه فعل كل ما لديه من خطط، ولكنها لم تنجح؟! قال ( مَغْرم ) وكان أكبرهم : لم يعد أمامنا إلا مهاجمة المخازن ، والاستيلاء على ما فيها، فَرد ( شَبرم ) وكان أذكى منه : ومن أين نأتي بالرجال، فالهجوم يحتاج إلى عدد كبير ، يفوق عدد الحرس !

قال ( علقَم ) وكان أصغرهم : وإذا نجحنا هذه المرة فلن نستطيع أن نكرر المحاولة مرة أخرى ، لأنهم سينتبهون ، ويزيدون عدد الحرس ، ثم إن في ذلك مغامرة ،فقد يقبضون على واحد منا ، وينكشف الأمر ؟!

قال ثعيلب : ليس لدي ما أقوله ، وأرى أن نلتقي غداً ، لعل أحدنا يأتي بفكرة جديدة .

*     *     *     *

في اليوم التالي ، وفي المكان نفسه التقى مغرم و شبرم و علقم مع ثعيلب الذي ظهر عليه الفرح والغرور ، وقال للأشقياء الثلاثة : لقد توصلت إلى خطة جديدة!

قال الثلاثة وقد فتحوا أفواههم : ما هي ؟ أخبرنا بها ؟!!

ابتسم ثعيلب وقال : أريد واحداً منكم فقط !

قال علقم : أنا .. أنا .. لا غيري .

قال ثعيلب : اتفقت مع العيان أن يرسل بعض الأشخاص إلى المخازن لإحضار مواد معينة ، ويكون أحدكم معهم أثناء الدخول ، وحين يخرجون يبقى مختبئاً ، فيقوم بفتح الباب عند منتصف الليل ، فتتسللون ، وتأخذون ما خف حمله ، وعظم ثمنه ، ما رأيكم ؟!

قالوا : موافقون .

*     *     *     *

وصل الرجال المكلفون باستلام الأرزاق ، وفتح الحرس لهم الأبواب بعد أن رأوا كتاباً موقعاً باسم العيان ، وعند الخروج بقي علقم مختبئاً !! وما إن انتصف الليل حتى تسلل ، وفتح الكوة الصغيرة في الباب الكبير ، فدخل الشقيان متسللين وقبل أن يتمكنوا من فتح الباب ، تنبه ( حامد ) وهتف منبهاً الحرس ، فحاصروا الأشقياء الثلاثة ، محاولين إلقاء القبض عليهم ، فاستطاع علقم وشبرم الهروب ، ووقع مغرم في قبضتهم !!

وحين سُلِّمَ إلى السيد صادق الذي كلفه الوالي بالتحقيق معه حاول مغرم أن يكذب ويناور مُدَّعِياً أنه رأى الباب مفتوحاً فدخل مع الداخلين . ولكن حامداً كذبه وقال :لقد لفت نظري طلب الأرزاق في ساعة متأخرة من الليل ، ولم تكن العادة قد جرت بذلك ، مما دفعني إلى أن أتفرس في وجوه الداخلين الذين كان عددهم تسعة ، وحين خرجوا عددتهم فوجدتهم ثمانية ، مما أرقني وجعلني أسهر الليل …. حتى فوجئت بهذا الرجل يفتح الكوة من الداخل ، ويُدخِل رجلين ليبدؤوا بفتح الباب .. تنبه السيد صادق إلى ذلك ، وأمر بحبس مغرم ليرى فيه الوالي رأيه ، بعد أن ينتهي التحقيق معه ويصل إلى نتيجة !

طالت أيام سجن مغرم ، وضاق بالسجن ، وخشي رفيقاه أن يبوح باسمهما ، فاتصلا بثعيلب الذي كان خائفاً أكثر منهما ، ووعدهما بالاتصال بالعيان ليتدبر الأمر ، وقد حاول العيان أن يبدو أنه غير منشغل بذلك ، وكأنه لا علاقة له بالموضوع ! وفي حقيقته كان منزعجاً يخشى أن تصل الأمور إلى ذكر اسمه، ولكنه طمأن ثعيلب ، وبدأ يتقصى أخبار الشقي السجين ، فعلم أن هناك أدلة كثيرة تشير إلى أنه تعمد السرقة ، وأن السيد صادق ينتظر أن يعرف مَنْ كان معه من الشركاء .

كان كل يوم يمر على مغرم يزيده ضيقاً ، فقد نحل جسده ، وساءت حالته ، وأرسل مع السجناء إلى رفيقيه كلاماً فهما منه أنه قد لا يستطيع أن يصبر أكثر من ذلك ، فعليهم أن يتدبروا أمره .

*     *     *     *

وقع العيان في حيرة وضيق ، فهو لا يستطيع أن يفعل شيئاً لمغرم ، وفي الوقت ذاته يخشى أن ينفد صبره ، فيبوح بأسماء شركائه ، فتكون النهاية ، فأرسل إلى ثعيلب ، وصارحه بتخوفه ، ليجد عند ثعيلب تخوفاً أشد ، فصمما على إيجاد حل سريع ينقذهم جميعاً ، فقال ثعيلب : لماذا لا نحاول أن نهربه من السجن ؟ قال العيان : فكرت في ذلك ، ولكن الأمر غير سهل ، فالحراسة قوية ، والحرس لا يغفلون عنه ؟! قال ثعيلب ، وقد احمرت عيناه ، وارتسمت على شفتيه ابتسامة صفراء ماكرة : فلنحاول قتل مغرم ، والتخلص منه ليموت سره معه !!

أبدى العيان انزعاجاً من هذه الفكرة ، وقال : أتظن أن مغرم في فلاة ليس معه أحد ؟! قلت لك إن الحرس لا يتركون مراقبته بحسب توصيات السيد صادق الذي وصل إلى قناعة بأن له شركاء ، ولا بد من معرفتهم ؟!

قال ثعيلب ، وهو يحك رأسه بخبث : ليس هناك غيرها !! أمسك العيان بيده ، وهزه قائلاً : مَنْ ؟! مَنْ هي ؟!

قال ثعيلب ، وقد استرخى ، وكأنه ارتاح لفكرته الجديدة ، ووجد فيها الحل الناجح : ليس غيرها تُخلِّصُنا منْ هذه الورطة !! صاح العيان : كيف ؟ ومن ؟!

قال ثعيلب : نضع السم لمغرم في الطعام ، ليموت مسموماً لا يدري به أحد !!

شد العيان على يده موافقاً ، ومحذراً أن يطلع أحد على هذه الخطة ، وأن يبقى السر بينهما ، ولا يعلم به أحد حتى شبرم وعلقم .

عرف ثعيلب أن الشقيين شبرم وعلقم يرسلان طعاماً إلى مغرم كل يوم خميس مع أحد الصبيان ، فصنع طبقاً مشابهاً ، وانتظر الصبي في الطريق ، فاستوقفه وطلب منه أن يأخذ معه طبق طعام لصاحب له في السجن ، ثم ادعى أنه نسي أن يشتري الفاكهة المناسبة ، وأغرى الصبي بالمال وقال : إنني متعب ، وسأنتظرك هنا ريثما تذهب ، وتحضر الفاكهة وسأعطيك مبلغاً إضافياً عندما تعود …. فرح الصبي بذلك فانطلق لشراء الفاكهة ، وفي أثناء ذلك استبدل ثعيلب الطبق ، وحين عاد الصبي حمل لمغرم الطبق المستبدل المسموم ، وبحث عن الرجل الذي أرسل إليه ثعيلب الطعام والفاكهة فلم يجد أحداً بهذا الاسم،

فعاد وهو لا يدري ماذا يصنع ؟!!

*     *     *     *

كانت كمية السم كافية لقتل مغرم بعد ساعتين وحين أُخبر السيد صادق بموته ، أسرع ومعه أحد الأطباء الذي أعلن بعد فحصه أنه مات مسموماً ، فانتشر الخبر ، وازداد شبرم وعلقم تخفياً وخوفاً من أن يدل الصبي عليهما ، فأخبرا ثعيلب ، فأمرهما بالسفر إلى مدينة أخرى حددها لهما ، خشية إلقاء القبض عليهما ، وحين أُحضرا للتحقيق اعترفا أنهما يرسلان الطعام إلى مغرم ، لأنه كان جاراً لهما ، ولو أنهما كانا يريدان شراً به لما انتظرا كل هذه المدة !!

أظهر السيد صادق أنه اقتنع بكلامهما ، فأخلى سبيلهما ، ووضعهما تحت المراقبة ، وتابع التحقيق مع الصبي فأخبره بأن رجلاً لا يعرفه أعطاه طعاماً وفاكهة لإيصالهما إلى أحد السجناء ، وقد ترك الطبق عنده وذهب لشراء الفاكهة وبذل له مبلغاً كبيراً ….. أحس السيد صادق أن رأس الخيط يكمن في الإمساك بهذا الرجل ، ولكنه كان خيطاً مقطوعاً ، فقد اختفى الرجل ، وليس من الممكن أن يعود بعد أن انتهى من مهمته ، وتخلص من مغرم ، فأمر بإخلاء سبيل الصبي الذي شارك في العملية ، وهو لا يدري ؟!!

*     *     *     *

بدا ثعيلب مرتاحاً لهذه النتيجة ، ونال استحسان العيان الذي اطلع على التحقيق ، فاطمأن وارتاحت نفسه، فهو قد تخلص مِنْ مغرم ، وقطع العلاقة مع شبرم و علقم اللذين أصبحا خائفين ، وهما بحاجة للابتعاد عنه أكثر من حاجته ..

كان السيد صادق يزداد اقتناعاً بأن هناك عصابة كبيرة وخطيرة تعمل في الخفاء ، وأن هناك علاقة ما بين السجين المسموم والشقيين شبرم و علقم ، والرجل الذي أرسل الطبق المسموم ، فأمر بإلقاء القبض على الشقيين بعد أن لاحظ رجاله أنهما ليس لهما عمل يعيشان منه ..

لم ينتظر ثعيلب طويلاً حتى اتصل بهما ، وأخبرهما أنه سيعمل على هروبهما ، وأن عليهما أن يصبرا ، حتى يتدبر الأمر ..وفي هذه الفترة استطاع أن يحصل على نسخة أخرى من المفاتيح عن طريق العيان ، وأن يدسها لهما مع مبلغ من المال على أن يخرجا من المدينة ولا يعودا إليها حتى يرسل إليهما ؟!!

واستغل قدوم العيد ، وتجمع الناس على باب السجن لرؤية أقربائهم من السجناء ، وأدخل الثياب وفي طياتها المفاتيح والمال .

*     *     *     *

لم يُضَيِّع الشقيان الوقت ، فبادرا بسرعة بعد أن لبسا الثياب إلى فتح الأبواب في آخر الليل ، ثم تسللا خارج السجن وهربا إلى المدينة التي تم الاتفاق على السفر إليها وحين وصل الخبر إلى السيد صادق كاد يتمزق من الغضب ، لأن هذين السجينين كانا رأس الخيط الذي يمكن أن يتوصل عن طريقه إلى معرفة العصابة ، وأنهما جزء من مجموعة تعمل بخبث ودهاء ، ولما ذهب إلى السجن للتعرف على خطة الهرب وجد ثياب الشقيين فأمر بجمعها وتفتيشها ووجد فيها قصاصة ورق تطلب منهما الاختباء في مدينة ( الكبش ) وأن الاتصال بهما سيكون بعدما تهدأ الأحوال .. كانت قصاصة الورق التي نسيها شبرم و علقم رأس خيط جديد ، ولكنه مقطوع ؟! فأين هما ؟! وأين تقع مدينة الكبش ، وليس في البلاد كلها مدينة بهذا الاسم .

فعمل على تهدئة الأمور ، ليوحي لمن حوله أن القضية انتهت بهروب السجينين ، وهو يهدف إلى طمأنة العصابة لتعاود العمل ، لعله يتعرف في هذه المرة على أحد أفرادها وبذلك يتم محاصرة العصابة ، وإلقاء القبض على المشتركين فيها ؟!!

*     *     *     *

مضت فترة من الزمن ، وسارت الأمور هادئة كما أراد لها السيد صادق أن تكون ، ولكن العيان و ثعيلب لم يعجبهما ذلك ، فقد توقف المال الذي كانا يكسبانه بالحرام ، لأن أبا خالد ومَنْ معه لا يزالون يضبطون الأمور ، ويحصرون الأرزاق ، ولم يعد هناك مجال للتلاعب بها وتضييعها ، ولم يترك بالمقابل العيان و ثعيلب حيلة إلا جرّباها للوصول إلى المخازن مرة أخرى !!

فكان لابد من التخلص من أبي خالد بأي طريقة ، فهو لا يرتشي ولا يقبل الهدايا ، ولا يتأخر عن وظيفته ، ولا يهمل السجلات ، وقد اختار مجموعة من الحرس الأمناء الأشداء ؟! فقررا تصفيته بقتله والتخلص منه ، ثم السعي لدى الوالي لتعيين من يثقون به .

*     *     *     *

أبدى العيان رغبته بالاتفاق مع شخص يقوم بقتل أبي خالد ، ولكن ثعيلب عارض ذلك بقوة وقال : لا حاجة لأن نوسع الأمر ، فأنا لديَّ مَنْ يقوم بهذه المهمة !!سُرَّ العيان واستوثق منه وطلب أن يخبره عنه ، فقال ثعيلب : إنك تعرفه ! فازداد العيان تعجباً ، وقال: من هو ؟! قال ثعيلب : إنهما علقم و شبرم . فقال العيان : ولكن أين هما الآن ؟ ومن يستطيع أن يعرف مكانهما ؟! قال ثعيلب : أنا الذي أعرف ! لقد طلبت منهما أن يذهبا إلى مدينة الكبش ، على أن أتصل بهما في الوقت المناسب . قال العيان : ولكن لا يوجد في بلادنا مدينة بهذا الاسم ؟! ابتسم ثعيلب وقال : إنها العاصمة القديمة ، وهما يعرفان هذا السر ، قال العيان : ولكن العاصمة كبيرة ؟! فرد ثعيلب : وأين تتوقع أن يكون أمثالهما ؟ إنني أستطيع الوصول إليهما وسأحضرهما للقيام بما اتفقنا عليه .

*     *     *     *

سافر ثعيلب إلى العاصمة ، ولم يجد صعوبة في الاهتداء إلى مكان علقم و شبرم ، فوجدهما في حالة من الخوف ، فطمأنهما أن الأمور على أحسن ما يكون ، وأن هناك مهمة تنتظرهما ، وسينالان عليها مبلغاً كبيراً ، ثم دفع لهما قسماً من المبلغ ، وأطمعهما بأن لهما مبلغاً آخر بعد تنفيذ المهمة ، وأخبرهما أنه لكي تعود الأمور كما كانت فلابد من التخلص من أبي خالد ؟!!

قال شبرم : ولكن أين نذهب به ؟ وليس لدينا مكان معين ؟! ضحك ثعيلب وقال : لا تكن طيباً أكثر من المطلوب ! إننا لن نخطفه .. وأشار إلى رقبته .. متابعاً : نريد أن نتخلص منه بالقتل ، وأنتما أفضل مَنْ يقوم بهذه المهمة ..

قال علقم : بشرط ! قال ثعيلب : لكما ما تريدان . فقال علقم : لتكن هذه المرة الأخيرة التي نفعل بها مثل هذا . قال ثعيلب ، وقد أحس بالحاجة إليهما : لكما ذلك …. ثم وعدهما على أن يكون اللقاء بعد أسبوعين ، وحدد لهما مكاناً يعرفانه ، يتم فيه الرصد لأبي خالد ، ومعرفة أوقات دخوله وخروجه .

*     *     *     *

أحس ثعيلب بعدما ودع الشقيين أنهما على الرغم من موافقتهما على العمل معه من جديد ، إلا أنهما لم يعودا كما كانا من قبل مندفعين للقيام بأي عمل ، وأنه لولا المال الكثير الذي بذله لهما لكانا مترددين … فوقر في نفسه أنه يجب التخلص منهما بعد أن يؤديا المهمة و يقتلا أبا خالد ؟!

وحين التقى بالعيان عرض عليه ما وقر في نفسه من مخاوف قد تكون في المستقبل ويسببها علقم و شبرم، فوافقه على ذلك وقال : عندما ننتهي من أبي خالد ، نفكر كيف ننتهي من هذين الشقيين ، قال ثعيلب: دبرت لهما مكيدة لا ينجوان منها .

*     *     *     *

حضر علقم و شبرم في الوقت المحدد ، وكان ثعيلب قد استأجر لهما داراً قريبة من منزل أبي خالد ، ليسهل عليهما معرفة أوقات ذهابه وإيابه ، وحدد لهما الخطة ، ووضح لهما الطريق الذي يتوجب عليهما  أن يسلكاه بعد تأدية المهمة ، لأنه سيكون في انتظارهما لنقلهما إلى مكان آخر …

انتظر الشقيان أبا خالد في مكان مظلم ، فأحاطا به ، وطعناه بخنجرين مسمومين ، ثم تركاه يتخبط في دمه ، وانطلقا إلى المكان الذي حدده ثعيلب لهما ، فعبرا الطريق الذي كان مظلماً ووعراً ، وهما خائفان يلهثان ، فلم يشعرا إلا وهما في حفرة عميقة مليئة بالصخور الحادة الناتئة ، كان ثعيلب قد خطط لهما ليقعا فيها ، فلقيا مصرعهما ، وانتهيا نهاية يستحقانها .

*     *     *     *

أُحضرت جثتا الشقيين شبرم و علقم ، ليتعرف عليها الناس وتأكد السيد صادق ، ومفتش السجن أنهما السجينان السابقان في قضية مغرم ، ولكن ما الذي جاء بهما إلى هذه الحفرة ؟ وما علاقتهما بمقتل أبي خالد ؟!

ولكن حين شهد صاحب المنزل الذي كانا يسكنان فيه ، أن رجلاً آخر هو الذي استأجر المنزل ، وكان يتردد عليهما حتى ليلة موتهما أدرك السيد صادق أن هناك مَنْ أحضرهما للقيام بهذه المهمة ، ثم رسم خطة التخلص منهما ، وأنه الرجل نفسه الذي استبدل طبق الطعام المسموم لمغرم ، وأرسل اللباس يوم العيد إلى السجن لشبرم و علقم ، ثم تخلص منهما ولكن مَنْ هو ؟ فليس هناك ما يدل عليه ! أو يعطي بصيصاً من أمل للوصول إليه …إلا أنه ظل يردد معتقداً أن القاتل سيُقتَل ولو بعد حين !!

*     *     *     *

حزن خالد كثيراً لمقتل أبيه ، وشاركه في ذلك الشيخ صالح  ، وأصدقاؤه في حلقة التحفيظ ، وحين التقى بهم كان ساهماً شارداً ، فأدرك الشيخ صالح أن خالداً لا يزال حزيناً ، فراح يخفف عنه ، ويذكر فضائل أبيه ، ويبشره بأنه قُتل مظلوماً وأنه – إن شاء الله – من أهل الجنة . وأن اليد المجرمة التي أقدمت على سفك دمه ستكشف و ينزل بها القصاص ، وأن هذين الشقيين قد انتقم الله منهما، وأن الذين يقفون خلفهما سيلاقون مصيرهم عاجلاً أو آجلاً .

قبيل المغرب جلس خالد مع صديقيه مسعود وحمزة وقالا له : سنكون معك يا خالد وسنساعدك في كشف المجرم الحقيقي ، فسر خالد من كلامهما ، وقال : جزاكما الله خيراً ، فالمؤمن قوي بإخوانه والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه !!

مر الشيخ صالح بهم مبتسماً واقترب منهم قائلاً : على أي شيء تتفقون ، لعله يكون خيرا ؟!

قال حمزة : هو كذلك ، نريد مساعدة أخينا خالد في الكشف عن القاتل الحقيقي لأبيه !

سُرَّ الشيخ وقال : حسناً تفعلان ، وإنه لمن باب التعاون على البر ، فقد قال ربنا : " وتعاونوا على البر والتقوى " ، بارك الله فيكم وأنا أيضاً سأشارككم في كشف هذه الجريمة ، والذين يقفون وراءها ، فإن قتل المسلم ليس أمراً سهلاً ، و إنَّ لدمه حرمة كبيرة عند الله تعالى ؟!!

*     *     *     *

رجع خالد إلى المنزل ، وقد أحسَّ بأن ثقلاً كبيراً قد انزاح عن صدره ؟ فهو – إن كان فقد أباه ، ولم يعد يجد مَنْ يوجهه في المنزل ، فإن في المسجد مَنْ يُشعره بالأخوة ، ويقدم له النصيحة ، ويقف منه موقف الأب الرؤوف من ابنه .

جلس على طاولة أبيه ، وأمسك بمصحفه ، فاستوقفته آية كان والده يرددها كثيراً " ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون " فرفع كفيه ، ودعا الله قائلاً : رب اغفر لي ولوالدي ، رب ارحمهما كما ربياني صغيراً …. ثم راح ينظر في أوراق تركها أبوه ، فوجد كلمات تقول : لو أن أباك استجاب لما عُرض عليه اليوم لما جرؤ أن يتردد هذا الكلام العظيم على شفتيه ..

أعاد خالد قراءة الكلمات ، وتذكر ذلك اليوم الذي سأله فيه عن آيات وأحاديث عن الأمانة … فأخذ الورقة ، ومضى بها إلى الشيخ صالح ، فقرأها بتمعن واهتمام ، وقال : نعم ! هناك مَنْ عرض على أبيك الرشوة ، فرفضها ، ولكنه لم يُشِرْ إليه ! فهل تراجع ذلك الراشي ، وطلب من أبيك أن يستره لأنه ندم على فعله ؟

قال مسعود : ولكن لو أن هذا الراشي فعل كما قلت ، فلماذا وقعت بعد ذلك أحداث المخازن ؟!!

قال حمزة : وكيف نفسِّر حريق الباب الجنوبي ، ومحاولة التسلل إلى المخازن ، والأحداث التي جرت بعد ذلك  .

قال خالد : إن كل هذه الأحداث مرتبطة بخيط واحد ، وتصدر عن شخص يدبرها ؟!

قال مسعود : لماذا إذاً لم يكتشفه السيد صادق مع توالي الأحداث ؟!!

قال الشيخ صالح : لأنه كلما أمسك برأس الخيط ، ومشى به خطوات ، كان الخيط ينقطع ..

قال حمزة : ما العمل ؟

قال الشيخ : العمل أن نبذل جهودنا في معرفة هذا الرأس المدبِّر ، وننسق مع السيد صادق ، ، دون أن نباشر العقوبة بأيدينا ، لأن هناك جهات مختصة تتولى ذلك ؟

قال مسعود محتداً : أتمنى لو أعرف هذا المجرم ، وأقطع رأسه !

قال الشيخ : وأنا أتمنى ذلك ، وكل صادق وشريف ، ولكن لا يجب أن يتعدى عملنا الكشف والمراقبة .

قال حمزة : لماذا لا نستعين ببقية تلاميذ الحلقة فيصبح العمل سهلاً وسريعاً ؟!

قال الشيخ : كل التلاميذ طيبون ومستعدون لفعل الخير ، ولكن نخشى أن يشيع الخبر ، فيتنبه المجرمون ! يجب أن يشعروا أن كل شيء قد انتهى ، وأن بإمكانهم أن يباشروا عملهم بكل سهولة ..

قال خالد : إذن نحن الأربعة فقط نعمل لكشف المجرمين ! قال الشيخ : نحن وغيرنا ، ولكن لكل جهة طريقتها ، وعلى الجميع أن يكتموا ذلك ، فعلينا أن نستعين على قضاء حوائجنا بالكتمان !

قال : ومن هي الجهة الأخرى – يا أستاذ – اذكرها لنا ، حتى تطمئن قلوبنا !!

قال الشيخ : أنت تعرفها ! ولكني سأذكرك بها .. إنها السيد صادق ورجاله .

قال مسعود : ولكنهم كل هذه المدة لم يصلوا إلى نتيجة ؟! ابتسم الشيخ صالح ، وقال : سيصلون – إن شاء الله – إذا تعاونا معهم ، فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ، وأنا سأتولى التنسيق مع السيد صادق ، فاكتموا ذلك عن كل أحد !!

*     *     *     *

نقل الشيخ صالح للسيد صادق ما توصل إليه مع تلاميذه ، ولاسيما كلمات أبي خالد التي تُشعر أن هناك مَنْ عرض عليه الرشوة ورفضها ؟!!

قال السيد صادق : كنت أحسُّ أن شبرم وعلقم ومغرم أدوات للتنفيذ ، وكنت أنتظر عن طريقهم أن نصل إلى الرأس المدبر ولكن هذا الرأس كان أسرع منا ، فقد كان يعمد إلى التخلص منهم بسرعة !

قال الشيخ صالح : ألا تظن أن هذا الرأس قد يكون في قصر الوالي ؟!

أجاب السيد صادق : ربما ! ولكن مَنْ هو ؟ إننا لا نستطيع أن نتهم أحداً بدون دليل ، ولا سيما أن القضية تطورت من سرقة إلى قتل ، حتى طالت أبا خالد – رحمه الله .

قال الشيخ : ولماذا يقتلونه بالذات ؟!

أجاب السيد صادق بسرعة وهو واثق مما يقوله : لأنه الشخص الوحيد الذي كان يعرفهم .

قال الشيخ صالح : هذا بعيد ! فكيف يسكت عنهم ؟!

أجاب صادق : أو الوحيد الذي كان يقف في وجه سرقاتهم التي تعوّدوا عليها .

الشيخ صالح : هل تظن أنهم سيعودون إلى سرقاتهم ؟!

قال السيد صادق : طبعاً ! ولكن علينا أن نُشعرهم أن الأمور هادئة ، والظروف مناسبة .

الشيخ صالح  : هل تحب أن نساعدكم في مراقبة المخازن ليلاً ؟

قال السيد صادق : في هذه المرة لن يقدم المجرم على السرقة من الخارج ، فإنه سيصبح قادراً على السرقة من الداخل دون أن يعرض نفسه للمخاطر !!

*     *     *     *

استطاع العيان أن يقنع الوالي الطيب القلب بأن ثعيلب خير مَنْ يصلح للإشراف على المخازن فهو أمين وذكي ، ولديه خبره في العمل !! وعندما التقى العيان بثعيلب وأعطاه المفاتيح ابتسم قائلاً : تستطيع أن تتصرف كما تريد ، فتدخل وتخرج ، وتأخذ وتعطي دون أن يراجعك أحد ، لأنني سأكون المسؤول عنك مباشرة ، فلا تتعجل ، وكن حذراً .

قال ثعيلب :سأكون عند حسن ظنك ، فأنا الثعلب الذي تعرفه ، وسأفعل ما يرضيك وسيبقى الأمر بيننا لن يطلع عليه أحد .. ولم تمض أيام حتى استصدر ثعيلب أمراً بتفتيش منزل أبي خالد ، وحين سأله العيان عن الهدف من ذلك ، ابتسم وتعاظم في عين نفسه قائلاً : هناك أكثر من هدف ! الأول : أن نشوّه سمعة أبي خالد ، فإنني قمت بجرد محتويات المخازن ، وكتبت أن فيها نقصاً .

قال العيان : وما شأن منزل أبي خالد بذلك ؟

قال ثعيلب وكأنه يهمس في أذنه : موت أبي خالد المفاجئ هو الذي يسر لنا هذا الأمر ، فنحن لم نستلم منه ، لذلك استطعنا الادعاء بوجود نقص .

العيان : والغاية من ذلك ؟

ثعيلب : الغاية من ذلك – يا سيدي – أن نغيّر فكرة الرجال الذين كانوا يعملون معه ، أو ندخل – على الأقل – في نفوسهم الشك فيه ؟!

قال العيان : والهدف الآخر ؟

اقترب ثعيلب من العيان وقال : نحن في أثناء تفتيش المنزل سنبحث عن أوراق يمكن – ولو واحد بالمائة – أن يكون فيها ما يشير إلى سير أعمال المخازن ، أو ما واجهه فيها من مشقة ترتبط بنا من قريب أو بعيد – ولو على سبيل الاحتمال – فبذلك تطمئن قلوبنا ، ونعمل في جو خالٍ دون خشية الانكشاف ؟!

قال العيان : يالك من ثعلب لا ثعيلب .. ذلك لم يخطر لي ببال ؟!

استغل ثعيلب عبارات الإعجاب ، وأراد أن يشعر العيان بحاجته إليه فقال ، وقد انتفخ من الغرور : هذا أضمن لك ، ثم سكت لحظة وقال : ولي أيضاً .

*     *     *     *

فوجئ خالد وأهل الحي بالتفتيش دون أن يعرفوا سبباً له ، ودون أن يقول لهم أحد عن الدافع لذلك!! ولكن ما إن خرج المفتشون حتى بدأ بترتيب المنزل ، وإعادة كل شيء إلى ما كان عليه ، واكتشف أن بعض الأوراق قد أخذت من أدراج المنضدة ، ومن بينها موضوعه عن الأمانة وتعليق والده عليه ، فانطلق إلى الشيخ صالح ليخبره بما حصل .

*     *     *     *

عندما أخبر خالد والشيخ صالح  ، السيد صادق بحادث التفتيش واختفاء بعض الأوراق ، أحس السيد صادق بأنه أمسك بأول الخيط .. وفي هذا الوقت كان ثعيلب يعرض على العيان الورقة ، ويشير إلى تعليق أبي خالد في أسفلها ..دقق العيان النظر فيها ، وتذكر موقفه يوم عرض على أبي خالد أن يبيع الفائض في المخازن ، ويضع ثمنه في حسابه .. ونظر إلى التاريخ ، فظهرت الدهشة مشوبة بالخوف على وجهه ، لاحظ ثعيلب ذلك ، وقال في لهفة : هل هناك شيء مزعج ؟!

تنهد العيان وقال مطمئناً : لا…لا ، لقد جاءت الأمور سليمة ، مع إنني المقصود بهذا التعليق المؤرخ في نفس اليوم الذي حاولت فيه توريط أبي خالد !!

قال ثعيلب : أنا عندي حاسة قوية أستشعر بها اقتراب الخطر ، فإذا كان أبو خالد لم يذكر اسماً معيناً ولا وصفاً لشخص العارض عليه ، أليس من الممكن أن يكون قد ذكر شيئاً أمام أهل بيته ؟!

قال العيان ، وقد عاد الخوف إليه : ممكن ! ممكن جداً فليس هناك ما ينفي ذلك !ولكن كيف نتأكد؟

قال ثعيلب : اترك الأمر لي ، فأنا سأتأكد من ذلك بنفسي .

*     *     *     *

قبل أن يصل خالد إلى المنزل بخطوات استوقفه منظر رجل طاعن في السن يحمل أمتعة ثقيلة ، فقال في نفسه : ماذا لو عرضت على هذا الرجل أن أعينه ، فاقترب منه ولم يكد ينتهي من سماع رد السلام ، حتى فاجأه الرجل : بارك الله بك – يا بني – هل تتكرم فتعينني على حمل هذا المتاع ولو لبضع خطوات لعل أحد أبنائي يكون قادماً في الطريق ؟!

حمل خالد قسماً من المتاع ، وسارع مع الرجل العجوز الذي كان يكثر من شكره ، وفاجأه بعد قليل بقوله : رحم الله أباك ، أنت طيب مثله .

نظر خالد مندهشاً وقال : أنت تعرف أبي ؟!

قال العجوز : ومَنْ لا يعرفه ؟! ألست أنت ابنه خالد ؟!

قال خالد : بلى !

قال العجوز ، وقد وقف ليستريح : ولكن – يا بني – ألم تصلوا إلى معرفة مَنْ قتله ؟؟

قال خالد : قيل لنا إنهما شبرم وعلقم اللذان لقيا مصرعهما في ليلة قتله .

قال العجوز : ولماذا يقتلانه ؟ لابد أن هناك مَنْ دفعهما إلى ذلك ؟ ألا تشكون في أحد ؟

تذكر خالد وصية الشيخ صالح  و السيد صادق بعدم الاسترسال في الحديث مع الناس حول هذا الموضوع ، فقال : ومِنْ أين لنا أن نعرف ؟ إذا كان السيد صادق ورجاله لا يعرفون ؟!

سكت العجوز قليلاً ، ثم قال ، وقد ظهر عليه الحزن : لقد آلمني أن يُفتش منزلكم قبل يومين ، وقد سمعت من الناس أنكم فقدتم بعض أغراض المنزل ؟!

أظهر خالد الغضب وقال : هذا الكلام غير صحيح وهو إشاعة مغرضة ، فنحن لم نفقد أي شيء ، وأنا بنفسي أعدت ترتيب أغراض المنزل ، وبالذات ما يخص أبي ، فلم أجد شيئاً ناقصاً !

قال العجوز : قاتل الله الشائعات وأقوال المغرضين ، فكم شوَّهت من سمعة  ولكم أساءت إلى أبرياء!

ثم توقف العجوز ، وشكر خالداً ، وقال : لقد أديت واجبك ، وإن أبنائي اقترب موعد وصولهم .

فكر خالد بشأن هذا العجوز الذي لم يره من قبل ، وبأسئلته التي تمس قضية أبيه ، وما يخص منزلهم ، ولكنه لم يخرج بنتيجة … وفي اليوم التالي قابل الشيخ صالح ، وأخبره بما حصل معه ليلاً . قال الشيخ : ألم تر العجوز من قبل ؟ قال خالد : ما رأيته ، ولا أعرفه !

قال الشيخ : هل تستطيع أن تعرفه إذا شاهدته ؟

قال خالد : لقد كان يلف رأسه ، ويغطي قسماً من وجهه ولم يكن النور كافياً لأتفرس فيه .

قال الشيخ : حاولْ أن تكون في نفس المكان كل يوم لعلك تراه !

أما السيد صادق فقد كان له رأي آخر فقال لهما حين أخبراه بأمر الرجل العجوز : إن هذا العجوز ليس رجلاً حقيقياً ، وهو على الأغلب له علاقة ما بمقتل أبي خالد أو بسرقة المخازن ، أو بتفتيش المنزل !

استغرب خالد والشيخ صالح  من كلام السيد صادق الذي أكد لهما أنَّ أمراً ما سيحدث قريباً ، وأن الأحداث ستسير في مجرى واحد ومتسارع ، وأن عليهم أن ينتبهوا أكثر ..

*     *     *     *

اطمأن ثعيلب والعيان ، وصار ثعيلب يصول ويجول في المخازن ، فيأخذ ويبيع دون رقيب أو حسيب ، فقد طمس الله على قلبه ، فأعماه جشعه إلى المال الحرام ، وظهر عليه الثراء السريع وتهامس القريبون منه بذلك .. ولا حظ حامد أن أبواب المستودعات تفتح في غير أوقات العمل ؟! ولكن ماذا يصنع ؟ فلا أحد يصدقه أو يسمع منه ..كان حامد وفياً لأبي خالد يزور أولاده ويتفقد أحوالهم، ويحن إلى أيام ذلك الرجل الذي كان خير مَنْ يؤتمن .. وقد أحس بالألم والضيق حين أصر المسؤول عنه بأمر من ثعيلب على نقله من الحراسة إلى قسم النظافة ، دون أن يكون هناك مبرر لذلك .. وفي أثناء زيارته لمنزل أبي خالد ، لاحظ خالد أن العم حامد غير مسرور ولا منشرح كعادته ، ومن خلال الحديث واسترجاع الذكريات قال حامد : كل شيء قد تغيّر – يا بني – رحم الله أباك فقد كان يعرف مكانتي وقدري ، ولكن هذا الجديد نقلني من الحراسة إلى النظافة على غير رغبة مني !!

قال خالد : لعل العمل اقتضى ذلك .

ابتسم العم حامد بأسى ، وقال : لا - يا بني – هناك سبب آخر .

قال خالد : ما هو برأيك؟

قال حامد : لأنهم ينهبون ، ولا يريدون أن يكون هناك في الحراسة مَنْ يراهم ، ولو أخبرت أحداً بذلك لما استمع إلي !!

*     *     *     *

بعد وداع العم حامد جلس خالد يفكر : إن العم حامد كنز من المعلومات عن المخازن وهو صديق وفي لوالدي ، ورجل أمين ، ونحن بحاجة إلى مثله ؟ فكيف غاب ذلك عني ؟!

وحين التقى بالشيخ صالح والسيد صادق وحدثهما بوجهة نظره ورأيه في العم حامد ، قال السيد صادق : متأكد أنت من صدقه ووفائه ؟

قال خالد : مئة بالمائة ، و كثيرون يعرفون صدقه وأمانته .

قال الشيخ صالح : نحن بحاجة إلى رجل مثله ، أليس كذلك يا سيد صادق ؟!

أجاب : بلى ، فهو خير مَنْ يساعدنا إذا صدقت النيات ! وفي كل الأحوال ليس لدينا مَنْ يقوم بهذه المهمة التي سنكلفه بها غيره .. ثم التفت إليهما وقال : أرجو ألا يعلم أحد شيئاً عن علاقته بنا .

*     *     *     *

حزن العم حامد حين عرض عليه السيد صادق بعض المال لقاء ما سيبذله من جهد معهم ، وقال معذرة – يا سيد صادق – إن الرجل الذي تراه أمامك ، أغنى الله قلبه بالإيمان والقناعة ، والله تعالى قد تكفل برزقه وقد كفاه .

قال السيد صادق : خذ المال على سبيل الهدية .

قال حامد : أكبر هدية تقدمها لي يوم أجد الأمناء قد عادوا إلى أماكنهم ، وأجد اللصوص والقتلة قد نالوا ما يستحقون من عقاب .

قال السيد صادق : أكثر الله من أمثالك ، فأنتم ونحن نعمل في جبهة واحدة هي جبهة الحق والعدل ، والله تعالى ناصرنا و حافظنا .

دمعت عينا حامد وهو يقول : رحم الله أخانا أبا خالد فقد كان من جنود هذه الجبهة المجهولين .

رد السيد صادق : رحمه الله ، وجمعنا به في مستقر رحمته .

*     *     *     *

أعاد ثعيلب علاقته مع التاجر الفاسد طعيشان ، و بدأ يسرب إليه البضائع ليقوم بتصريفها ، ويعطيه جزءاً من المال ليتقاسم هو والعيان القسم الأكبر …

كان السيد صادق قد طلب من حامد أن يتفحص البضائع التي ترد إلى المخازن في أثناء قيامه بعمله في تنظيف المستودعات ، وأن يضع بعض العلامات عليها بحيث لا يعرفها غيره !

اطمأن ثعيلب بعد أن أصبحت أعماله محمية بقرار تعيينه مشرفاً ، وأصبح العيّان مسؤوله الأول ، فهو سيصحح كل خطأ يمكن أن يغفل عنه حين يقدم الكشوف للوالي !! فكثرت البضائع المسروقة في الأسواق عن طريق طعيشان الذي تضاعف اطمئنانه بعد ما أفهمه ثعيلب أن يتصرف كما يريد !! لأنه حتى لو ضبطت البضائع عنده ، فليس هناك ما يشير إلى أنها مأخوذة من المخازن ، فهو قد رتَّب الكشوف بشكل يتوافق مئة بالمئة مع محتويات المخازن ، ولا يستطيع أحد أن يؤثر على عمله ، وأن أي خطأ يقع سيكون هو سببه ، فليحرص على ألا يبوح لأحد بمصدر هذه البضائع … فاطمأن طعيشان أكثر وأكثر ، وحين كان التجار يلحون عليه ليعرفوا مصدر هذه البضائع ، كان يعتذر بقوله: هذا سر المهنة ولا أبوح به لأحد ؟!!

*     *     *     *

انتهى حامد من وضع علامات محددة على عدد من البضائع التي وجدها مجهزة للإخراج من المستودع، والتي جرت العادة بإخراجها في غير أوقات العمل ، بحسب توجيهات ثعيلب.

وفي اليوم التالي عاد للتنظيف فتأكد إنها قد أُخرجت ، فاتصل بالسيد صادق ، وأخبره بما حدث فتنكر مع اثنين من مساعديه بعد أن عرّفه حامد بالعلامات ، ونزلوا إلى السوق يبحثون عن البضاعة التي تحمل تلك العلامات ، ولكنهم بحثوا طويلاً فلم يهتدوا إليها ، ولم يبق أمامهم سوى حوانيت كبيرة خارج السوق ، كان صاحبها يغلقها أكثر الوقت وكأنه مستغنٍ عن البيع والشراء ، وحين سألوا عن صاحبها أخبرهم أحد التجار بأن صاحبها يأتي بعد العصر على الأغلب ، فرجعوا إليه في الوقت المحدد وزعموا أنهم تجار غرباء يحتاجون إلى كثير من البضائع ، وسوف يكتفون هذه المرة بشراء نماذج منها لمعرفة جودتها ، وأنهم سيعودون إليه لشراء كميات كبيرة ….. ومضى السيد صادق ومساعداه مع النماذج إلى موعد متفق عليه من قبل مع حامد ، وجلسوا يتفحصون ويبحثون عن العلامات المحددة ،وفي أثناء تقليب  إحداها ، صاح حامد : إنها هي … العلامة التي وضعتها بيدي قبل بضعة أيام !!

قال أحد المساعدين : ولكن هل هذا دليل كاف على أن الرجل يتعامل مع لصوص يسرقون البضائع؟!

حامد : ولكنكم لم تجدوا البضاعة التي عليها العلامة عند غيره !

قال السيد صادق : نريد إثباتاً أكثر وضوحاً ..

قال حامد : ولكن هذا كل ما أستطيع عمله ؟!

قال السيد صادق : إنك لم تُقصِّر – فجزاك الله خيراً -.

قال حامد : لماذا لا تلقون القبض عليهم في أثناء إخراج البضائع خارج المخازن ، فإنني أستطيع أن أحدد الوقت الذي يأتون فيه .

قال السيد صادق : وهذا أيضاً ليس دليلاً !

تعجب حامد ، وحين همَّ بالكلام ، قال السيد صادق : ربما يكون معهم أوامر بالاستلام ، فحين نلقي القبض عليهم ، تكون خطتنا قد فشلت ، ويعودون لأخذ الحذر .

حامد : ماذا نعمل الآن ؟

السيد صادق : أمامنا عمل كثير ، سنمر على هذا التاجر الذي وجدنا عنده البضاعة ونطلب منه كميات من نوع معين ، وبسرعة لأننا مستعجلون .

*     *     *     *

عندما أنهى حامد عمله في وضع علامات على النوع المتفق عليه ، انطلق السيد صادق متنكراً بثياب تاجر غريب مع مساعديه إلى صاحب الدكان السابق ، وقال : لقد أعجبتنا بضاعتك ، ولكننا في هذه المرة نريد هذا الصنف ، وسندفع لك ما تريد لأننا بحاجة إليه ، ونحن على عجل .

طمع طعيشان ، و سال لعابه للزيادات التي عُرضت عليه ، فاتصل بثعيلب ، و طلب منه تأمين هذا الصنف سريعاً .

وبعد أقل من يومين حضر السيد صادق ومساعداه ليستلموا الكمية المطلوبة ، والتي كان حامد قد وضع عليها علامات بشكل كامل ، ومضوا بها للقاء حامد .. فقال حامد ، حين رأى العلامات ، وتعرف على البضاعة : ولكن من الذي سلمها لهذا التاجر ؟؟

قال السيد صادق ، هذا ما سنعرفه غداً عن طريق التاجر ، وأرجو أن يبقى أول الخيط بأيدينا ، وألا ينقطع بعد خطوات فإن للصوص حيلاً خبيثة ، وعيوناً ساهرة ماكرة ….

*     *     *     *

تم إلقاء القبض على التاجر ، وأفهمه السيد صادق أن ليس هناك مجال للإنكار ، فالبضاعة مسروقة ، وبيّن له أن العلامات التي عليها تم وضعها بمعرفتهم ، وأنه قد يكون بريئاً ، وأن ادعاءه بأنه اشتراها من السوق ليس صحيحاً ، فليس في السوق كلها بضاعة عليها علامة إلا بضاعته فمن الذي أحضرها له؟

أصر طعيشان على الإنكار ، فقال السيد صادق : ستبقى في السجن وحدك ، والذين باعوك البضاعة يتمتعون ويمرحون مع أنك أقل جرماً منهم ، فأنت مُرَوّج ، وهم لصوص يسرقون ما استؤمنوا عليه ، ولا يسعك إلا أن تعترف وتعيد المسروقات وتتوب فإن ذلك سيُخفف عنك العقوبة ، إذا لم يثبت أنك فعلت غير ذلك .. ولك وعد صادق مني .

لم يجد طعيشان بداً من الاعتراف ، وأحس بصدق كلام السيد صادق ، فقال : إذا قلت لكم فلن تصدقوني؟!!

قال السيد صادق : بل سنصدقك ، فلدينا إثباتات كثيرة ودامغة ، ولم يبق إلا شهادتك ..

قال طعيشان : ولكنه موظف كبير ! وهنالك مَنْ يحميه !

قال السيد صادق : لا تنخدع بهذا الكلام ، فإن الوالي وعد أن ليس هناك أحد فوق القانون والمساءلة !

قال طعيشان : إن الذي يسرب لي هذه البضائع هو ثعيلب .

فهز السيد صادق رأسه وقال : كنا نعرف أين تختبئ الأفعى لأننا رأينا ذيلها كثيراً ، ولكنا كنا نبحث عن رأسها !!

*     *     *     *

طلب الوالي العيّان في ساعة متأخرة من الليل ، وقد ظهر عليه الحزن والغضب ، وأخبره أن ثعيلب هو رأس اللصوص !وهو الذي ينهب المستودعات !!

قال العيّان محاولاً التبرؤ من أعماله : لم أكن أعرف عنه إلا أنه نشيط ، مما دفعني إلى طلب تعيينه لضبط الأمور .

قال الوالي : لابد من مواجهته بالحقائق التي تجمعت لدى السيد صادق ، وبحضورك شخصياً .

أحس العيّان بالحرج والخوف الشديدين ، فانطلق إلى منزل ثعيلب ، ولم يشأ أن يرسل له أحداً ، وقد بدا على وجهه الخوف الذي شابته صفرة كئيبة ، وقال : لقد افتضح أمرك ، وعليك أن تتعجل بالهروب لينقطع الخيط باختفائك .

قال ثعيلب : وأنت ماذا ستفعل ؟ ولماذا أختفي وحدي ، وأتحمل مسؤولية ما جرى بمفردي ؟!

قال العيّان : أنت تعلم أن مكانتي كبيرة ، ويجب أن تكون بعيدة عن هذه الأعمال !

أظهر ثعيلب انزعاجه إلى درجة الغضب وقال بسخرية : وأين كانت مكانتك الكبيرة عندما كنت شريكاً لي ؟!

قال العيّان : ما معنى هذا ؟ وما الداعي إلى هذا الكلام ؟!

قال ثعيلب ، وقد سقطت هيبة العيّان من نفسه ، وأحس أنه ضعيف ، ومتهم مثله : معنى هذا أن نهرب معاً ونختفي ، فليس من المقبول أن أهرب وحدي ، وأتشرد وأحمل التهمة ، وتبقى أنت هانئاً بما جنيت ؟!

قال العيّان : ولكني سأعطيك قسماً كبيراً من مالي لقاء ذلك !!

قال ثعيلب مخوفاً العيّان ومهدداً : ولكنك ستبقى مُهدَّداً ، حتى لو اختفيتُ عن الأنظار ، لأنهم قد يمسكون بي في كل وقت ، وسأضطر للاعتراف عليك ؟!!

ازداد خوف العيّان ، وقد أخفق في كل ما عرضه على ثعيلب ، فقال يائساً : إذاً ، فلنمض ، وليحمل كل منا أمواله ، لأننا قد لا نرجع أبداً … ولكن ما الوسيلة التي سنهرب بها ، فإنه لم يبق إلا ساعات للصباح ؟!

قال ثعيلب : لديَّ مركب على الشاطئ نستطيع أن نمضي به إلى الجزيرة القريبة ، فإن سفناً كثيرة ترسو هناك ، فنركب إلى حيث لا يعرف أحد إلى أين مضينا .

قرب الشاطئ التقى العيّان و ثعيلب ، وقد حمل كل منهما أمواله ، فصعدا إلى المركب ، واتجها إلى الجزيرة القريبة .

كان ثعيلب صامتاً أكثر الوقت على غير عادته ، ثم التفت إلى العيّان وقال لعلك تجيد السباحة ؟!

قال العيّان : لمسافة قريبة ، وقد نسيتها منذ زمن طويل !!

صمت ثعيلب مرة أخرى ، وراح يفكر بالمال الذي جلبه العيّان ، وصمم على الخلاص منه قبل الوصول إلى الجزيرة !!

*     *     *     *

كان العيّان قد أحس بالدوار ، فاقترب من طرف المركب ، وحاول أن يملأ الوعاء بالماء  ، فأخفق في ذلك ! فنظر إليه ثعيلب وقال : حاوِلْ مرة أخرى ، وسأعمل على أن يبقى المركب متوازناً ، لا يتأثر بضغطك عليه .. ولكن ما إن فعل العيّان ذلك حتى قام ثعيلب بحركة جعلت المركب يهتز ويميل ، فسقط العيّان ، ومضى ثعيلب بعيداً عنه !!

حاول العيّان اللحاق به وانطلق يصيخ ويستغيث ، ولكنه لم يرد عليه ، وما هي إلا لحظات حتى أحس العيّان وهو يغالب الماء أنه يفعل المستحيل !

كان مركب لحرس الوالي يجوب المنطقة وقد لاحت بوادر الفجر ، وشاهد الحرس جزءاً مما جرى فأسرعوا وأجبروا ثعيلب على التوقف والاستسلام ، وقد طفت جثة العيّان قريباً من المركب ، فعادوا بهما إلى الشاطئ ليتم وضع القضية بين يدي السيد صادق .

*     *     *     *

لم يستطع ثعيلب أن ينكر ، وقد تجمعت الأدلة كلها ضده ! واعترف طعيشان حينما واجهوه معه ، أنه الذي يعطيه البضائع .. فانهار ثعيلب واعترف بكل شيء من جرائم قتل وسرقة ، واحتج بأن كان يفعل ما يأمره به العيّان ، وأنه أطمعه بالمال ، وهيأ له الظروف المناسبة .

فقال السيد صادق : لقد نال العيّان جزاءه على يديك ،كما نال الأشقياء الثلاثة المصير نفسه فإن الله يمهل ولا يهمل وصدق الله العظيم " وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض " فأنتم لم تلتقوا على تقوى الله والعمل الصالح ، ففعلتم ببعضكم ما فعلتم ….. وستنال جزاء ما فعلت .

وسيق ثعيلب إلى المحاكمة والقصاص ، وبقي طعيشان في السجن نادماً على ما فعل ، وقد وجد عاقبة طمعه وجشعه فكان  يردد أمام زائريه : لقد أغناني الله بالحلال وكنت في أسعد حال ، ولكن الشيطان ثعيلب قادني بوسوسته إلى الخوض في المال الحرام ، وأنا أنتظر انتهاء مدة السجن لأعود إلى الحياة الشريفة من جديد ، فوالله إن لقمة من حلال خير من قنطار حرام .

*     *     *     *

انتشر خبر مقتل العيّان وإلقاء القبض على ثعيلب والخلاص من عصابة اللصوص ، وقد جعل الله بأسهم بينهم شديداً .. فازدادت مكانة أبي خالد في نفوس الناس وتذكروا أمانته ، فترحموا عليه ، والتمسوا لدى الوالي أن يطلق على المخازن اسم مستودعات أبي خالد . وفرح الوالي بالقضاء على العصابة ووقْف السرقات ، ولكنه حزن لأن كبيراً من مساعديه كان شريكاً فيها ، وقال : لقد أوليت العيّان ثقتي ، ولكنه لم يكن أهلاً لذلك !!

ثم أصدر أمراً بتعيين السيد صادق مكان العيّان ، وأمراً آخر بتعيين حامد مكان ثعيلب وطلب من الشيخ صالح أن يكون مراقباً على الأسواق لمنع الغش والسرقة والاحتكار ،كما طلب منه أن يستمر في حلقة التحفيظ ، وأن يخبره عندما يتم خالد ومسعود وحمزة حِفْظ القرآن كاملاً ، لتعيينهم في وظائف مناسبة ، وقدم لهم الهدايا ، وشكرهم على مساعدتهم في كشف الأشقياء والجريمة ، وهنأ الجميع بالخلاص من العصابة .

انتهت.

 


 

 

أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح ©  2009