العدد 146 - 15/4/2009

ـ

ـ

ـ

 

 فقتل معه قلبي والدته التي أنجبته وعمته التي لم تنجب غيره

غزة- ريما عبدالقادر

الطفل حماد سلمية ذو البشرة السمراء بعمر الزهور يحمل في حقيبته البسيطة بعض قطع الطعام وقليلاً من الشاي، يتناوله مع شقيقه الأصغر عند رعي الغنم في منطقة شمال شرق مدينة غزة، كان يتنقل بغنمه من مرعى إلى آخر كالفراشة بأحلامه الصغيرة، ليسد جوعها وعطشها خاصة أن جذور عائلته بدوية، وتربى على ذلك منذ سني طفولته الأولى، إلا أن رصاصات الاحتلال الإسرائيلي لم ترحم بساطة وطفولة حماد إنها لم تشفعا له أمام رصاصات الاحتلال الإسرائيلي التي قتلت بسمته وقتلت قلب والدته التي أنجبته وعمته التي احتضنته.

صورة صغيرة

بملامح الحزن التي كانت واضحة على عمته جميعة "40 عاماً" التي كانت تراه بمثابة طفلها بعد عجزها عن الإنجاب، فكان كل شيء بالنسبة لها، قالت وهي تعيد الذاكرة في يوم رحيل حماد:" استيقظ حماد في صباح 14/2 عند السادسة صباحاً، وذهب مع أخيه واثنين من أصدقائه ليرعوا الماشية، وحينما كان حماد يعد فطوره في الحقل كعادته، أطلقت مركبة عسكرية إسرائيلية النار عليه وأصابته في الرأس فتلته على الفور".

ومن ثنايا شالها الأسود، أخرجت كيساً بلاستيكياً، وكان في داخله مظروف صغير يحمل بين جوانبه الصورة الوحيدة المتبقية لحماد حيث التقط هذه الصورة عندما كان في السابعة من عمره، أما صوره الأخرى التي التقطت في وقت حديث، فقد ضاعت تحت أنقاض منزله الذي هدمه الاحتلال الإسرائيلي.

وأشارت بقلب الأم التي فقدت طفلها إلى أن حماد كان مثل ابنها المحبب، لأنه ليس لديها أطفال، كان دوماً ينام بجانبها، ويقصدها كلما احتاج لشيء ما.

وقالت بنبرات الألم :"لقد اعتاد الجميع أن يقولوا أن حماد لم تكن له أم واحدة، ولكن كان له أمّان – أمه الحقيقية، وأنا ، ولقد ملك جزءاً كبيراً من قلبي، وعند موته، ذهب قلبي معه".

وذكرت أن حماد"13عاماً" قد ترك المدرسة قبل شهور قليلة ليتفرغ للرعي ويساعد عائلته، وأنها حاولت إجباره للعودة للمدرسة، ولكن كل همه كان رعاية الأغنام وركوب حماره، لقد كان طيباً مع الحيوانات، فعندما كان يعود من المدرسة، كان يرمي حقيبته في المنزل ويذهب راكضاً إلى الأغنام.

وبينت بأنها في الليلة التي سبقت مقتل حماد، رأت في حلمها زفافاً، وهو ما ينذر بسوء في ثقافتهم البدوية فعندما أخبروها بأن حماد قد أصيب، علمت أنه سيموت لأنها رأته عريساً في حلمها.

كانت جميعة تجلس في المأوى المؤقت الذي أقامته العائلة بجوار أنقاض منازلهم في حي السلام، شمال شرق مدينة غزة.  كل ما كان يحيط بهم هو مشاهد من الدمار الشامل، لقد قدمت هذه العائلة البدوية إلى غزة كلاجئين من بئر السبع في عام 1948، واستقرت في منطقة حي السلام، وقبل العدوان الإسرائيلي الأخير، كانت للعائلة بيوت من الإسمنت وحظائر للماشية بالقرب من المنطقة العازلة، التي كانت أول المناطق التي تم ضربها أثناء العدوان الإسرائيلي البري في شهر يناير 2009.

وحينما استرجعت جميعة ما مرت به أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير:"عند الثانية صباحاً في 5/1، بدأت الدبابات بإطلاق نيرانها على المنطقة، وضربت القذيفة الأولى منزلنا وعندها هرعت إلى غرفة أمي لأنها كانت مسنة في الثمانين من عمرها،  وكانت طريحة الفراش، ثم ضربت قذيفة ثانية المنزل، فاضطررنا إلى الهرب، وتركناها خلفنا". وتابعت:"  لقد كنا كالماعز المذعورة التي فتح باب الإسطبل لها، وهربنا إلى جباليا، ومن ثم إلى الزيتون، حيث لجأنا إلى المدارس، وكنت أتوسل كل يوم لسيارات الإسعاف والمسعفين لأن يساعدوني في الذهاب إلى المنزل وإخلاء والدتي حتى أنني قلت بأنني سأسير في مقدمة سيارة الإسعاف، وأنني سأحمل راية بيضاء، ولكن الأمر كان خطيراً جداً، فرفضوا".

ولفتت إلى أنها حينما عادت العائلة إلى المنطقة في 18/1 ، وجدوا منازلهم، التي كانت تصطف بجانب بعضها البعض، وقد سويت بالأرض بالغارات الجوية التي شنتها طائرات F-16  الحربية، واستغرق إجلاء والدتها من تحت الأنقاض ثلاثة أيام.  وبعد أسابيع قليلة، ووري حماد الثرى بجانب جدته.

وجدير بالذكر أنه بسبب قرب هذه المنطقة من الحدود، فقد أتى مانحون قلائل لتقييم الدمار أو لتقديم المساعدة والدعم حيث أن المخيم الأقرب الذي نصبت فيه الخيام لإيواء من دمرت منازلهم لا يناسب عائلة سلمية التي تريد البقاء بالقرب من الماشية التي تملكها، فضلاً عن كون العائلات البدوية تفضل العيش بمفردها. 

وفي نبرات صدرت من قلب حزين من سلمى والدة حماد:"الحرب لم تنتهِ ليس هناك وقت ينعم بالهدوء في غزة، فنحن دوماً نرى طائرات F-16   تحلق في السماء، ولكن حماد لم يشعر يوماً بالخوف.

وقالت بتنهيده حزينة، "لقد كان قويا ومفعماً بالطاقة، فكان شقيقه الأصغر يتمنى لو أن الاحتلال الإسرائيلي قتلوه بدلاً من حماد، لأن الجميع يحبون حماد، وهو الآن يرفض أن يأخذ معه أي طعام أو شاي عندما يذهب للرعي لأن حماد  كان يعد الفطور عندما قتلوه".

قتلوا طفلي

وقبل أيام من موت حماد، كان يشعر بالاكتئاب لموت حماره، الذي قتل أثناء الاجتياح الإسرائيلي البري، مع ستين من الماعز وثلاث بقرات  كانت لأبيه برَّاك، سالم سليم سلمية، الذي تحمل الأسماء الثلاثة الأخيرة من اسمه معاني ‘السلام’.  

قال والد حماد وحزن فقد طفله كانت واضحة على معالم وجه التي تجاوزت سن 47 عام ،:" أين حقوق الإنسان في غزة؟ كان حماد طفل يمكن لأي شخص أن يرى أنه كان طفلاً، ولكنهم أردوه قتيلاً".

وبعد أن أخذ نفسا ًعميقاً حمل ألم الفراق :" كان ذكياً جداً وكان طيباً مع الحيوانات، كما أنه كان يذهب للسوق لبيع الحليب والجبن الذي كنا ننتجه...لا اعرف ماذا يمكنني أن أقول أكثر عن ابني؟  كيف يمكنني أن أتحدث عنه؟ فماذا يمكن أن أفعل أنا؟  أشعر وكأنني لا شيء.. هذه المنطقة كانت مجرد منازل وشارع..هل كانت تلك الماعز مقاتلة؟  لم يتبق شيء..."

بينما التف برَّاك للمغادرة، نهضت سلمى، والدة حماد، وقالت: "لقد كانت الأيام الخمسة عشر التي مرت منذ رحيل حماد وكأنها خمس مئة يوم فلم يعد لكثير من الأشياء طعم".

وتابعت بكلمات رسمت بها ابتسامة حزينة :"كل من رأى حماد في صباح اليوم الذي قتل فيه، قال أن وجهه بدا جميلاً كما لم يبدو من قبل.. ".

"اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك..ويطيب الموت في سبيل الله"

 


 

 

أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح ©  2009