العدد 146 - 15/4/2009

ـ

ـ

ـ

 

محمد العوضي

الطفل أحمد يفتقد شقيقه الأب ويحن لصوته وجلساته ويشتاق لنصائحه

أحمد العوضي

غزة- ريما عبدالقادر

بنظرات تحمل الألم والكثير من الذكريات كان يبادلها الطفل أحمد العوضي لصورة شقيقه الشهيد محمد التي كانت معلقة على جدار معهد الأمل للأيتام بمدينة غزة، وهو يسأل الصورة بعيون حملت الكثير من الدموع "حقاً قد رحلت عني يا محمد؟؟! هل رحلت يا أبي.. فأنت لم تكن لي بمثابة أخ فحسب بل كنت أبي وكل شيء جميل في حياتي ..كنا نتقاسم كل شيء بيننا لأننا كنا دوماً واحداً في أفراحنا وأحزاننا.. آآآآه ..يا حبيبي لم تشفع صواريخ الاحتلال ليتمك فقتلتك بصواريخها التي لم ترحم جسدك الصغير..هذه الكلمات استوقفت مراسلة "الفاتح" بجوار ألم أحمد عبر سطورها التالية:

أبي مات مرة أخرى

بملامح الحزن التي كانت واضحة على ملامح وجهه الصغير قال أحمد بكلمات كانت تقطعها دموع حاول جاهداً أن يخفيها "محمد كان كل شيء بالنسبة لي وفي رحيله رحلت معه الكثير من الأشياء".

وتابع بنبرات حزينة "لم أكن اعتقد بأنني سوف أعيش مرحلة اليتم مرة أخرى فأخي كان بمثابة أبي الذي أخبره بكل شيء وأسمع منه كل شيء لا يرغب بقوله لأحد، فكان كل واحد منا الحضن الدافئ للآخر".

وأشار إلى أن والده توفي وعمره 6 سنوات مما جعله أكثر تعلقاً بشقيقه محمد في كل شيء حيث كانا يذهبان دائما مع بعضهما البعض ويقاسم أحدهما الآخر ثمن ما يرغبان شرائه، وإن قام أحدهما بشراء شيء وإن كانت قطعة صغيرة من الشوكلاته فلابد أن تكون نصفها للآخر، فبكل شيء القسمة تكون على اثنين.

وبين أنه لازال يتردد على مسامعه صوت شقيقه حينما كان ينشد قبل استشهاده "والله لا يجف دم الشهيد.." فكان كثيراً ما يحب ترديدها.

وذكر أنه حينما كانا يعودان للبيت في إجازة يوم الخميس كانا طوال الطريق يتبادلان الحديث في كل ما يرغب أحدهما بالقول للآخر وعادة يضعان جدول في ذهنهما لما سيفعلانه خلال الاجازة، إلا أن هذه المرة سيغادر أحمد المعهد في إجازة يوم الخميس دون أن يتحدث بكلمة في طريق عودته.

وتابع بنبرات حزينة "سأداوم على فعل ما كان يطلبه أخي الحبيب فعله حيث كان يذكرني بأن أغسل أسناني، واسمع كلام أمي ، ولا أفتعل مشاكل بالمعهد. كان دوماً يذكرني بذلك لكن اليوم رحل عني ولم أعد أسمع بعد اليوم نصائحه الغالية".

يذكر أن أحمد ومحمد تم تسجيلهما في معهد الأمل في أواخر عام 2004 بعد أن توفي والدهما عام 2000م.

ألم الفراق

وبعد صمت للحظات قليلة قبل أن يعود بالذاكرة وبالتحديد إلى قبل يوم استشهاد شقيقه قال "لقد كنا نمزح فيما بيننا وقام أخي بمصالحة كل من كان يختلف معه من أصدقائه ويمازحهم فكان قلبه كبير يحب أصدقائه ويحبوه ".

وذكر بأن شقيقه كان قد علق على حائط الغرفة بالمعهد جدول الامتحانات وكتب أسماء المواد عليها وكتب فقط بجوار اللغة العربية يوم وساعة الامتحان فكان ذات اليوم الذي أصيب فيه واستشهد إثرها .

وأردف قائلاً وهو يصور أحداث يوم 27/1 في مخيلته :" استيقظ محمد مبكراً ليستعد للامتحان في مدرسة الكرمل وأثناء خروجه من المعهد سلم على مدرسة بالمعهد حيث قالت بعد استشهاده لقد رأيت وجه محمد في ذلك اليوم وجه شهيد فقد كان مشرق، وأنا ذهبت لمدرسة سلمان سلطان وأثناء القصف الأول لم أشعر بالخوف لكن بالضربة الثانية شعرت بالخوف واعتقد أنها الضربة التي أصابت أخي".

استكمل حديثه بنبرات لم تُخْفِ الحزن الذي حمله أحمد في قلبه والدموع في عينيها: "حينما عدت إلى المعهد حضر الجميع إلا شقيقي مما أدخل القلق إلى قلبي وخرجت أبحث عنه في المستشفيات وحتى ثلاجة الموتى لكنني لم أجده، وتم إبلاغ أمي بالأمر وخرجت لتبحث عنه فوجدته في العناية المكثفة وما إن مر يوم حتى استشهد ".

في ذلك الوقت اختنقت كلماته بصوت دموعه التي أخفاها إلا أن احمرار عيناه تحمل الكثير من الألم خاصة حينما قال: "حينما دخل أخي في غيبوبة واستشهد وتم وضعه في ثلاجة الموتى قلت لأمي لا تبكي ممكن أن يستيقظ أخي ويعود إلينا فلقد سمعت كثير من الناس يتم وضعهم في ثلاجة الموتى، ويعودون للحياة..إلا أن هذا الشيء لم يحصل معنا" .

لحظات من الصمت خيمت على المكان، لكن سرعان ما عاد احمد لحديثه عن شقيقه، وذكر أن شقيقه كان هادئ الطبع يحب تناول الكبدة حيث أذكر أنه طلب من والدتي أن تعد له الكبدة حينما يأتي في إجازة يوم الخميس وبالفعل تناولنا معا الكبدة، كما كان بمجرد أن يدخل المنزل يقوم بتقبيل يد والدتي وعلمني ذلك كما كان يحثني دوما على طاعتها.

وأكد أحمد أن شقيقه كان حنون.. ففي يوم العيد حينما ذهبنا للمنزل أخذ والدتي إلى محل المرطبات واشترى لها آيس كريم من مصروفه.

تلميذك يا أخي

وكما كان محمد بالنسبة لأحمد الأب والأخ فكان له أيضاً الأستاذ فكان كل عام يأخذ دفاتره وكتبه ويتعلم من الملاحظات التي يسجلها على الكتاب وحينما يعجز عن فهم شيء يذهب إليه مباشرة ليوضحه له.

ورغم الألم الذي حمله إلا أنه حمل الأمل الذي حاول أن يخفيه إلا أن لسانه سبقه بالحديث حينما قال :"حينما أنتهي من المدرسة سوف ألتحق بالجامعة لدراسة إدارة أعمال".

همسات محبة

وفي همسات محبة من كل من ردد اسم أحمد بالمعهد كانوا يحثونه أن يعود لسابق عهده أن يعود لمواصلة الدراسة والاجتهاد وأن يشارك بالأنشطة والفعاليات التي كان دوما يتألق بها.. حيث قال الأخصائي النفسي في المعهد وائل صلوحة في رسائل محبة لابنه أحمد: "أنت صاحب شخصية قوية وممتازة ونعتمد عليك في قيادة من هم أصغر منك وأريد أن تعود كما كنت بالسابق.."، مضيفاً "كلنا أحببنا محمد وسنبقى على ذلك وسنترجم ذلك بأفعالنا ونسجل نجاحنا في المعهد وخارجه ".

 


 

 

أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح ©  2009