العدد 147 - 1/5/2009

ـ

ـ

ـ

 

تأليف: د. طارق البكري                   رسوم : هيثم حميد

1 –  عبدالله يعود من المدرسة حزيناً

"مَا بِكَ يَا عَبدَالله! تبْدو مَهْمُومَاً حَزيْناً..".

سَألت الأمُّ ابْنَها العَائِدَ مِنَ المَدْرسةِ، وقد رأتأتأتْ على ملامحه سمات الحُزن.. وأماراتُ الغضب..

ابتسمَ عبدُالله ابتسامة هي أقربُ للأسَى منها للرِّضا.. فهالها ما رأت في عينيَّ ابنها.. اللتين كانتا تلمعان من أثر دموع مختنقة.. ونظراتٍ حيرى..

ضمَّتِ الأمُّ ولدَها في حنان..

"ما هذا الأمر الجلل الذي يقلقك؟؟  هل من مشكلة؟  هل عجزت عن حلِّ مسألةٍ أغضبتْ مُدرسك؟ هل نلتَ درجة ضَعيفة؟"...

ثمَّ اسْتدْرَكتِ قائلة: لا يمكن.. فأنا أعرفُك مُجْتهداً.. ولنفترضْ أنْ شيئاً من هذا حَدثَ؛ لا بأسَ عليكَ.. فسوفَ تعوّضُ تراجعك بدرجةٍ أحسنَ مِنْها.. لا تقلك يا ولدي..

نظرَ عبدالله في عينيِّ أمِّه.. مَسْرُوراً راضِياً.. ولكن بأسى..

ضمَّها إلى صَدْره بقوَّةٍ كطفلٍ صَغير تاه في الطريق ثمَّ وجدَ أمّه.. وهو يخشى أنْ يفقدَها مرَّةً ثانيةً.. وردَّدَ مُطمْئِناً: "لا يا أمي.. لا.. لم يحدث من هذا شي". 

زادَ جوابُ ابنِها قلبَها قلقاً..  "إذنْ ما الذي أهمّك وغمَّك؟  هلْ منْ صَديقٍ أصَابه ضرر؟ أو مِنْ حادثٍ أصابَ أحداً تعرفُهُ.. وَهَلْ...؟؟".

"لا يا أمِّي. لمْ يحدثْ من كلِّ هذا شيءٌ..". قاطعها عبدالله في أدبٍ..

فقالت: "ماذا إذنْ!.. لقدْ تقطَّعَ قلبي".

هزَّتْ هذه الكلمةُ وجْدانَ عبدالله: "سلامَةُ قلبُكِ يا أمِّي من كلِّ سوء.. بلْ أنَا مَنْ تقطَّع قلبي لِمَا سمعتُ وقرأتُ وعلمتُ".

"ماذا؟ وما هذا الذي سمعتَه وقرأتَه وعلمتَه وسبَّب لك كل هذا السوء؟"..

صَاحَتْ الأمُّ وقد نَفدَ صَبْرُها وارتجفَ صَوتها وأعياها القلقُ..

ثمُّ تابعتْ:" قلْ يا حَبيبي.. مَاذا هَنَاك؟".

أخرجَ عبدالله مِنْ جَيبه ورقة مَطويَة..  "هذه ورقة أعطاني إياها صَديقي عاصَم.. وَجدها بالأمس في بريده الإلكتروني.. وقد رأيته صباحاً مغموماً أكثر مما ترينني الآن.. وَقرأتُ هذه الوَرْقةَ فكاد يغشى عليَّ منْ هول الصَّدمة"..

فتحتِ الأمُّ الوَرَقةَ بِحَذَرٍ.. قرأتِ الأمُّ.. سادَ صَمْتٌ مهيب.. للحظات..

أشَاحَتِ الأمُّ وَجهها.. أدمعتْ عَيناها..  ثم قالت: "ما أبشع هذا الكلام.. وهل صدقته؟".

 

2 - أمْرٌ لا شكٌّ فيهِ

رَفعَ عَبداللهِ رأسَهُ بكُلِّ اعْتزاز وفخر.. وقالَ بصوتٍ واثق ثابتٍ:

لا يا أمِّي.. هذا أمْرٌ لا يُمْكنُ الشكّ فيه.. لكنّي لم أكنْ أظنُّ يوماً أنَّ أحداً ينكِرُ أمَانَة أفضَلِ النَّاسِ وَخَيرِ النَّاسِ وأعدلِ النَّاسِ... "كفى يا حبيبي.. كفى.. هذه مسألة قديمة، وتُهَمٌ بعيدةٌ عَنْ تفكيرنا... حتى لو لمْ نَدرُسْ التاريخ ونفهمه..".

ثم قالت: لكنَّ عليكَ أنْ تعلم أنَّ هذا الأمرَ محدودٌ جداً، ومعظمُ النَّاس من المُنْصفين يرفضونه، وكثيرٌ من العارفين - عند كل الناس وفي كل مكان - لا يقبلون هذا الكلام.. وبَعضُ القليل لا يغلب الكثير.. فلا تحزن... فقد قالها له صاحبه (صلى الله عليه وسلم)  قبل أكثر مِنْ ألف وأربعمئة عام، بنص القرآن الكريم: {لا تَحْزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنَا}.. والنَصُّ القرآني لا يغيّره ولا ينسخُه إلا الله تعالى، أو يأمر نبيهُ بذلك.. وهذا لم يقلْ به أحدٌ منَ الناس.. فلا تحزنْ يا ولدي..

كانَ عبدالله يَــعرف أنَّ أمَّه تـَقرأ كثيراً من الكتب.. وخاصَّة في التاريخ..

فقالَ لها: لمَاذا لمْ تخبريني مِن قبلُ أنَّ هناكَ من يشكِّكُ بعدالة صَحَابَةِ رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) الأقربين.. وخاصَّة بعدالة خُلفائه الراشدين.. وأبـي يذكِّرني دوماً - مع أنني لا أنسى - أنّه سَمَّاني (عبدالله) على اسم أبي بكر الصِّديق (رضي الله عنه) ويناديني دائماً بكنيته.. فكيفَ يقولون عنه ذلك يا أمي.. كيف؟؟ كيف؟؟

في هذه اللحظةِ وَصلَ الأبُ إلى البيتِ ومعهُ ابنته نورة التي يحضرها من المَدرسة وهو عائدٌ مِنْ العمل ظُهْرِ كلَّ يومٍ.. لأنَّ مدرستها بعيدة بَينَما مدرسة عبدالله قريبة ويعودُ منها سيراً على قدميه..

"السلامُ عليكم يا أغلى الناس"..

دخلَ الأبُ وعلى شفتيهِ ابتسامته المُعْتادة..  وضعَ حقيبتهُ جـَـانباً.. اقترب وَسَـلم على زوجته وابنه..  وهرولتْ نورَة نحو أمِّها تحضَنها وتقبِّلها...

"هاه يا أصدقاء.. ماذا سَنأكل اليوم؟"، قالَ الأبُ مُشيراً إلى بطنه: هيا.. بطني يعزف ألحانُ الجوع.

قالتِ الأمُّ ضَاحكة: لا طعام لكم اليوم.. جوعوا.. جوعوا...

نورة لم تدْرك أن أمَّها تمازحهم.. فصاحت: سأموت من الجوع..

"حاضر يَا نورة.. من أجلك أنت فقط يا حلوتي...  دقائق ويكونُ الطعامُ جَاهِزاً..".

قالت الأمُّ والضحكة تملأ كلماتها..

 

3 - عبدالله يخبر أباه

بعد الغداء قالتِ الأمُّ والأسْرةُ الصَّغيرةُ مُجْتمَعة لتناول الفاكهة:

مَا رأيكَ يا أبَا بكر أنْ نخبرَ أبَاك عنْ الرَّسالة الإلكترونية.. التي أعطاك إيَّاهَا صديقك عاصِم..

تلفَّتَ عبدالله وعلى وجهه تبدوْ حَيرة لمْ يفهم الأبُ مَغزاها..

نظر الأبُ إلى ابنه مُتوجِّساً.. وكانَ قدْ لاحظ حزن ابنه من قبلَ لكنَّه لمْ يتكلم.. فقالَ لهُ عبدالله: أليسَ اسْمي عبدالله يَا أبي؟

قالَ الأبُ ضاحكاً: نعم! إلا إذا كانَ لك اسْمٌ لا أعْرفه..

قال: أليستْ كُنيتي أبا بَكر؟

قال: نعم بالتأكيد!

والأبُ مُتعجبٌ مِنْ ابنُه يَسْألهُ أسْئلة يعرفُ إجاباتها! لكنَّه ترقَّبَ مَا وراءَ هذه الأسْئلة..

فقالَ لهُ: ثمَّ مَاذا؟

قال: ما رأيك إذنْ في منْ يتهم  من شرَّفْتَني بحملِ اسْمَهِ ولقَبَهِ ويصفهُ بأوصافِ سوءٍ..

فهم الأب قصد ابنه وقال: لا نقول عنه إلا خيراً.. فهو الصَّاحبُ الأمينُ.. وَهوَ الصِّدِّيق الصَّدِيق... وابنته أمُّ المؤمنين عائشة.. وتاريخُه ملئ بالعطر والبخور.. وَهَذا حقٌ واضحٌ جَلي..

عبدالله: لماذا لم تخبرني بما يقال عنه من سوء من قبلُ يا أبي؟

نظر الأب إلى ابنه.. وعلى وجهه ترسم علامات الحزن من الفكرة، ومعها تظهر علامات الفرح من رجاحة عقل ابنه وتفكيره بما يجري من حوله..

ثم قال الأب: وهلْ صدَّقتَ ما سمعتَ وقرأت يا أبَا بَكْر؟

قال: بالطبع لا.. لكنَّ الأمر شغلني كثيراً.. وطوال اليوم وأنا أفكر به.. حتى أنِّي ولأوَّل مرَّة أهمل الانتباه لشرح المدرِّس داخلَ الفصْل، فقد كان الموضوع يشغَلُ قلبي.. ولكني لن أفعل ذلك مرة ثانية.. فلا بد أن انتبه جيداً داخل الفصل..

سَألهُ الأبُ: هذا صحيح يا ولدي.. ولكن ماذا فكرت؟

قال: قلتُ في نفسي إنَّ نبينا مُحَمَّداً (صلى الله عليه وسلم) اختاره في أعظم رحلة عرفتها البشرية، وهي الهجرة النبوية الشريفة.. فهل يعقل أنْ يُصاحبَ منْ لا يأمنُهُ بهذه الأمانة العظيمة.. ثمَّ إنَّ رسولَنا الكريمَ تزوجَ ابنتَه عائشة رضيَ الله عنها.. فهو الصَّاحبُ وهوَ العمُّ.. وابنته أم المؤمنين.. وكيف نشكّ بمن اختاره رسولنا الأمين للصلاة بالنَّاس في مرضِ موته! فاغْتمّتْ نَفسي وَبَكيتُ..

قال الأبُ: هدئ من رَوْعِكَ يا بنيَّ.. ما قلتَه شديدُ الأثر في نفسي.. لكنِّي لم أكن لأقولَ لكَ ما يحزنك ولا يفيدك.. وأنا أحرصُ على قول ما يبهج قلبك.. أليس كذلك؟

ثم تابع: ما رأيك.. بدلاً من أن نحون ونأسى ونبكي.. ما رأيك لو تعاملنا مع هذا الواقع بتفاعل إيجابي؟

"آه.. يا عبدالله.. لقد أتيتَ بالتعبِ لنفسك.. ترقب إذنْ ما سيفعلُه أبوكَ بك.. وتحمَّل.. فأنت السبب".

قالت الأمَّ ذلك وهي تدرك أنَّ أبَا عبدالله لا يُضيعُ فرصةً واحدة دون الاستفادة والعلم..

وحال لسانه يقول مثل الشاعر:

إذا مرّ بي يومٌ وَلمْ أصْطنعْ يَداً    وَلمْ أسْتَفِدْ عِلْماً فَمَا ذاكَ مِنْ عُمُري‏

 فقال الأب ضاحكاً: هذا بالفعل هو شعاري.. فما رأيكم مَا دَامتِ العُطلة الأسبوعية قدْ بَدأت.. أنْ نَشغلَ أنفسنا اليومَ وَغداً بذكر رواياتٍ وأحداثٍ وأقوالٍ في سيرةِ هذا الرَّجلِ العظيم، الذي قيل عنه إنَّه أعظمُ النَّاس بعد الأنبياء والرسل.. فيجمع كلُّ واحدٍ منَّا معلومات لنتبارى أيُنا أكثر معرفة بهذا القائدِ الكبير...

قالتْ نورة: يا لها من فكرة رائعة.. سنقضي نهاية أسبوع بديعة.. هل يعني أننا لن ندرسَ دروسَ المدْرَسَةِ..

قال الأب ضاحكاً: هذا هو همُّك الوحيد يا نورة.. لا تخافي.. لن نتركك تهملين ما عليك من واجبات.. لكنَّنا سنخصص وقتاً كافياً للبحث في هذا الموضوع.. وسنجعل نزهتنا هذه العطلة في ساحة العلم والتفكير..

الأم: لنبدأ إذنْ من هذه اللحظة.. وليُحْضرْ كلٌّ منا كتاباً من المكتبة، فلدينا كتبٌ كثيرةٌ في التاريخ الإسلامي..

قالتْ نورة بحماسةٍ شديدةٍ: أنَا عِنْدي فِكرة.. ما رأيكم أنْ نكتبُ المعلومات التي نجمعها على الكمبيوتر ثمّ نقوم بإرسالها إلى أصدقائنا على الإنترنت لننشر الأخبار الصحيحية.. وبذلك نكون إيجابيين حقاً، نُفيدُ ونستفيدُ..

قال الجميع: فكرة رائعة.. هيا نبدأ..

 

4 - سباق في الخير

قاموا جميعاً يتسابقون..

أحضر كلُّ واحدٍ مِنْهُم عَدداً مِنَ الكُتبِ ولم يكتفِ بكتابٍ وَاحد..

جَلسوا إلى طاولةٍ كبيرةٍ.. وضعوا الكُتُبَ بعضها فوق بعض.. وبدأوا يبحثون..

قال الأب: هيا.. نبدأ البحث الأول: متى ولد أبو بكر الصديق؟ هيا.. أجيبوني..

قالت الأم: يا زوجي العزيز.. هذا سؤال بسيط لا يحتاج لبحثٍ ولا تدقيقٍ أو تمْحِيص فكلنا نَعرف الجَوَابَ..

قالَ الأبُ: ومع ذلك ستكون هذه النقطة منطلق عملنا فمن يقول الجوابُ.. ما رأيُك أنتِ يا نورة؟

نورة: نعم يا أبي.. كما تريد.. كانت ولادته رضي الله عنه بعد عام الفيل بسنتين أو ثلاث.. على خلاف.. فهو أكبر من رسولنا الكريم ما بين سنتين أو ثلاث.. والله أعلم..

عبدالله ضاحكاً: ماشاء الله.. ماشاء الله.. إجابة ممتازة... حسناً.. حسناً.. لكنَّنا نعرف ذلك ولنْ نَحسبها.. أليس كذلك يا يا أبي؟

يَضحَكُ الأبُ ويقولُ: طبعاً لنْ نحسبْها.. لكننا نحب أنْ نستذكر ما نعرفه كيلا ننساه.

ثم تابع حديثه قائلاً: حسناً.. من يعطيني شيئاً جديداً فريداً..

قالتْ نورَة: هل تعتقدون أنني لا أعرف.. أنَا سَأعطيكم شيئاً جديداً فريداً.. اسْمعوني جيداً.. أليستْ ابنتهُ هي زوجةَ الرسولِ الكريم.. والزوجة منْ آل البيت، كما يقول كثير من أصحاب العِلم.. إذنْ هو أبُ مَنْ في الآل.. وأعني عائشة رضي الله عنها..

الأم: جميل.. جميل هذا التحليل.. تابعي.

نورة: هو الوحيد الذي ورد ذكره في القرآن الكريم {صاحباً} محدداً للرسول الكريم.. وهذا أمرعليه إجماع ولا ينكره أحد بأنّه كان الصاحب في رحلة الهجرة المباركة.. كما أنَّ القرآن امتدح ابنته الشريفة الطاهرة.. وابنة أبي بكرٍ هي أم للمؤمنين.. وأبو بكر أبوها.. يعني أنَّه أبو أمَّه، لأنَّ زوجات الرسول أمهات للمؤمنين.. فهل بعد هذا من فضل؟

عبدالله: ما أروعك يا نورة.. أعجبني كثيراً ما قلت.. والكلام من بعدك صعب.. لكنني سَأحاول أنْ أباريك بالقول فاسمعي وعي:

هو بينَ الرِّجال أوّلٌ؛ أوَّلٌ فيمَنْ أسْلمَ.. وأوَّلٌ بين من أحبَّ الرسول (صلى الله عليه وسلم).. ما رأيكم.. هل أتابع؟

الجميع بصوت واحد: تابع... تابع..

قال الأب: أبدعت يا ولدي.. هيا قل ولا تتوقف.

قال عبدالله بعد أن تنحنح واعتدل في جلسته ورفع رأسه مزهواً بنفسه:

نتبع الأوائل بالقول: هو أوَّلُ خليفة.. وأوّلُ من جمع القرآن في كتاب.. وأوّلُ من صدَّقَ بالرِّسَالة ومعجزات الرسول فعُرفَ بالصِّديق.. وأوُّلُ من أظهر الإسلامَ علناً دون رهبة ولا خوف.. وهو أوَّلُ الوزراء.. وأوَّلُ من صلى بالناس بأمر الرسول الكريم عند مرض وفاته.. وأوّلُ من جاهد.. وأوَّلُ من واسى النبي بماله ونفسه، وأوَّلُ من كان يتكلمُ بحضرةِ الرَّسُول (صلى الله عليه سلم)... وهو المستشار العسكري الأوّل.. وأوّل شاهد على صلح الحديبية...  وأخيراً وليس آخراً: هو أوُّل من دُفن في جوار النبي (صلَّى الله عليهِ وسلَّم).. ثمَّ تبعه إلى هذا الجوار الشريف خليفته أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.. ولم يسكن في جوارهما أحد من الخلق..

وهو أوَّلُ وآخرُ من أوصى لخليفة واحدٍ محددٍ من بعده بين الخلفاء الراشدين..

فهل بعد هذا كلام؟؟

الأم وقد أدمعت عيناها: رائع ما قلت يا عبدالله.. جميل هذا الجمع من الأوائل عند أبي بكر .. فحياة أبو بكر كانت كلها تدل على أنّهُ الأوَّلُ في كل شيء.. وهنالك كثير من الأحداث التي تؤكدُ ذلك.. كانتْ حياتُه عامرةً بالعطاءِ والسبق إلى الخَير.. وَلوْ رَوَيْنا عنه جزءاً يسيراً مما وردنا من القَصَص لما كفتنا أيامُنا ولا ليالينا.. وليس عُطلاتِ نهايةِ الأسبوع فقط..

قالتْ نُورة ضاحكة: إذنْ لنمْنَحْ أنفُسَنا عُطلاتٍ كثيرةً..

فضحك الجميع منْ قوْلِها...

 

5 –  حياته قبل الإسلام

هنا قالتْ نورَة: لقد تحدثنا عن أشياءَ كثيرة.. لكنَّنا لمْ نتحدثْ بعد عن نشأة أبي بكر وحياته في مكة قبلَ الإسْلام.. ما رأيكم أنْ أحدثكم عن ذلك.. أمَامي نصٌّ جميل يروي بعضاً من حياة الصِّديق في تلك الفترة..

قالتِ الأمّ: فعلاً نريد أنْ نعرفَ ذلك.. هيا غرِّدي يا عصْفُورَتي الصَّغيرة.

بدأتْ نورة تتكلم بصوتها العذب الجميل: نشأ أبو بكر رضي الله عنه في مكة المكرمة، ولما جاوز سنَّ الصبا عمل في بيع الثياب ونجح في تجارته وحقق الربح الوفير. وكانت تجارته تزداد اتساعاً فصار من أثرياء قريش؛ ومن ساداتها ورؤسائها.

وتزوَّج في مطلع شبابه من (قتيلة بنت عبد العزى)، ثم تزوَّج من أم رومان بنت عامر بن عويمر. وكان يعرف برجاحة العقل ورزانة التفكير، وأعرف قريش بالأنساب. وكانت له الديات في قبل الإسلام. وكان ممن حرموا الخمر على أنفسهم في الجاهلية، ولم يكن يعبد الأصنام وكان حنيفاً على ملَّة النبيّ إبراهيم عليه السلام.

وكان بيته في حيِّ التُّجار؛ وكان يعيش في الحيِّ نفسِه النبيُّ محمَّد (صلَّى الله عليه وسلم)، ومن هنا بدأت صداقتهما، حيثُ كانا متقاربين في السن والأفكار والكثير من الصفات والطباع.

وتابعتْ نورَة تقول: وقد اشتهر الصِّديق بعدة أمور منها:

اشتهر أولاً بعلم الأنساب، وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها، وكان في الجاهلية تاجراً، وكان ينفق من ماله بسخاء وكرم عرف به في الجاهلية.

ولم يشرب الخمر وقد أجابَ الصِّديق من سأله: هل شربتِ الخمر في الجاهلية؟ بقوله: أعوذ بالله، فقيل: ولم؟ قال: كنت أصون عرضي، وأحفظ مروءتي، فإنَّ من شربَ الخَمْرَ كان مضيّعاً في عرضه ومروءته.

وعلق عبدالله قائلاً: يا سبحان الله.. من كانت هذه خصاله في الجاهلية كيف تكون خصاله في الإسلام.. صدق رسول الله، فخيارهم في الجاهية خيارهم في الإسلام..

قالت نورة: صحيح قولك.. استمع إذن إلى ما سأتبع به كلامي.. الصِّديق رضي الله عنه من القلة القليلة في الجاهلية الذين لم يسجدوا لصنم أو تمثال.. وقد قال: ما سجدت لصنم قط، وذلك أني ناهزت الحلم فأخذني أبو قحافة (يعني أباه) بيدي وانطلق بي إلى مخدع فيه الأصنام، فقال لي هذه آلهتك الشّم العوالي، وخلاني وذهب، فدنوت من الصنم وقلت: إني جائع فأطعمني.. فلم يجبني، فقلت: إني عار فاكسني.. فلم يجبني، فألقيت عليه صخرة فخرّ لوجهه.

 

6 –  الأم تقول كلاماً مهماً

فرحَ الأبُ وفرحَتِ الأمُّ بهذا الحوار المفيد  وقدْ رأيَا السُّرورَ في عينيّ عبدالله ونورة..

فقالتِ الأمُّ: هلْ تسمحوا لي أنَّ أتحدثََ الآنَ:

الأبُ توجَّه إلى طفليه قائلاً: ممممم.. يبدو أنَّ لدى أمُّكما كلاماً مهماً عميقاً.. مَا رأيكما؟

عبدالله ونورة بصوتٍ واحدٍ: تفضلي... منبرُ الكلام لكِ.

الأمُّ: شكراً لكمَا.. المَسْألة أنَّ الكلامَ عن شخصيةِ أبي بكرٍ وبُطولاته قدْ يشكّكُ البعض فيها ولا يقبلها..  ومهما جمعنا من كلام وعِبَر وقصص قد يعترض من يعترض.. فلا تنفع كل الرسائل الإلكترونية ولا الرسائل العادية.. لذا علينا أن نجمع ما لا يمكن إنكاره..

ثمَّ تابعتْ: لو نظرنا إلى الصُّحْبةِ الغالية في الهجرة الشريفة.. فهل يمكن لرسول الله عليه وعلى آله أفضلُ الصلاةِ والسَّلام أنْ يختارَ رفيقاً لدربه الطويل ولا يعرف جيداً هذا الرفيق.. ثم لو شككنا باختيار النبي لرفيق دربه الطويل.. وصحبته الطويله؛ فكيف نشكك بوصفه صاحباً من السماء.. ثمَّ بلْ كيفَ يُخْطِئُ الرَّسُولُ في اختيار صاحبه كلَّ هذه السنين.. ثمَّ إنَّّ الرَّسولَ معصومٌ عن الخطأ.. فهل يمكن أنْ يَختارَ صَاحباً في أعظم رحلة في التاريخ ويكون الرفيق غير رفيق... ألا ترون عُمُقَ المسألة؟

ثمَّ.. إنّ الرحلة من مكَّة إلى المدينة أخذتْ أياماً عديدةً زادتْ عن سبعة أيام.. ومن الكتب من يرفعها إلى أكثر من عشرة أيام.. فهلْ يمكنُ أنَّ رجلاً كأبي بكر رَضِيَ الله عنه.. بهذه القامة العالية بما عُرفَ عنْه في الجاهلية من امتناع عن عادات كانت سائدة مثل شرب الخمر والسجود للأصنام وغير ذلك من عادات جاهلية.. واستجابته لدعوة الإسلام فور تبلغها من رسول الله.. ويعيش إضافة إلى ذلك نحو عشرة أيام بلياليها.. مع نبي.. وليس نبياً كسائر الأنبياء والرسل.. لوحدهما.. يأكلان معاً.. ينامان معاً.. يتكلمان.. يفكران معاً.. يتبادلان الأفكار.. يأكل النبي الطعام من يد الصديق.. ينام النبي على فخذ الصديق..

ثمَّ قالتِ الأمُّ بصوتٍ عال: يا لها من نعمة استحقها هذا الرجل؛ أنْ يَنامَ أعظمُ الأنبياء على فخذه.. تصوروا هذه النِّعمة العظيمة..  فأنَّى لهذا الرَّجل أنْ يخالفَ أمرَ صاحبه (صلى الله عليه وسلم) عند موتِه.. ليس بعد فترة طويلة.. بل بعد أقل من ساعة كما يقال؛ فهل يمكن لهذا أنْ يحدثَ عقلاً؟؟ خاصَّة أنَّه عاشَ مَعَهُ سنواتٍ طوال بالإسلام إضافة إلى صداقتهما في سنوات الجاهلية.. وإذا أضفنا أيْضاً هذه الأيام الخاصَّة جداً إلى كل تلك السنين..

مع خصوصية شديدة لأيام الهجرة، هذه الرحلة العظمى..

فهلْ يعقلُ أنْ يتغيّرَ هذا الرجلُ في أقل ساعة واحدة من موتِ صَاحِبه؟؟

وهلْ الرَّسولُ الكريمُ لا يعرف كيف ينتقي أصحابه ولا يعرف من يصاهر.. ومن يتزوج؟؟

معاذ الله أن يكون كذلك..

وقد ورد صدقاً في كلماتٍ مختلفة في الشكل متحدة في المعنى؛ أنّ الرسول الكريم (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) قال: "إنّ أمنَّ النَّاسَ عليَّ في ماله وصُحْبَته أبو بكر، ولو كنتُ مُتخذاً خَليلاً غَيْرَ ربي لاتخذتُ أبَا بَكر خليلاً، ولكنْ إخوَّة الإسلام..".

فهل الرسول ينطق عن هوى في هذه المسألة البالغة الخطورة..

كما أنّ التغيّر في نفس أبي بكر لو حدث بعد زمن من وفاة الرسول الكريم.. بعد شهر مثلاً.. لكان في الأمر منطقٌ.. أمَّا القول بأنَّ أبا بكر رَضي الله عنه تغيَّر من حال إلى حال ضده بعد ساعة أو أقل من وفاة رسولنا الكريم.. فأمرٌ يدعو إلى التفكير؟

وإذا قيل إنَّه كان متغيراً من قبل ففي ذلك اتهام للرسول صلى الله عليه وسلم..

وكذلك لو قلنا إنَّ أبا بكر كان يضمر ما في قلبه ولا يكشفه.. فكيف والرسول قد أعلمه الله بكل منافق في المدينة قريباً وبعيداً.. فهل يعقل أن يخفي عنه حقيقة أبي بكر.. فإمّا أنّ رسول الله يعلم هذه الحقيقة وأخفاها.. فكيف يأمره بالصلاة بالنّاس وهو يعلم ما في قلبه وما سيحدث من خلاف من بعده؟؟ خاصَّة أنَّه أوكله بالصلاة.. وهلْ هُنالكَ أعظمُ منَ الصَّلاة.. وهل ولاية الدنيا أعظم من ولاية الآخرة؟؟

وإما أنَّ الرَّسول الكريم يجهل هذه الحقيقة، وجاء من بعده من يكتشفها.. فهل يستوي ذلك عند نبي في مقام محمد صلى الله عليه وسلم؟!

فصاح الأب دون أنْ يتمالك نفسه: بورك هذا الكلام.. وهذا التفكير.. ما أعظمك من زوجة؟؟

ثم ساد صمت..

ثم قالتِ الأمُّ بعد أنْ هدأتْ حَماسَتُها: هناك إضافة أخيرةٌ مهمة جداً سأقولها لكم، وهي أنَّ أبا بكر (رضي الله عنه) هو من القلة النادرة بين صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذين أسْلمَتْ أسْرتُهم جميعاً.. فقد آمن كل آل بكر بدءاً من أمِّه وأبيه ثم أولاده.. وهو الوحيد الذي تشرّفتْ أسرتُه جميعها برؤية رسول الله حتى أحفاده رضي الله عنهم جميعاً، وليس من الصَّحابة من أسلم أبوهُ وأمُّهُ وأولادُهُ وأدركوا النبيَّ الكريمَ وأدركَهُ أيضاً بنو أولاده إلا أبوبكر من جهة الرِّجال والنِّساءِ.. فهل بعد هذا من كرم؟؟؟

ثم قالت الأم بصوت مليء بالخشوع والطمَأنِينةِ: إنَّ الله يُكرمُ منْ عباده من يشاء.. وأبو بكر من المكرمين الأجلاء في الدنيا قبلَ الآخره..     

قال أبو عبدالله:

بارك الله بك يا زوجتي الحبيبة.. ما أجمل هذه الدرر التي نثرتها في قلوبنا قبل عقولنا.. ما شاء الله.. أبدعت فيما قلت.. بت أحسد نفسي عليك..

الأم: ضاحكة: من بعض ما عندكم يا أبا عبدالله..

الأب: إذن فقد جاء دوري.. فترقبوا ما سأقول..

يتبع في العدد القادم بمشيئة الله




 

 

أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح ©  2009