العدد 147 - 1/5/2009

ـ

ـ

ـ

 

إعداد: يعقوب محمد إسحاق         رسوم: ضياء حجار

هذا الكتاب

هذا كتابٌ جميلٌ طريفٌ مفيدٌ، يحدثنا فيه الجاحظ عن محاسن الأشياء ومساوئ أضدادها. كأن يخبرنا عن محاسن الشجاعة ومساوئ ضدها (الجبن) مثلاً، أو محاسن الصدق ومساوئ ضده (الكذب) مثلاً. وهو لا يحدثنا عن ذلك بأسلوب الوعظ، كأن يقول مثلاً: "إن الشجاعة جيدة والجبن رديءٌ". وإنما يعرض لنا حكاياتٍ لطيفةٌ ووقائع حقيقيةً جرت للناس فعلاً، ويترك لنا أن نكتشف نحن من مدلولها محاسن الشيء وضده.

من ذلك مثلاً أنه يعرض، تحت عنوان "محاسن الثقة بالله سبحانه" هذه الحكاية. قال:

حدثني إبراهيم بن عبد الله عن أنس بن مالك قال: دخلنا على قوم من الأنصار (وهم سكان المدينة المنورة الأصليون) وفيهم فتى عليلٌ، فلم نخرج من عنده حتى قضى نحبه (أي توفي) فإذا عجوزٌ عند رأسه، فالتفت إليها بعض القوم فقال:"استسلمي لأمر الله تعالى واحتسبي"، (أي اطلبي الأجر والعوض منه تبارك وتعالى). فسألت: "أمات ابني؟" قال: "نعم". قالت: "أحقٌ ما تقولون؟" قلنا: "نعم". فمدت يدها إلى السماء وقالت: "اللهم إنك تعلم أني أسلمت إليك وهاجرت إلى نبيك محمدٍ صلوات الله عليه، رجاء أن تغيثني عند كل شدةٍ فلا تحملني هذه المصيبة اليوم".

فكشف ابنها الغطاء عن وجهه، وما برحنا حتى أكل وشرب وأكلنا معه.

وفي الصفحات التالية نصوصٌ مختارةٌ مما جمعه أديب العرب العظيم "الجاحظ" عن محاسن الأشياء وأضدادها.

محاسن المخاطبات

حكوا أن المأمون (وهو الخليفة العباسي الشهير، ابن هارون الرشيد، الذي بلغت الدولة العربية في عصره أوج عزها وقوتها وثرائها) دخل ذات يوم الديوان (أي القاعة المخصصة للكتاب والموظفين في قصر الخلافة الفخم ببغداد) فنظر فرأى غلاماً جميلاً على أذنه قلمُ فسأله: "من أنت"؟.. فأجابه:

- أنا الناشئ في دولتك، المتقلب في نعمتك.. المؤمل لخدمتك. واسمي: الحسن بن رجاء.

فقال المأمون: بالإحسان في البديهة تتفاضل العقول.

وأمر بأن يرفع هذا الفتى عن مرتبة الديوان إلى مراتب الخاصة، ويعطى مائة ألف درهم تقويةً له.

وحكوا عن "ابن القرية" (وهو رجل من عامة الناس) أنه دخل على عبد الملك بن مروان (وهو الخليفة الأموي الشهير)، في قصره الفخم بدمشق، فبينما هو عنده دخل أولادُ عبد الملك، فسأله:

- من هؤلاء الفتية يا أمير المؤمنين؟

أجابه عبد الملك: هؤلاء ولدُ أمير المؤمنين.

قال: بارك الله لك فيهم كما بارك لأبيك فيك. وبارك لهم فيك كما بارك لك في أبيك. فسر الخليفة وشحن فمه دراً. (أي أنعم عليه بأموالٍ كثيرة) مكافأةً له على جوابه الحسن الجميل.

ضدّه

حكوا أن نحوياً متحذلقاً اسمه "أبو علقمة النحوي" أحس بمرضٍ فذهب إلى طبيبٍ بارع اسمه "أعين" فقال:

- إني أكلت من لحوم الجوازئ، وطسئت طسأةً فأصابني وجعٌ بين الوابلة إلى دأية العنق، فلم يزل يربو حتى خالط الشراسيف، فهل عندك دواء؟

فأجابه الطبيب الذي لم يفهم من كلامه شيئاً:

- نعم.. خذ خوفقاً وسربقاً ورقرقاً فاغسله واشربه بماء.

فقال: لا أدري ما تقول.

قال: ولا أنا دريت ما قلت.

محاسن حفظ اللسان

حكوا أن المهلب بن أبي صفرة (وهو أمير البصرة وقائد الجيوش الإسلامية المنطلقة منها للفتوحات شرقاً) جمع أولاده وقال لهم:

- اتقوا زلة اللسان فإني وجدت الرجل تعثر قدمه فيقوم من عثرته، ويزل لسانه فيكون فيه هلاكه.

وشتم رجلٌ المهلب، فلم يجبه: فقيل له: "حلمت عنه". فقال:

- ما أعرف مساويه، وكرهت أن أبهته بما ليس فيه. (أي إنني لا أعرف عيوبه لأشتمه بها، ولا أسمح لنفسي أن أصفه بعيوبٍ قد يكون بريئاً منها).

وحكوا أنه كان يعيش في المدينة المنورة في زمن الخليفة العباسي "المتوكل" عالمٌ كبيرٌ جليل اسمه "الزبير". فاستدعاه المتوكل إلى بغداد ليقيم في قصره ويشرف على تعليم ابنه "المعتز".

قال الزبير: فأدخلت حجرةً في القصر فإذا أنا بالمعتز –وهو فتى- قد أتى وفي رجله نعلٌ من ذهب، وقد عثر، فسال الدم من قدمه، فجعل يغسل الدم ويقول:

يـصاب  الفتى من عثرةٍ في iiلسانه
وليس يصاب المرء من عثرة الرجل
فـعثرته مـن فـيه تـرمي iiبرأسه
وعـثرته بـالرجل تـبرا على iiمهل

قال الزبير: فقلت في نفسي: الحمد لله الذي ضمني إلى من أريد أن أتعلم منه.

محاسن الصدق

قال بعض الحكماء: الصدق عزٌ وإن كان فيه ما تكره، والكذب ذلٌ وإن كان فيه ما تحب.

وقيل: الصدق ميزان الله الذي يدور عليه العدل، والكذب مكيال الشيطان الذي يدور عليه الجور.

وقال رجلٌ حكيم: لو لم يترك العاقل الكذب إلا مروءةً لكان بذلك حقيقاً (أي جديراً) فكيف وفيه المأثم والعار؟

وقال "الشعبي": عليك بالصدق حيث ترى أنه يضرك فإنه ينفعك، واجتنب الكذب حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضرك.

وقيل: كفاك موبخاً على الكذب علمك بأنك كاذب.

كذاب أمير المؤمنين

ويحكي لنا "الجاحظ" حكايةً طريفةً عن رجلٍ اشتهر بلقب "كذاب أمير المؤمنين" فيقول:

كان رجالٌ من أهل المدينة المنورة، من بين فقيهٍ وأديبٍ وشاعرٍ، يسافرون إلى بغداد (عاصمة الدولة زمن الخليفة العباسي "المهدي") فيرجعون بحالٍ حسنة وحظوةٍ (أي جوائز مالية قيمة). فاجتمع عدةٌ منهم فقالوا لصديقٍ لهم، لم يكن عنده شيءٌ من الأدب: "لو أتيت العراق فلعلك تصيب شيئاً". (أي نقترح عليك أن تسافر إلى بغداد وتزور علية القوم هناك فتملأ جيوبك بمكافأتهم وهباتهم المالية). فقال: "أنتم أصحاب آدابٍ تلتمسون بها" (أي: لا تقيسوا حالي على حالكم. فأنتم علماء وأدباء، أما أنا فإنسانٌ غير متعلم ولن يكافئني أحدٌ بأي جائزة) فقالوا: "نحن نحتال لك" (أي نساعدك).  

فأخرجوه. فلما قدم بغداد قصد وجيهاً كبيراً فيها اسمه "عليٌ بن يقطين" وشكا إليه الحاجة. فسأله علي: "ما عندك من الأدب؟". قال: "ليس عندي من الأدب شيءٌ. غير أني أكذب الكذبة فأخيل من يسمعها أني صادق".

وكان هذا الرجل المدني ظريفاً مليحاً فأعجب به "عليٌ" وقربه إليه وجعله من ندمائه في مجلسه حتى عرف بذلك.

وكان الخليفة "المهدي" قد غضب على واحدٍ من قادة جنده، فطرده من وظيفته وصادر أمواله. فكان هذا القائد المنكوب يكثر من زيارة "علي بن يقطين" راجياً أن يكلم المهدي ليرضى عنه. وكان يرى قرب الرجل المدني من "علي" ومكانته الأثيرة لديه.

وذات يوم أتى "المدني" إلى ذلك القائد وقال له: "هات البشرى.. قد أرسلني علي بن يقطين إليك، وهو يقرؤك السلام ويقول: قد كلمت أمير المؤمنين في أمرك، ورضي عنك، وأمر برد مالك وضياعك، ويأمرك بالغدو إليه لتذهب معه إلى أمير المؤمنين متشكراً".

فمنحه القائد ألف دينارٍ، وهو يكاد يطير فرحاً. ثم ذهب معه إلى "علي" ليشكره.

فسأله "عليٌ" مستغرباً: وعلام تشكرني؟

فقال وهو يشير إلى "المدني" الواقف قربه: لقد أخبرني صديقك هذا بأمر كلامك لأمير المؤمنين في محنتي ورضاه عني.

فالتفت "علي" إلى "المدني" وسأله: ما هذا؟

فقال: أصلحك الله.. هذا بعض ذلك المتاع فنشرناه. (أي هذا بعض ما عندي من مخزون الكذب).

فضحك عليٌ، وأسرع فركب دابته وذهب إلى "المهدي" ونقل إليه القصة بتفاصيلها، فضحك المهدي وقال:

- إنا قد رضينا عن الرجل ورددنا عليه ماله.

وأجرى على المدني رزقاً واسعاً واستوصى به خيراً، حتى صار يعرف بلقب: "كذاب أمير المؤمنين"

محاسن المودة

قال أحد الحكماء: ليس الإنسان أن ينعم إلا بمودات الإخوان.

وقال آخر: الازدياد من الإخوان زيادةٌ في الآجال وتوفيرٌ لحسن الحال.

وقيل: عاشروا الناس معاشرةً إن عشتم حنوا إليكم وإن متم بكوا عليكم.

وقال الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لابنه الحسن: ابذل لصديقك كل المودة، ولا تطمئن إليه كل الطمأنينة. وأعطه كل المواساة ولا تفش إليه كل الأسرار.  

ضده

قال المأمون: الإخوان ثلاث طبقات: طبقةٌ كالغذاء لا يستغنى عنه، وطبقةٌ كالدواء يحتاج إليه، وطبقةٌ كالداء لا يحتاج إليه.

محاسن المكاتبات

في زمن الخليفة الأموي "الوليد بن عبد الملك" (الذي وصلت الفتوحات الإسلامية في عصره إلى الأندلس غرباً وإلى الصين شرقاً) كان يعيش في المدينة المنورة رجلٌ حليمٌ لبقٌ أديبٌ اسمه "عروة بن الزبير".

وذات يوم جاء إلى عروة رجلٌ اسمه كعب العبسي وقال له:

- قد أذنبت ذنباً إلى الوليد بن عبد الملك، وليس يزيل غضبه شيءٌ. فاكتب لي إليه. (أي فاكتب لي إليه رسالةً تشفع لي عنده وتجعله يعفو عن ذنبي الكبير).

فكتب عروة بن الزبير إلى الخليفة: لو لم يكن لكعبٍِ من قديم حرمته ما يغفر له عظيم جريرته لوجب أن لا تحرمه التفيوء بظل عفوك الذي تأمله القلوب ولا تعلق به الذنوب. وقد استشفع بي إليك، فوثقت له منك بعفوٍ لا يخالطه سخط. فحقق أمله وصدق فيّ ثقتي بك تجد الشكر وافياً بالنعمة.  

فكتب إليه الوليد: قد شكرت رغبته إليك، وعفوت عنه لمعوله عليك. وله عندي ما يجب. فلا تقطع كتبك (أي رسائلك) عني في أمثاله وفي سائر أمورك.

محاسن الجواب

قيل للصحابي الجليل العباس بن عبد المطلب، وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم وأكبر منه سناً:

- أأنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فأجاب: هو عليه الصلاة والسلام أكبر مني، وأنا ولدت قبله.  

ويحكى أن الخليفة العباسي "المهدي" (والد هارون الرشيد) كان مسافراً في باديةٍ فلقي إمرأةً أعرابيةً فسألها: "ممن العجوز"؟ قالت: "من قبيلة طيء". قال:

- ما منع طياً أن يكون فيها كريمٌ آخر مثل حاتم؟

أجابت: منعها الذي منع العرب أن يكون فيها مهديٌ آخر مثلك. فأعجب بها وأمر لها بجائزة.

محاسن الصحبة

يحكى أن رجلاً حكيماً اسمه "علقمة بن ليث" قال لابنه: يا بني.. إن نازعتك نفسك إلى الرجال يوماً لحاجتك إليهم (أي إن اضطرتك المصلحة والحاجة إلى أن تصاحب الناس) فاصحب من إن صحبته زانك، وإن تخففت له صانك (أي إن غبت عنه أو قصرت في حقه حفظ مودتك) وإن قلت له صدق قولك، وإن صلت شدد صولتك (أي إن قاتلت خصماً آزرك).. اصحب من إذا مددت إليه يدك بفضلٍ مدها، وإن رأى منك حسنةً عدها، وإن بدت منك ثلمةٌ سدها.

ضده

كان الخلفاء الأمويون في دمشق قد عينوا "يوسف بن عمر الثقفي" والياً على العراق، فكان مذموماً في عمله.

قال الوالي يوسف لكاتبه يوماً، وقد احتبس عن ديوانه (أي تأخر في القدوم إلى عمله بالديوان):

- ما حبسك؟ (أي ما أخرك؟".

قال: اشتكيت ضرسي.(أي كنت أعاني من آلام في ضرسي)  

فقال الوالي غاضباً:

- تشتكي ضرسك وتقعد عن الديوان؟

ودعا الحجام (أي الحلاق) وأمره أن يقلع له ضرسين من أضراسه.

محاسن السخاء

كان طلحة بن عبيد الله رجلاً ثرياً غنياً، فقصده رجلٌ فقيرٌ ذات يوم، راجياً نيل مساعدة مالية منه، فوجده أمام بيته وقد شمر عن ذراعيه وهو يهنأ بعيراً (أي يداوي جملاً أجرب بأن يمسح جلده بالقطران، وهذا عملٌ يقوم به عادةً أجيرٌ صغير) فهمّ الرجل الفقير بأن يتراجع، فاستوقفه "طلحة" وسأله عن أمره فأخبره الصدق. فابتسم له طلحة وأمر خادماً له فجلب من البيت بدرةً (أي صرةً مليئةً بالنقود) وأعطاه إياها.  

قال الرجل الفقير بعد أن شكره: أردت أن أنصرف حين رأيتك تهنأ البعير.

فابتسم "طلحة" وقال: هذا شيءٌ وذاك شيء.. إنا لا نضع الصغير ولا يتعاظمنا الكبير.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما أشرقت شمسٌ إلا ومعها ملكان يناديان، يسمعان الخلائق غير الجن والإنس،(وهما الثقلان): اللهم عجل لمنفقٍ خلفاً ولممسكٍ تلفاً،

وملكان يناديان:

- أيها الناس... هلموا إلى ربكم فإن ما قل وكفى خيرٌ مما كثر وألهى.

كان للخليفة الأموي الزاهد عمر بن عبد العزيز أختٌ صالحة اسمها "أم البنين"، ورثت عن زوجها الخليفة "الوليد بن عبد الملك" أموالاً طائلة، فكانت تقول: "لو كان البخل قميصاً (أي ثوباً) ما لبسته، أو طريقاً ما سلكتها". وكانت تكثر من الإنفاق على المحتاجين في سبيل الله، وتقول: "البخل كل البخل من بخل على نفسه بالجنة".

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

السخي قريبٌ من الله، قريبٌ من الناس، بعيدٌ من النار.. والبخيلٌ بعيدٌ من الله، بعيدٌ من الجنة، قريبٌ من النار.. ولجاهلٌ سخيٌ أحب إلى الله عز وجل من عابدٍ بخيل.. وأدوأ الداء البخل.

كان قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري رحمه الله رجلاً غنياً. وكانت عنده بستانٌ نضرةٌ مشهورة بكثرة نخيلها ووفرة تمورها وجودتها. وفي موسم القطاف قصده ثلاثة رجالٍ فقراء مؤملين أن يعطيهم بعض التمر قوتاً لعيالهم. وحين وصلوا البستان وجدوا قيساً يمشي منحنياً وهو يلتقط حبات التمر اليابسة التي كانت قد سقطت على الأرض، فيمسح عنها التراب ويجمعها في طرف ثوبه. 

فهموا بأن يرجعوا عنه وقالوا: "ما نظن عنده خيراً". ثم كلموه فأعطاهم أضعاف ما كانوا يتوقعونه. فقال واحدٌ منهم: "لقد رأيناك تصنع شيئاً لا يشبه فعالك" (أي أن قيامك بجمع حبات التمر اليابسة الساقطة لا ينسجم مع كرمك وسخائك). فابتسم وقال: إن الذي رأيتم يؤول إلى اجتماع ما ينفع وينمو.  

يتبع في العدد القادم بمشيئة الله




 

 

أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح ©  2009