العدد 148 - 15/5/2009

ـ

ـ

ـ

 

(2)

إعداد: يعقوب محمد إسحاق                رسوم: ضياء حجار

مساوئ البخل

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه:

- يا علي.. كن شجاعاً فإن الله يحب الشجاع.. وكن سخياً فإن الله يحب السخي.. وكن غيوراً فإن الله يحب الغيور.

وقال: السخاء شجرةٌ في الجنة، من أخذ منها بغصنٍ مد به إلى الجنة.

ويروى في الحديث أنه لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبدٍ صالح أبداً.

اشتهر من البخلاء رجلٌ اسمه "أبو عيسى". كان إذا وقع الدرهم في يده نقره بإصبعه ثم يقول له:

- كم من مدينةٍ قد دخلتها، وكم من يدٍ قد وقعت فيها.. فالآن استقر بك القرار واطمأنت بك الدار.

ثم يرمي به في صندوقه فيكون آخر العهد به.

وأطرف منه بخيلٌ آخر اسمه "سليمان بن مزاحم" كان إذا وقع الدرهم في يده يتأمله فيقرأ "لا إله إلا الله" منقوشة عليه، ويقلبه فيقرأ على الوجه الآخر "محمد رسول الله" فيقول له: "ما ينبغي أن تكون إلا معاذةً" (أي تميمةً أو ورقيةً أو حجاباً ضد السحر) ويقذفه في صندوقه.

وذكروا أنه كان بمدينة "الري" (وهي مدينة إسلامية جميلة في شمال إيران، قرب طهران. وكانت من عواصم الإسلام التجارية والثقافية والفنية. فيها ولد هارون الرشيد. وإليها ينسب علماءٌ كثيرون منهم الرازي الطبيب) رجلٌ شحيحٌ اسمه "المسيب" يتولى مهمة جمع الخراج (أي ضرائب الدولة) فكون لنفسه ثروة أغرت أحد الشعراء بأن يقصده ليمتدحه فينال مكافأةً مجزيةً. فأتاه ذلك الشاعر وامتدحه بقصيدةٍ طويلة فلم يعطه شيئاً، ثم سعل سعلةً فضرط، فقال الشاعر:

أتيت المسـيب في حاجـةٍ      فما زال يسـعل حتى ضرط

فقال غلطنا  حساب الخراج      فقلت من الضرط جاء الغلط

وشاع هذان البيتان على ألسنة الناس فظلوا يرددونهما، انتقاماً منهم من شح ذلك الموظف وبخله حتى ترك وظيفته وهرب من غير أن يصدر قرارٌ بعزله.

حكاية نجيحٍ اليربوعي

يحكى أن رجلاً شحيحاً بخيلاً اسمه "نجيح اليربوعي" خرج يوماً يتصيد، فعرض له حمار وحش فتبعه وظل يجري خلفه حتى وصل إلى أكمةٍ (والأكمة هي التل أو الموضع الذي يكون أكثر ارتفاعاً مما حوله)، فإذا هو برجلٍ أعمى قاعدٍ في أطمار (أي ثياب بالية) وبين يديه ذهبٌ وفضةٌ ودرٌ وياقوت. فدنا منه فتناول بعضها فأصابه الذعر إذ تيبست يده ولم يعد يستطيع تحريكها، فرمى ما أخذه فتحركت يده فقال للأعمى:

- يا هذا.. ما هذا الذي بين يديك؟... وكيف يستطاع أخذه؟ وهل هو لك أم لغيرك؟ فإني أعجب مما أرى.. أجوادٌ أنت فتجود لنا أم بخيلٌ فنعذرك؟

فقال الأعمى:

- أنا ناقمٌ على إنسان شرير اسمه "سعد بن خشرم بن شماس" أبحث عنه منذ سنين، فإن أتيتني به أعطك كل هذا.

فانطلق "نجيحٌ" مسرعاً، وقد استطير فؤاده، حتى وصل إلى قومه ودخل خباءه (أي خيمته أو بيته) ووضع رأسه فنام وهو يشعر بالغم لأنه لا يعرف هذا الشخص المطلوب المدعو سعد بن خشرم. فأتاه آتٍ في المنام فقال له: "يا نجيح إن سعد بن خشرم في حي بني محلم". فأفاق من نومه وسأل عن بني محلم فقصدهم وسأل عن خشرم بن شماس فإذا هو بشيخٍ قاعدٍ على باب خبائه، فحياه نجيحٌ فرد عليه السلام. فسأله نجيحٌ: "من أنت؟" قال: "أنا خشرم بن شماس". فقال له: "فأين ولدك سعد؟". قال: "خرج في طلب نجيح اليربوعي. ذلك أن آتياً أتاه في منامه فحدثه أن له مالاً في نواحي بني يربوع لا يعلم مكانه إلا نجيح اليربوعي.

فضرب نجيح فرسه ورجع مسرعاً. فلما دنا من محلته رأى رجلاً مسافراً يركب ناقةً فقال له: "أيها الراكب هل لقيت سعداً في بني يربوع؟".

فأجابه: "أنا سعدٌ فهل تدلني على نجيح؟". قال: "أنا نجيح" وحدثه بالقصة كلها. فقال سعد: "الدال على الخير كفاعله". وهو أول من قالها.

فانطلقا حتى إذا أتيا ذلك المكان، فتوارى الرجل الأعمى عنهما (أي أختبأ) وترك المال فأخذه سعد كله. فقال نجيحٌ: "يا سعد قاسمني". فقال له: "اطو عني وعن مالي كشحاً". (أي اقطع أملك من ذلك). وأبى أن يعطيه شيئاً. فانتضى نجيحٌ سيفه وضربه فقتله. فلما وقع قتيلاً تحول الرجل الأعمى الحافظ للمال إلا سعلاةٍ (أي غولٍ، وهو حيوان خرافي مخيف) فأسرع فأكل جثة سعدٍ. وبقي المال على الأرض. فلما رأى نجيحٌ ذلك ولى هارباً إلى قومه.

وقال شاعرٌ يهجو إنساناً بخيلاً:

يبخـل بالمـاء ولو أنه      منغمسٌ في وسط النيل

شحاً فلا تطمع في خبزه      ولو تشـفعت بجبريـل

وقال شاعرٌ يهجو إنساناً بخيلاً:

أتينـا أبا طاهرٍ مفطرين      إلى داره فرجعنـا صيامـا

وجاء بخبـزٍ  له حامضٍ      فقلت : دعوه وموتوا كراما

وكان "إياس بن معاوية" قاضي البصرة مشهوراً بذكائه. جاءه ذات يوم رجلٌ وشكا إليه كثرة ما يهب ويصل الناس (أي يعطيهم الأموال) وينفق.

فقال القاضي إياس: ينبغي لك أن تفرح بدلاً من أن تشكو. فإن النفقة داعية الرزق (أي جالبةٌ له).

وكانا جالسين قرب باب القاعة. فقال إياس للرجل: "أغلق هذا الباب". فأغلقه.

فسأله: "هل تدخل الريح؟". قال: "لا". قال: "فافتحه". ففتح الرجل الباب فصارت الريح تخترق في القاعة، فقال: "هكذا الرزق. أغلقت فلم تدخل الريح. فكذلك إذا أمسكت لم يأتك الرزق".

محاسن الشجاعة

قيل: كان باليمامة (وهي منطقة واحاتٍ صحراويةٍ في نجد) رجلٌ من بني حنيفة يقال له "جحدر بن ألك" وكان لسناً فاتكاً شاعراً شجاعاً، وكان الناس يشكون من بطشه وجبروته وأعماله في السلب وقطع الطريق. فبلغ الخبر الحجاج بن يوسف والي العراق البطاش المخيف، فكتب إلى وكيله في اليمامة يوبخه بتلاعب جحدر به، ويأمره بملاحقته والقبض عليه.

اختار الوكيل كتيبةً من الرجال الأقوياء الأشداء للقيام بهذه المهمة الصعبة، ووعدهم بأموالٍ كثيرة إن هم قتلوا جحدراً أو أتوه به أسيراً، ووعدهم بأن يوفدهم إلى الحجاج ليضاعف لهم العطايا أيضاً.

خرج أولئك الرجال إلى الصحراء، وبحثوا عن جحدر حتى وجدوه فأوهموه بأنهم جاءوا ليلتحقوا به وليكونوا من أعوانه، فصدقهم، فغدروا به وشدوه بالحبال وجلبوه أسيراً.

فلما قدموا به على الحجاج سأله وهو يشتعل غضباً: أنت جحدر؟

قال: نعم.

قال: ما حملك على ما بلغني عنك؟

قال: جراءة الجنان وجفوة السلطان وكلب الزمان.

فقال الحجاج: إنا قاذفوك في قبةٍ (أي غرفة) فيها أسدٌ، فإن قتلك كفانا مؤونتك. وإن قتلته خليناك (أي أطلقنا سراحك) ووصلناك (أي منحناك مكافأة).

قال: قد أعطيت –أصلحك الله- الأمنية، وأعظمت المنة، وقربت المحنة.

فأمر به فاستوثق منه الحديد، وألقي في السجن. وكتب الحجاج إلى وكيله بكسكر (وهي مدينةٌ قديمة في شمال العراق) يأمره أن يصيد له أسداً ضارياً. فلم يلبث ذلك الوكيل أن بعث إليه بأسدٍ هائلٍ مخيف، فأمر الحجاج بأن يلقى به في حيزٍ ضيق ويجوع ثلاثة أيام. ثم بعث إلى جحدر فأخرج وأعطي سيفاً ودلي على الأسد، فمشى إليه وأنشأ يقول:

ليثٌ ليثٌ في مكانٍ ضنك      كلاهما ذو أنفٍ ومحـكِ

وصولةٍ في بطشه وفتك      إن يكشف الله قناع الشك

الذئب يعوي والغراب يبكي

حتى إذا كان منه على قد رمح تمطى الأسد وزأر وحمل عليه (أي هاجمه) فتلقاه جحدر بالسيف فضرب هامته (أي رأسه) ففلقها.

وسقط الأسد كأنه خيمةٌ قوضتها الريح. فانثنى جحدر وقد تلطخ بدم الأسد فكبر الناس وهللوا. فقال الحجاج:

- يا جحدر.. إن أحببت ألحقك ببلادك وأحسن صحبتك وجائزتك فعلت ذلك.. وإن أحببت أن تقيم عندنا أقمت فنكرم منزلتك.

قال: أختار صحبة الأمير.

ضده

يقال: "هو أجبن من المنزوف ضرطاً". وحكايته أن نسوةً من العرب لم يكن لهن رجلٌ. فتزوجت واحدةٌ منهن برجلٍ كسول كان ينام إلى الضحى، فلا يفيق إلا إذا ضربته زوجته فيقول غاضباً معاتباً "لو لعاديةٍ نبهتني". أي ليتك أيقظتني لأتصدى لخيولٍ عاديةٍ مغيرةٍ عليكن، فأدفعها عنكن. فلما رأين ذلك فرحن وقلن: "إن صاحبنا لشجاع".

ثم اجتمعن وقلن: "تعالين نجربه".

فأتينه وهو نائم في الضحى، فأيقظته زوجته فقال متأففاً: "لو لعاديةٍ نبهتني" فقالت له: "نواصي الخيل معك" (أي أن الخيول المغيرين علينا قد وصلت) فانقلب يرتجف ويقول مذعوراً: "الخيل.. الخيل" ويضرط حتى مات... فضرب به المثل.

محاسن الدهاء والحيل

عندما وقعت فتنة الخلاف على رئاسة الدولة، بين معاوية بن أبي سفيان وعلي بن أبي طالب، ظهرت في المجتمع الإسلامي فرقةٌ ثالثةٌ من المتشددين، سمو أنفسهم "الخوارج"، ونشروا الذعر في كل مكانٍ وصلوا إليه لشدة تصلبهم. وبرز منهم شبيب بن يزيد الخارجي الذي لقب نفسه بلقب أمير المؤمنين.

ذكروا أن شبيب بن يزيد مر بغلامٍ كان يسبح في نهر الفرات، فقال له: "يا غلام اخرج إلي" فعرفه الغلام وأدرك أنه سيقتله لا محالة، فقال له: "إني خائفٌ منك. أفآمن أنا إذا خرجت حتى ألبس ثيابي؟". أجابه سعد: "نعم". وهذا عهدٌ منه. ومن المعروف عن الخوارج أنهم لا ينكثون بوعودهم.

فخرج الغلام من النهر وقال له: "والله لا ألبس ثيابي اليوم".

فضحك شبيب وقال: "خدعتني ورب الكعبة". وتركه ومضى.

وكان رجلٌ من الخوارج يقول متباهياً:

فمنا يزيدٌ والبطين وقعنبٌ      ومنا أمير المؤمنين شبيب

فانتشر هذا البيت حتى وصل إلى الخليفة عبد الملك بن مروان في دمشق، فأمر بطلب قائله فأتي به، فلما وقف بين يديه قال: أأنت القائل: ومنا أميرُ المؤمنين شبيب؟

قال الرجل: أنا لم أقل هكذا يا أمير المؤمنين، وإنما قلت: ومنا أميرَ المؤمنين شبيبُ. (أي ومنا شبيبٌ يا أميرَ المؤمنين) فضحك عبد الملك وأمر بتخلية سبيله، فتخلص بدهائه وفطنته لإزالة الإعراب من الرفع إلى النصب.

ضده

اختصم فريقٌ من بين الطفاوة مع فريقٍ من بني راسب على رجلٍ، كل فريقٍ يدَعي أن هذا الرجل منهم وينتسب إليهم. وحين اشتد الخلاف قرر الفريقان أن يحتكما إلى أول طالع يطلع عليهم من الطريق، ويرضيا بحكمه. فطلع عليهم رجلٌ فاستوقفوه وقصوا عليه القصة وطلبوا حكمه ورأيه فقال:

- إن الأمر لبسيطٌ جداً.. اذهبوا بهذا الرجل إلى النهر، فألقوه فيه، فإن رسب فهو من بني راسب، وإن طفا فهو من بني الطفاوة.

فقال الرجل: لا أريدُ أن أكون من أحد هذين الحيين, ولا أعتقد أن هناك من هو أشد حماقةً من هذا الحكم الأبله.

محاسن الوفاء

قيل: "أوفى من فكيهة".

وفكيهة امرأةٌ من قبيلة قيس بن ثعلبة، كان من وفائها أن لصاً اسمه "السليك بن سلكة" أراد أن يغزو قبيلةً غفلةً ليسرق منها ما يستطيع سرقته. وقد علم رجال القبيلة بذلك فكمنوا له منتظرين، حتى إذا جاء برزوا له ولاحقوه يريدون الإمساك به.. فركض هارباً حتى دخل بيتاً فيه هذه المرأة فكيهة، فاستجار بها، فأجارته، فوصل الملاحقون وطلبوه منها فأبت، فنزعوا خمارها عن وجهها فصرخت مستغيثة ونادت إخوتها فجاءوا عشرةً غاضبين وطردوا أولئك الملاحقين. ونجا السليك، وقال:

لعمرو أبيـك والأبنـاء تنمي      لنعم الجـار أخت بنـي عوارا

من الخفرات  لم تفضح أخاها      ولـم ترفـع لوالدهـا شـنارا

عنيت بهـا فكيهة حين قامت      لنصل السيف فانتزعوا الخمارا

ضده

دخل رجلٌ على سليمان بن عبد الملك (الخليفة الأموي في دمشق) فقال: "يا أمير المؤمنين عندي نصيحةٌ". قال: "وما نصيحتك هذه؟". قال: فلانٌ كان عاملاً (أي والياً) لمن سبقك من الخلفاء، فخانهم وأخذ لنفسه أموالاً كثيرةً جليلة. فمُر باستخراجها منه.

فقال له سليمان ممتعضاً: أنت شرٌ منه وأخون، حيث اطلعت على أمره وأظهرته.

وطرده شر طردة، وأمر بالتحقيق بأمر ذلك الوالي المختلس.

حكوا أن رجلاً من قريشٍ قال لخالد بن صفوان: "ما اسمك؟". قال: خالد بن صفوان بن الأهتم.

قال: إن اسمك لكذبٌ. فما أنت بخالد. وإن أباك لصفوان وهو حجر. وإن جدك لأهتم أي أسنانه محطمة.

فسأله خالد: من أي قريش أنت؟

قال: من عبد الدار بن قصي بن كلاب.

قال: لقد هشمتك هاشم، وأمتك أمية، وجمحت بك جمح، وخزمتك مخزوم، وأقصتك قصي، فجعلتك عبد دارها، تفتح إذا دخلوا وتغلق إذا خرجوا.

النهاية




 

 

أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح ©  2009