العدد 149 - 1/6/2009

ـ

ـ

ـ

 

إعداد: شريف الراس                     رسوم: محمد شوقي

هذا الكتاب.. ومؤلفه

كل الناس يحبون المتنزهات، وهي الحدائق العامة الواسعة المليئة بأحواض الأزهار الجميلة، والأشجار الخضراء الظليلة، والنسائم العطرية، وتغريد الطيور.

غير أن العرب كانوا يسمون هذه المتنزهات بـ "متنزهات العيون والحواس"، وكانوا –على حبهم لها وتفننهم في إبداعها- يفضلون عليها متنزهاتٍ من نوعٍ آخر، هي أكثر جمالاً وإنعاشاً للروح، ألا وهي متنزهات القلوب والعقول والأفكار، يعنون بذلك الكتب البديعة الثمينة.

وكان العرب يقولون إن أجمل الكتب التي يمكن أن تعد متنزهات للروح والقلب والفكر هي أربعة كتب، في مقدمتها كتاب "عيون الأخبار" الذي ألفه ابن قتيبة.

فمن هو هذا الكتاب المبدع الكبير؟

هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة. ولد في بغداد سنة 213هـ- 828م أي عندما كانت بغداد، (وهي عاصمة الدولة الإسلامية الواسعة العظيمة) في أوج الازدهار الثقافي والتألق الحضاري والتقدم العلمي والفني. فكانت تعج بالشعراء الكبار والأدباء المبدعين، كالكاتب الكبير والشهير "الجاحظ"، وعلماء الدين والفقه والتاريخ وعلماء النحو واللغة وعلماء الحديث النبوي الشريف.

في ذلك المناخ الثقافي الرائع نشأ الفتى عبد الله ودرس وتعلم واجتهد وأصغى وجمع حتى إذا ما شب وأصبح رجلاً من الكتاب الأدباء الذين يعدون في الطليعة وينظر إليهم بالإجلال والاحترام والتقدير الذي يستحقه الشخص العظيم. واحتفى به الخلفاء والوزراء وقربوه إليهم، ووظفوه بأعلى الوظائف، وأغدقوا عليه النعم والأموال، مما مكنه من أن يستثمر جل وقته في تأليف الكتب التي –من حسن الحظ- أن معظمها باقٍ إلى أيامنا وموجودٌ ومطبوع، وهي كتبٌ كثيرةٌ وثمينة يعد كل منها مرجعاً مهماً للدارسين.

ولأن ابن قتيبة كان يكتب بأسلوب سهل واضح وجميل، ولأن مواضيع كتبه كانت تتناول مختلف ألوان المعرفة التي يحتاج إليها الإنسان الراغب بالثقافة، فقد ذاعت شهرته وانتشر صيته في الآفاق حتى أن أهل بلاد المغرب كانوا يتهمون من لم يكن في بيته شيءٌ من تآليف ابن قتيبة فلا خير فيه.

على أن أشهر كتب ابن قتيبة جميعاً كتابان (1) أدب الكاتب، و(2) عيون الأخبار، الذي نعرض في الصفحات التالية نماذج مختارةً مما ورد فيه.

في سنة 276هـ -889م توفي ابن قتيبة، عن 63 عاماً. عليه رحمة الله.

حكاية بطلٍ حقيقيٍ

نحن نعرف أسماء الخلفاء الأمويين المشاهير: الوليد بن عبد الملك، وأخيه هشام بن عبد الملك، وأخيهما سليمان بن عبد الملك، ولكننا لا نعرف شيئاً عن أخ رابع لهم كان قائداً عسكرياً من أشجع وأذكى قادة جيوش المسلمين في ذلك الزمن، اسمه "مسلمة بن عبد الملك".

ذات يوم قال الخليفة هشام لأخيه مسلمة:

- يا أبا سعيد.. هل دخلك ذعرٌ قط لحربٍ أو عدو؟

قال: ما سلمت في ذلك من ذعرٍ ينبه علي حيلةً، ولم يغشني فيها ذعرٌ سلبني رأيي. أي إنني أعترف بأنني كنت أصاب بالذعر أحياناً، ولكنه ذعرٌ يفتح في ذهني حلاً ومخرجاً من المأزق، ولم أصب أبداً بذعر يجعلني أفقد رشدي.

قال هشام: هذه البسالة.

إن ابن قتيبة الذي أورد هذه الحكاية في باب "أخبار الشجعاء والفرسان" يخبرنا أن ذلك القائد العسكري الباسل كان كلما انتهى من صلاةٍ يتوجه إلى الله تعالى بهذا الدعاء: "اللهم اجعلني مع صاحب النقب".

فما هي حكاية صاحب النقب؟

حاصر مسلمة حصناً منيعاً فندب الناس إلى نقبٍ فيه، فما دخله أحدٌ. أي عثر على نقبٍ في سور ذلك الحصن المنيع، فاستثار نخوة رجاله طالباً من يتطوع للتسلل داخل ذلك النقب فلم يجرؤ منهم أحدٌ على ذلك. فجاء رجلٌ من عرض الجيش، أي مجهول، فدخله ففتحه الله عليهم.

فنادى مسلمة: "أين صاحب النقب؟" فما جاءه أحدٌ.

فنادى: "إني أمرت الآذن بإدخاله علي ساعة يأتي، فعزمت عليه إلا جاء". أي ناشدته الله أن يأتيني.

فجاء رجلٌ فقال للآذن: "استأذن لي على الأمير".

فسأله الآذن: أنت صاحب النقب؟

قال: أنا أخبركم عنه.

فأتى مسلمة فأخبره عنه، فأذن له، فقال له: "إن صاحب النقب يأخذ عليكم ثلاثاً، أي يطلب منكم أن تعدوه ثلاثة وعود، أن لا تسودوا أي تكتبوا اسمه في صحيفةٍ إلى الخليفة، ولا تأمروا له بشيءٍ، ولا تسألوه ممن هو.

قال مسلمة: فذاك لك.

قال الرجل: أنا هو.

فكان مسلمة لا يصلي بعدها صلاة إلا قال: "اللهم اجعلني مع صاحب النقب".

امتحان في الذكاء

وفي الفصل المخصص لحكايات "الذكاء" يورد ابن قتيبة هذه الحكاية الجميلة:

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال:

كتب قيصر ملك الروم إلى معاوية خليفة المسلمين: سلامٌ عليك. أما بعد فأنبئني بأحب كلمةٍ إلى الله، وثانيةٍ، وثالثةٍ، ورابعةٍ، وخامسةٍ.

ومن أكرم عباده إليه وأكرم إمائه؟

وعن أربعة أشياء فيهن الروح ولم يرتكضن في رحم، أي لم يولدوا ولادةً.

وعن قبرٍ يسير بصاحبه.

ومكان في الأرض لم تصبه الشمس إلا مرةً واحدة.

فلما قرأ معاوية كتابه قال: "اللهم العنه. ما أدري ما هذا". فأرسل إلي يسألني، فقلت:

أما أحب كلمةٍ إلى الله فـ "لا إله إلا الله" لا يقبل عملاً إلا بها وهي المنجية، والثانية "سبحان الله" وهي صلاة الخلق، والثالثة "الحمد لله" كلمة الشكر، والرابعة "الله أكبر" فواتح الصلوات والركوع والسجود، والخامسة "لا حول ولا قوة إلا بالله".

وأما أكرم عباد الله إليه فآدم، خلقه بيده وعلمه الأسماء كلها. وأكرم إمائه عليه مريم التي أحصنت فرجها.

والأربعة التي فيهن روحٌ ولم يرتكضن في رحم فآدم وحواء وعصا موسى والكبش، أي الكبش الذي افتدى الله به إسماعيل عليه السلام.

وأما الموضع الذي لم تصبه الشمس إلا مرةً واحدة فهو البحر حين انفلق لموسى وبني إسرائيل.

وأما القبر الذي سار بصاحبه فبطن الحوت الذي كان فيه يونس.

حمار لا مثيل له

وكتاب "عيون الأخبار" الثمين والجميل، لا يغفل أخبار الحيوانات، بل يخصص فصلاً لسرد أخبار الخيول والبغال والحمير، نقرأ فيه حكايةً طريفةً عن حادثةٍ وقعت في سوق الحمير بمدينةٍ كان يتولى القضاء فيها قاضٍ فاضل اسمه "زياد" مشهورٍ بعلمه وأدبه وصلاحه.

أتى رجلٌ إلى بائع دواب وقال له:

اطلب لي حماراً ليس بالكبير المشتهر ولا القصير المحتقر. ولا يقدم تقحماً ولا يحجم تبلداً. يتجنب بي الزحام والرجام (جمع "رجم" وهي كومة الحجارة) والإكام (جمع أكمه أي تلة)، يكون خفيف اللجام، إذا ركبته هام وإذا ركبه غيري قام. إن علفته شكر، وإن أجعته صبر.

فقال له البائع: إن مسخ الله القاضي زياداً حماراً، رجوت أن أصيب لك حاجتك إن شاء الله.

كلٌ يأكل ما صاده

ومن الأخبار الطريفة التي يوردها ابن قتيبة هذه الواقعة التي جرت للخليفة العباسي المهدي، حين خرج من بغداد في نزهةٍ للصيد، وقد اصطحب معه علي بن سليمان، وهو والي العباسيين في اليمن، وكان معهما الشاعر أبو دلامة وهو شاعرٌ مرحٌ ظريف.

وعندما صاروا في البادية سنحت لهم ظباءٌ، فرمى المهدي ظبياً فأصابه. ورمى علي بن سليمان كلباً فعقره. فضحك المهدي وقال لأبي دلامة: "قل في هذا" فقال:

ورمى المهدي ظبياً شك بالسهم فؤاده

وعلي بن سليمان رمى كلبـاً فصاده

فهنيئاً لهما.. كـل امرئٍ يأكـل زاده

وصية جميلة لفتىً مسافرٍ

في الفصل الخاص بـ "السفر" يعرض ابن قتيبة نص هذه النصيحة الجميلة التي وجهها "لقمان الحكيم" لابنه.

قال: يا بني: إذا سافرت فلا تنم على دابتك. فإذا نزلت أرضاً مكلئةً (أي فيها كلأ، وهو ما تأكله الدواب من أعشاب خضراء أو يابسة) فأعط دابتك حظها من الكلأ، وابدأ بعلفها وسقيها قبل نفسك.

وإذا بعدت عليك المنازل (أي إذا كانت مسافة سفرك طويلةً) فعليك بالدلج (أي السفر في الليل) فإن الأرض تطوى بالليل (أي أنك لا تشعر بطول المسافة).

وإذا أردت النزول (للاستراحة والنوم) فلا تنزل على قارعة الطريق، فإنها مأوى الحيات والسباع. ولكن عليك من بقاع الأرض بأحسنها لوناً وألينها تربةً وأكثرها كلأ فانزلها.

وإذا نزلت فصل ركعتين قبل أن تجلس، وقل: (رب أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين)."سورة المؤمنون آية 29"

وإذا أردت قضاء حاجة فأبعد المذهب في الأرض وعليك بالسترة.

وإذا ارتحلت من منزلٍ فصل ركعتين، وودع الأرض التي ارتحلت عنها، وسلم عليها وعلى أهلها، فإن لكل بقعةٍ من الأرض أهلا من الملائكة.

وإذا مررت ببقعةٍ من الأرض، أو وادٍ أو جبل فأكثر من ذكر الله، فإن الجبال والبقاع ينادي بعضها بعضاً: "هل مر بكن اليوم ذاكر الله؟"

وإن استطعت أن لا تطعم (أي تأكل) طعاماً حتى تتصدق منه فافعل.  

وعليك بذكر الله جل وعز ما دمت راكباً، وبالتسبيح ما دمت صائماً، وبالدعاء ما دمت خالياً.

وإياك ورفع الصوت في سيرك إلا بذكر الله.

وسافر بسيفك وقوسك وجميع سلاحك، وخفك وعمامتك وإبرتك وخيوطك. وتزود معك الأدوية تنتفع بها، وتنفع من صحبك من المرضى.

وكن لأصحابك موافقاً في كل شيءٍ، يقربك إلى الله ويباعدك من معصيته. وأكثر التبسم في وجوههم، وكن كريماً على زادك بينهم، وإذا دعوك فأجبهم، وإذا استعانوك فأعنهم، وإذا استشهدوك على الحق فاشهد لهم. وإذا رأيتهم يمشون فامش معهم، أو يعملون فاعمل معهم، وإن تصدقوا أو أعطوا فأعط. واسمع لمن هو أكبر منك.

وإن تحيرتم في طريقٍ فانزلوا (أي توقفوا) وإن شككتم في القصد (أي إن جهلتم الجهة التي تبغون السير إليها) فتثبتوا وتآمروا (أي تشاوروا في الأمر.) وإن رأيتم خيالاً واحداً فلا تسألوه عن طريقكم، فإن الشخص الواحد في الفلاة هو الذي حيركم. وإن العاقل إذا أبصر شيئاً بعينيه عرف الحق بقلبه.

حكاية عصاً مدهشةٍ

وفي الفصل الخاص بـ "السفر" يورد لنا ابن قتيبة الحكاية الطريفة التالية:

قال الشرقي بن القطامي (وهو عالمٌ أديبٌ من أهل الكوفة استقدمه الخليفة المنصور إلى بغداد ليعلم ولده المهدي. توفي سنة 155هـ -772م):

خرجت من الموصل أريد مدينة الرقة، فصحبني فتىً من أهل الجزيرة (وهي منطقة السهول المحصورة بين نهر دجلة ونهر الفرات في شمال سورية) وذكر أنه من ولد عمرو بن كلثوم (أحد ملوك العرب في تلك المنطقة ذاتها قبيل الإسلام) ومعه مزودٌ وركوةٌ وعصا (أي معه صرة زاد طعاماً للسفر، وإناءٌ صغيرٌ من جلد يحفظ فيه الماء، وعصا).

ورأيته لا يفارق تلك العصا مشاةً كنا أو ركباناً، وهو يقول: "إن الله جعل جماع أمر موسى وأعاجيبه وبراهينه ومآربه في عصاه". ويكثر من هذا وأنا أضحك متهاوناً بما يقول.

فتخلف المكاري (وهو مؤجر الدواب وسائقها) فكان حمار الفتى إذا وقف أكرهه بالعصا، ويقف حماري ولا شيء في يدي، فيسبقني إلى المنزل فيستريح ويريح، ولا أقدر على البراح (أي لا أتحرك من مكاني) حتى يوافيني المكاري (فيسوق حماري بعصاه) فقلت: هذه واحدة.

ثم خرجنا من غدٍ مشاةً فكان إذا أعيا (أي تعب من المشي) توكأ على العصا. فقلت: وهذه أخرى.

فلما كان اليوم الثالث هجمت علينا حيةٌ منكرةٌ فسارت إلينا، فأسلمته إليها وهربت عنها، فضربها بالعصا حتى قتلها، فقلت: هذه ثالثةٌ، وهي أعظمهن.

وخرجنا في اليوم الرابع وبنا قرمٌ إلى اللحم (أي شهوة شديدة لأكل اللحم) فاعترضتنا أرنبٌ فحدفها بالعصا (أي رماها بالعصا) وأدركنا ذكاتها (أي وصلنا إليها وهي ما تزال حيةً فذبحناها) فقلت: هذه رابعة.

فأقبلت عليه فقلت: "لو أن عندنا ناراًً ما أخرت أكلها إلى المنزل". فأخرج عويداً من مزوده ثم حكه بالعصا فأورت (أي اشتعلت) ثم جمع ما قدر عليه من الغثاء والحشيش وأوقد ناراً وألقى الأرنب في جوفها، فأخرجناها وقد لزق بها من الرماد والتراب ما بغضها إلي، فعلقها بيده اليسرى ثم ضرب جنوبها بالعصا ضرباً رقيقاً حتى انتثر كل شيءٍ عليها فأكلنا وسكن القرم وطابت النفس. فقلت: هذه خامسة.  

ثم نزلنا بعض الخانات وإذا البيوت ملآنةٌ روثاً وتراباً، فلم نجد موضعاً نظل فيه، فنظر إلى حديدةٍ مطروحةٍ في الدار فأخذها فجعل العصا نصاباً لها (أي جعل الحديدة مرجفةً والعصا يدها) ثم قام فجرف جميع ذلك الروث والتراب وجرد الأرض، حتى أظهر بياضها وطابت ريحها. فقلت: وهذه سادسة.

ثم نزع العصا من الحديدة فأوتدها في الحائط (أي غرسها كالوتد في الحائط) وعلق عليها ثيابه وثيابي. فقلت: هذه سابعة.

فابتسم وهو يقول لي: لو حدثتك عن مناقب العصا ليلةً إلى الصباح ما استنفدتها.

يتبع في العدد القادم بإذن الله




 

 

أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح ©  2009