العدد 150 - 15/6/2009

ـ

ـ

ـ

 

(2)

إعداد: شريف الراس                     رسوم: محمد شوقي

 

حكاية شيخ رائع

في زمن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، كان يحكم منطقة نجد والٍ فاضلٌ اسمه المهاجر بن عبد الله. كان والياً عادلاً، تقياً ورعاً، جميل الصورة والأفعال. وذات يوم جلب له رجال الشرطة أعرابياً كان مشهوراً بارتكاب جرائم السرقة.

فقال له الوالي الفاضل:

أخبرني عن بعض عجائبك.

قال: إنها لكثيرةٌ، ومن أعجبها أنه كان لي بعيرٌ لا يسبق، وكانت لي خيلٌ لا تلحق، فكنت لا أخرج فأرجع خائباً (أي لا أقوم بعملية سرقةٍ أو نهبٍ إلا وأنجح بها).

فخرجت يوماً إلى الصحراء لأقوم بعمل سرقةٍ فاحترشت ضباًِ، أي وجدت ضباً فاصطدته (والضب حيوانٌ صحراوي يشبه الجرذون الكبير، يؤكل) فعلقته على قتبي، أي علقته بسرج ناقتي. ثم مررت بخباءٍ سري (أي بيت وحيد معزول في الصحراء) ليس فيه إلا امرأةٌ عجوز، فقلت: "أخلق بهذا الخباء أن يكون له رائحةٌ من غنمٍ وإبل). أي لا بد أن يكون لأصحاب هذا البيت أغنامٌ وجمال.

فبقيت أنتظر. فلما أمسيت فإذا بإبل مئة، فيها شيخٌ عظيم البطن مشدن اللحم، أي سمينٌ مترهلٌ، (شدن لحم فلان: كثر وثقل واسترخى) ومعه عبدٌ أسود. فلما رآني رحب بي ثم قام إلى ناقةٍ فاحتلبها وناولني العلبة فشربت ما يشرب الرجل، فتناول الباقي فضرب به جبهته، (أي شربه كله حتى قرع طرف الإناء جبهته) ثم احتلب تسع أينقٍ فشرب ألبهانهن، ثم نحر حواراً، أي ذبح جملاً صغيراً، فطبخه، ثم ألقى عظامه بيضاً، أي أكل لحمه حتى لم يبق على عظامه شيئاً، وحثا كومة من بطحاء وتوسدها، أي جمع كومةً من التراب واتخذها وسادةً لرأسه ونام، وغط غطيط البكر (والبكر هو الفتي من الإبل).

فقلت: "هذه والله الغنيمة". أي فقلت في نفسي: هذه فرصةٌ ممتازةٌ لأن أسرق وأغنم. ثم قمت إلى فحل إبله، أي أكبر جمل عنده، فخطمته أي جعلت الخطام على أنفه (والخطام: هو الزمام الذي يوضع على أنف البعير ليقاد به) ثم قرنته إلى بعيري وصحت به فاتبعني الفحل وتبعته الإبل مقتديةً به. فصارت خلفي كأنها حبلٌ ممدود، فمضيت أبادر ثنيةً، أي توجهت نحو منطقة معينة، بيني وبينها مسيرة ليلةٍ للمسرع. فلم أزل أضرب بعيري بيدي مرةً وأقرعه برجلي أخرى حتى طلع الفجر.

فأبصرت الثنية فإذا عليها سوادٌ. فلما دنوت إذا أنا بالشيخ قاعداً وقوسه في حجره. فقال: "أضيفنا"؟. قلت: "نعم". قال: "أتسخو نفسك عن هذه الإبل؟". أي هلا تركت لي إبلي هذه وانصرفت؟... قلت: "لا".

فأخرج سهماً كأن نصله لسان كلب ثم قال: "أبصر بين أذني الضب". ثم رماه فصدع عظمه عن دماغه. أي أن ذلك الشيخ المترهل ماهرٌ في الرماية بحيث أن سهمه أصاب رأس الضب المتدلي من قتب بعير الأعرابي.

ثم قال: "ما تقول؟". قلت: "أنا على رأيي الأول". قال: "انظر هذا السهم الثاني في فقرة ظهره الوسطى". ثم رمى به فكأنما قدره بيده ثم وضعه بإصبعه.

ثم قال: "أرأيت؟". قلت: "إني أحب أن استثبت". قال: "انظر هذا السهم الثالث في عكوة ذنبه، أي في أصل ذنبه، والرابع –والله- في بطنك". ثم رماه فلم يخطئ العكوة. فقلت: "أأنزل آمناً؟" قال: "نعم".

فنزلت فدفعت إليه خطام فحله، وقلت: "هذه إبلك لم يذهب منها وبرةٌ". وأنا أنتظر متى يرميني بسهم ينتظم به قلبي. فلما تنحيت قال لي: "أقبل". فأقبلت والله خوفاً من شره لا طمعاً في خيره، فقال: "يا هذا.. ما أحسبك جشمت الليلة ما جشمت إلا من حاجةٍ". أي لا أظنك فعلت ما فعلته الليلة إلا بسبب فقرك. قلت: "أجل". قال: فأقرن من هذه الإبل بعيرين وامض لطيتك. أي خذ جملين وانصرف لحاجتك ومبتغاك.

فقلت: "أما والله لا أفعل هذا حتى أخبرك عن نفسك قبلاً". ثم قلت: "والله ما رأيت أعرابياً قط أشد ضرساً ولا أعدى رجلاً ولا أرمى يداً ولا أكرم عفواً ولا أسخى نفساً منك".

قارع الطبل

وفي الفصل الخاص بـ "أخبار الشجعاء والفرسان" نقرأ الحكاية الجميلة التالية:

بعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الأحنف بن قيس على جيشٍ قبل خراسان (أي بعض جيشاً لفتح خراسان بقيادة الأحنف). فبيتّهم العدو ليلاً وفرقوا جيوشهم أربع فرق (أي أن الفرس لم يلاقوا جيش المسلمين، بل جعلوهم ينتظرون طول الليل، ونظموا صفوفهم بأن جعلوا مقاتليهم في أربع فرق).. وفي الصباح أقبلوا ومعهم الطبل، ففزع الناس. وكان أول من ركب الأحنف، فأخذ سيفه وتقلده، ثم مضى نحو الصوت (أي نحو قارع الطبل) وهو يقول:

إن على كل رئيس حقا      أن يخضب الصعدة أو تندقا

(أي أن على القائد أن تتلون قناة رمحه (وهي الصعدة) بدم الأعداء، أو أن تندق أي تنكسر).

ثم حمل على صاحب الطبل فقتله. فلما فقد أصحاب الطبل الصوت انهزموا. ثم حمل الأحنف على الكردوس الآخر (والكردوس هو الكتيبة من الفرسان على خيولهم) ففعل مثل ذلك وهو وحده. ثم جاء الناس وقد انهزم العدو فاتبعوهم يقتلونهم، ثم مضوا حتى فتحوا مدينةً يقال لها "مرو الروذ" وهي مدينةٌ مشهورةٌ في بلاد خراسان تقع على نهرٍ عظيم.

وأما هذا البطل العظيم "الأحنف بن قيس" فهو سيد بني تميم، وأحد الحكماء الدهاة العظماء الشجعان الفاتحين. كان العرب في الجاهلية يضربون به المثل في الحلم والرصانة والتأني وسعة الصدر، فيقولون: "فلان في حلم أحنف". أدرك النبي –صلى الله عليه وسلم- ولم يره.

وفد على عمر بن الخطاب، وشهد معارك الفتوح العظيمة في خراسان، توفي سنة 72هـ-691م.

كتاب الطعام

ويخصص ابن قتيبة مئة صفحة من كتابه الضخم الثمين للحديث عن المآكل والأطعمة، وما ورد حولها من أحاديث وأقوالٍ وقصص، وعن أنواع المآكل وآداب الطعام، ويفرد لكل ذلك باباً خاصاً يسميه "كتاب الطعام" نقدم في ما يلي عناوين فصوله:

صنوف الأطعمة *من أخبار العرب في مآكلهم ومشاربهم* آداب الأكل والطعام* الجوع والصوم* أخبار الأكلة* باب الضيافة وأخبار البخلاء على الطعام* باب القدور والجفان* سياسة الأبدان بما يصلحها من الطعام وغيره *باب الحمية* باب شراب الدواء* الحدث والحقنة والتخمة* باب القيء* النكهة* باب المياه والأشربة* *باب اللحمات وما شاكلها* مضار الأطعمة ومنافعها *البصل والثوم *الكراث* الكرنب والقنبيط* السلجم والفجل* الباذنجان* الخيار والقثاء* السلق *الهليون *القرع* البقول *باب الحبوب والبزور *باب الفاكهة *باب مصالح الطعام.

حكاية رجل جائع جداً

ومن الحكايات الكثيرة التي يوردها ابن قتيبة في "كتاب الطعام" هذه الحكاية عن رجلين من جيل التابعين، أي الجيل الذي تبع جيل الصحابة رضي الله عنهم، أحدهما اسمه "زياد" والثاني اسمه "غيلان".

قال زيادٌ لغيلان بن خرشة: أحب أن تحدثني عن العرب وجهدها وضنك عيشها (في زمن الجاهلية) لنحمد الله على النعمة التي أصبحنا بها (في زمن الإسلام).

فقال غيلان: حدثني عمي قال: توالت على العرب سنون تسعٌ في الجاهلية حطمت كل شيء (من القحط والجوع)، فخرجت على بكرة لي في العرب (أي ركبت ناقةً لي وخرجت إلى البادية بحثاً عن طعام)، فمكثت سبعاً (أي سبعة أيام) لا أطعم شيئاً إلا ما ينال منه بعيري أو من حشرات الأرض، حتى دفعت في اليوم السابع إلى حواءٍ عظيم (أي وصلت إلى مجموعة من بيوت الشعر) فإذا بيتٌ قد جحش عن الحي (أي خيمةٌ بدويةٌ مفردة معزولة عن بقية البيوت) فملت إليه فخرجت إلي امرأة طوالةٌ حسانة، (أي طويلة حسناء) فقالت: من؟.. قلت: طارق ليل يلتمس القرى (أي زائرٌ في الليل يتمنى أن يحصل على طعامٍ وضيافة) فقالت: لو كان عندنا شيءٌ لآثرناك به، والدال على الخير كفاعله، حس هذه البيوت (أي اذهب إلى تلك البيوت) ثم انظر إلى أعظمها فإن يك في شيءٍ منها خيرٌ ففيه.

قال ذلك العم الجائع:

ففعلت حتى دفعت إليه (أي ذهبت إلى أكبر خيمةٍ بين تلك البيوت) فرحب بي صاحبه وقال: من؟.. قلت: طارق ليل يلتمس القرى. فالتفت الرجل إلى أحد غلمانه وقال: يا غلام هل عندك طعام؟. فقال: لا، فقال ذلك العم الجائع: فو الله ما وقر في إذني شيءٌ كان أشد منه.(أي أن هذه الـ "لا" نزلت في أذنه كأنها طعنةٌ شديدة الإيلام). فسأل صاحب البيت غلامه: هل عندك شراب؟. قال: لا.. ولكننا قد بقينا في ضرع تلك الناقة شيئاً لطارق إذا طرقك (أي أبقينا في ثدي تلك الناقة قليلاً من الحليب لم نحلبه لكي تقدمه لضيفٍ قد يزورك في الليل). قال الرجل: فأت به.

قال ذلك العم الجائع:

فذهب الغلام إلى الناقة، وراح يحلبها في علبةٍ خشبيةٍ. ولقد اشتركت بعد ذلك في جيوش الفتح الإسلامي وشهدت الانتصارات في معارك عديدة فما شعرت ببهجةٍ وفرح وسرورٍ مثلما شعرت عندما سمعت صوت شخب حليب تلك الناقة في العلبة. حتى إذا ملأ الغلام العلبة حليباً وفاضت من جوانبها وارتفعت عليها رغوة بيضاء أقبل بها يهوي نحوي، فعثر بعود أو حجرٍ، فسقطت العلبة من يده، فو الله لو أنني أصبت أبي وأمي وولدي وأهل بيتي فما أصبت بمصيبةٍ أعظم من ذهاب العلبة. فلما رأى ذلك رب البيت خرج إلى إبله واختار منها أعظمها سناماً (أي أسمنها) فذبحه وقال لي: يا عبد الله اصطل واحتمل. (أي أشعل ناراً وانتظر واصبر).

ثم جلب لي الرجل كميات من اللحم، فجعلت أهوي بالبضعة (أي القطعة) إلى النار فإدا بلغت أناها (أي إذا نضجت بالشواء) أكلتها، ثم مسحت يدي من إهالتها (أي دسمها) على جلدي اليابس المتغضن، ثم شربت شربة ماءٍ وخررت مغشياً علي حتى أفقت إلى السحر.

كتاب الإخوة

وعن محاسن الصداقة يعرض ابن قتيبة فصلاً خاصاً طويلاً تحت عنوان "كتاب الإخوان" يقول فيه:

قال داود النبي عليه السلام لابنه سليمان عليه السلام " يا بني، لا تستبدلن بأخٍ قديم أخاً مستفاداً ما استقام لك، ولا تستقلن أن يكون لك عدوٌ واحدٌ، ولا تستكثرن أن يكون لك ألف صديق".

وكان يقال: أعجز الناس من فرط في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم.

وفي الحديث المرفوع: "المرء كثيرٌ بأخيه". وأنشد ابن الأعرابي:

لعمرك ما مال الفتى بذخيرةٍ      ولكن إخوان الثقات الذخائر

وكان يقال: الرجل بلا إخوانٍ كاليمين بلا شمال.

وقال شاعر:

أخاك أخـاك إن من لا أخـا له      كساعٍ إلى الهيجا بغير سـلاح

وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه      وهل ينهض البازي بغير جناح

وقال الخليفة المأمون: الإخوان ثلاث طبقاتٍ، طبقةٌ كالغذاء لا يستغنى عنه، وطبقةٌ كالدواء لا يحتاج إليه إلا أحياناً، وطبقة كالداء لا يحتاج إليه أبداً.

وقال الحسن بن علي رضي الله عنهما: من أدام الاختلاف إلى المسجد (أي من واظب على الصلاة في المسجد) أصاب ثماني خصال: آيةً محكمةً، وأخاً مستفاداً، وعلماً مستطرفاً، ورحمةً منتظرةً، وكلمةً تدله على هدى أو تردعه عن ردى، وترك الذنوب حياءً أو خشيةً.

وقال رجلٌ حكيم لابنه ناصحاً:

يا بني، إذا نزغتك إلى صحبة الرجال حاجةٌ، فاصحب منهم من إن صحبته زانك، وإن خدمته صانك، وإن أصابتك خصاصةٌُ مانك؛ وإن قلت صدق قولك، وإن صلت شد صولك، وإن مددت يدك بفضلٍ مدها، وإن رأى منك حسنةً عدها، وإن سألته أعطاك، وإن سكت عنه ابتدآك، وإن زلت بك إحدى الملمات آساك، من لا يأتيك منه البوائق، ولا تختلف عليك منه الطرائق، ولا يخذلك عند الحقائق.

وكان يقال: الصاحب رقعةٌ في قميص الرجل، فلينظر أحدكم بم يرقع قميصه.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه أنه يحبه".

وقال أحد حكماء العرب: ثلاثٌ يصفين لك ود أخيك: أن تبدأه بالسلام إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليه، وثلاثٌ من العي: أن تعيب على الناس ما تأتي، وأن ترى من الناس ما يخفى عليك من نفسك، وأن تؤذي جليسك فيما لا يعنيك.

وكان يقال: لا يكن حبك كلفاً ولا بغضك تلفاً. أي لا تسرف في حبك وبغضك. ونحوه قول الحسن: أحبوا هوناً فإن أقواماً أفرطوا في حب قوم فهلكوا.

وكان يقال: من وجد دون أخيه ستراً فلا يهتكه.

محاسن صلة الرحم

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم، فإنه لا قرب بالرحم إذا قطعت وإن كانت قريبةً ولا بعد بها إذا وصلت وإن كانت بعيدةً".

وقال عبد الله بن دينار:

احذروا ثلاثاً، فإنهن معلقات بالعرش: النعمة تقول يا رب كفرت، والأمانة تقول يا رب أكلت، والرحم تقول يا رب قطعت.

وقال محارب بن دثار: إنما سموا أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء، وكما أن لوالدك عليك حقاً، فكذلك لولدك عليك حقٌ.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه".

وقال: "ابن أخت القوم من أنفسهم ومولى القوم من أنفسهم وحليف القوم من أنفسهم".

وقال صلى الله عليه وسلم: "الرحم شجنةٌ –أي شعبة- من الرحمن قال لها من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته".

وقال: "من سره أن يمد له في عمره ويوسع له في رزقه فليصل رحمه".

وأتى رجلٌ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن والدي يأخذ مني مالي وأنا كاره؛ فقال: "أو ما علمت أنك ومالك لأبيك".

حكاية الكلب الذي جلب ثروة

كان يعيش في الكوفة، في زمن الخليفة أبي العباس السفاح مؤسس الدولة العباسية، شاعرٌ فكهٌ ظريف، ولكنه فقير، اسمه "أبو دلامة".

مدح أبو دلامة ذلك الخليفة بقصيدةٍ أعجبته فأحب أن يكافئه فقال له: "سل حاجتك". أي اطلب من أنت محتاجٌ إليه لألبي طلبك.

قال أبو دلامة: كلبٌ أصطاد به.

الخليفة: لك كلب صيد.

أبو دلامة: وهل أخرج إلى الصيد ماشياً على قدمي؟

الخليفة: ولك دابة.

أبو دلامة: والكلب والدابة ألا يحتاجان إلى غلامٍ يرعاهما.

الخليفة: وأمرنا لك بغلام.

أبو دلامة: وجاريةٍ تصلح لنا الصيد أي تعده وتطبخه وتطعمنا منه.

الخليفة: وأمرنا لك بجاريةٍ.

أبو دلامة: يا أمير المؤمنين. هؤلاء عيالٌ ولا بد من دار.

الخليفة: ودار.

أبو دلامة: ولا بد من ضيعةٍ لهؤلاء أي أرضٍ زراعية أنفق من ثمن محصولها على هذه العائلة.

الخليفة: قد أقطعناك مائة جريب (أي فدان) عامرةً (أي مزروعةً بالأشجار المثمرة) ومائة جريب غامرة.

أبو دلامة: وأي شيءٍ في الأرض الغامرة؟

الخليفة: يعني ليس فيها نبات.

أبو دلامة: إن كان الأمر كذلك فأنا أقطعك ألفاً وخمسمائة جريبٍ في الصحراء.

الخليفة: قد جعلتها كلها لك عامرةًًًًًًً، أي أمرت بأن تعطى ألفاً وخمسمائة جريبٍ أرضاً زراعية مطغروسةً بالأشجار المثمرة.

فشكره أبو دلامة وانصرف، والخليفة يضحك ويقول: ما ألطف حيلته، لقد حصل كل ذلك من طلبه كلباً.

هذه الحكاية الطريفة يعرضها "ابن قتيبة" في جملة الحكايات والأقوال المأثورة التي خصص لها فصلاً عنوانه "كتاب الحوائج". أي إذا كنت بحاجةٍ إلى شيء ما فكيف تصل إليه؟.. يقول:

كانوا يستنجحون حوائجهم بركعتين يقولون بعدهما: اللهم إني بك أستفتح، وبك أستنجح، وبمحمد نبيك إليك أتوجه، اللهم ذلل لي صعوبته، وسهل حزونته، وارزقني من الخير أكثر مما أرجو، واصرف عني من الشر أكثر مما أخاف.

وقال القطامي:

قد يدرك المتأني بعض حاجته      وقد يكون مع المستعجل الزلل

كتاب الحوائج

ثم يعرض حكايةً جميلة عن رجلٍ فاضل من أهل الكوفة كانت هوايته أن يفعل الخير. وذلك أنه كان يأتي إلى الأغنياء فيطلب منهم صدقاتٍ وهبات وتبرعات، ثم يذهب فيوزعها على الفقراء والمحتاجين والعائلات المستورة، كان هذا الرجل الفاضل لا يستريح قلبه ولا تسكن حركته في طلب حوائج الرجال وإدخال المرافق على الضعفاء، وكان رجلاً مفوهاً أي ذا منطقٍ حسنٍ جميل.

استدعاه والي الكوفة، حين علم بأمره وقال له:

- خبرني عن الشيء الذي هون عليك النصب وقواك على التعب، ما هو؟

فأجابه: قد والله سمعت تغريد الطير بالأسحار، في أفنان الأشجار؛ وسمعت خفق أوتار العيدان، وترجيع أصوات القيان الحسان؛ ما طربت من صوتٍ قط طربي من ثناءٍ حسنٍ بلسانٍ حسنٍ على رجلٍ قد أحسن، ومن شكر حرٍ لمنعم حر، ومن شفاعة محتسبٍ لطالبٍ شاكر.

فقال له الوالي: لله أبوك لقد حشيت كرماً فزادك الله كرماً.

وقال الحسن بن علي رضي الله عنهما:

لأن أقضي حاجةً لأخ أحب إلي من أن أعتكف سنةًً.

وقال الخليفة المأمون لمحمد بن عباد المهلبي: أنت متلافٌ؛ فقال: يا أمير المؤمنين، منع الموجود سوء ظن بالله، يقول الله تعالى: (وما أنفقتم من شيءٍ فهو يخلفه وهو خير الرازقين).

وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول: صاحب المعروف لا يقع، فإن وقع وجد متكأ. هذا نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "المعروف يقي مصارع السوء".

وكان ابن عباس يقول أيضاً: ما رأيت رجلاً أوليته معروفاً إلا أضاء ما بيني وبينه, لا رأيت رجلاً أوليته سوءاً إلا أظلم ما بيني وبينه.

وقال ابن عباس: لا يتم المعروف إلا بثلاث: تعجيله وتصغيره وستره، فإنه إذا عجله هنأه، وإذا صغره عظمه، وإذا ستره تممه.

وقال الخريمي في نحو هذا:

زاد معروفك عندي عظمـاً      أنه عنـدك محقـورٌ صغيـر

تتناســاه كأن لـم تأتـه      وهو عند الناس مشهورٌ كبير

وقال قيس بن عاصم موصياً أولاده:

إياكم والمسألة، فإنها آخر كسب الرجل.

وقال بعض الشعراء:

عودت نفسـي الضيق حتى ألفته      وأخرجني حسـن العزاء إلى الصبر

ووسع قلبي للأذى الأنـس بالأذى      وقد كنت أحيانـاً يضيق به صدري

وصيرني يأسي من الناس راجياً      لسرعة لطف الله من حيث لا أدرس

وفي كتابٍ للهند: لا يكثر الرجل على أخيه الحوائج؛ فإن العجل إذا أفرط في مص أمه نطحته ونحته.

 




 

 

أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح ©  2009