العدد 151 - 1/7/2009

ـ

ـ

ـ

 

قصة : عبد الودود يوسف               رسوم : هيثم حميد

فوجئ أبو همامٍ عندما دخل بيته عصر ذلك اليوم بأم همامٍ تصرخ بأطفالها صراخاً جنونياً.

سكن البيت حين دخل وغاب طفلاه –خولة وهمام في مكانٍ بعيدٍ من البيت، واقترب أبو همامٍ من زوجه وقال لها بلطفٍ: خير إن شاء الله؟!!

صرخت في وجهه: ولداك لا يسمعان الكلمة، إنهما يتخاصمان دائماً،

أجابها:

- حسناً.. حسناً.. اذهبي واستريحي، وسوف يصلح الله لك ولديك إن شاء الله.

انكمش الطفلان، واقشعر جلداهما من الخوف: ماذا سيفعل بهما أبوهما؟!! سيغضب منهما لا شك. ناداهما:

- خولة وهمام. أين أنتم يا بابا..

أسرعا لتلبية ندائه وهما خائفان. ابتسم لهما بسمةً خفيفةً حتى يطمئنا، ثم صاح بهما:

- قبّلا يدي أمكما أيها العفريتان، كيف تغضبان أمكما؟!!.

 ضحكت الأم، وذهب خوف الطفلين, راحا يقبلان يدي أمهما وينظران إليها نظرةً خفية. ليعرفا ماذا ستفعل؟. صاح أبو همام :

- سأضربكما بهذا القلم إن لم تسامحكما أمكما.

ضحكت الأم، وساد السرور العائلة كلها.

جلس الجميع إلى الطعام، كانوا جميعاً مسرورين إلا أبا همامٍ الذي كان مستغرقاً في تفكيرٍ عميق: كيف يجعل طفلته خولة، وطفله هماماً لا يزعجان أمهما.

يجب أن يطيعا أمرها، ويجب أن يحسنا إليها، ويتأدبا معها، وأخيراً وصل إلى خطةٍ رائعةٍ عزم على تنفيذها.

أمسك بالملعقة، وأراد أن يبدأ الطعام، بحث عن الخبز فلم يجد خبزاً، التفت إلى أم همامٍ كأنه يسألها عن الخبز، فناولته قطعة خبزٍ يابسةٍ وهي تقول له:

-  ذهب همام إلى الفرن كي يشتري خبزاً، فأعجبه منظر السيارات والدراجات في الشارع فوقف يتفرج أكثر من ساعتين ثم عاد إلينا وقد أضاع ثمن الخبز. فلما ذهبت خولة إلى الفرن وجدت الخبز قد نفد.

أطرق همام رأسه، بينما رفعت خولة رأسها كأنها تعتز بما صنعته.

أكل الجميع طعامهم بالخبز اليابس، ثم غسلوا وجوههم وأيديهم، وجلس أبو همامٍ في زاوية الغرفة وقفز همام إلى حضنه، بينما جلست خولة عن يمينه، وصاحا معاً:

- جاء وقت الحكايات يا بابا، وبدأت الحكاية.

قصص للتربية

كان ياما كان، في قديم الزمان، كان هناك ولدان، واحد اسمه مطيع، والثاني اسمه عاصي، عاصي كان لا ينفذ ما يريده الله، كان وسخاً، وكان مؤذياً وكان يغضب والديه.

أطرق الطفلان، وتابع الوالد:

- أما مطيع فكان يحب أمه، ويحب أباه، ويسمع كلامهما، ولا يفعل إلا ما يأمره الله به.

صاح أبو همامٍ:

-  من يعرف ما هي أعظم الأعمال التي كان يقوم بها مطيع؟!!

صاح همام: أنا أعرف، كان يحب أمه.

بينما صرخت خوله:

-  كان يأتي بالخبز من الفرن، ولا يتلهى في الشارع.

أطرق همام رأسه، وتمنى أن يغفر الله له ذنوبه، فلا يعصي أمه أبداً. همس أبو همامٍ:

-  لا.. لا.. هذه أعمالٌ جميلةٌ، لكن هناك عملاً أعظم منها، أتعرفان ما هي؟!!..

 صمت الطفلان، وهمس أبو همامٍ:

-  كان مطيع يعمل عملاً يغسله من ذنوبه كل يومٍ خمس مراتٍ.

تمنى همام أن يغتسل من ذنبه الذي ارتكبه حين لم يطع أمه. قال بلهفةٍ:

-  وماذا يفعل يا بابا.. أرجوك قل لي لأعمل مثله؟!

أجابه: كان يصلي يا بابا.. ألا تعرفان ما هي الصلاة؟

هتفا معاً: نعرف.. نعرف.. يا بابا.. كما تفعل أنت عندما يؤذن المؤذن.

صاح همام: أنا أحفظ الفاتحة يا بابا..

وهمس أبو همامٍ:

-  هل تريد يا همام أن يغسلك الله من ذنوبك؟!..

صاحت خولة: وأنا أريد ذلك يا بابا.. علمنا ماذا نقرأ في الصلاة يا بابا؟!

همس أبو همامٍ: من يعرف معنى الآية الكريمة: وبالوالدين إحساناً؟

صاح همام متلعثماً: يعني على الأولاد أن يعاملوا أمهم وأباهم بشكلٍ حسنٍ.

وصاحت خولة: إن لم يحسن الولد معاملة أمه وأبيه فماذا يجري له يا بابا؟!

أجابها: يشقيه الله في الدنيا يا خولة، ويعذبه في النار يوم القيامة.

همس أبو همامٍ: احفظا هذه الآية: وبالوالدين إحساناً. واقرآها في كل صلاة، وكل من يكررها بعد الصلاة عشر مرات، فله مني ليرة كاملة. بشرط أن يعمل عملاً طيباً مع أمه بعد كل صلاة.

 

سرور الأم..

نظرت أم همام إلى خولة وهي تسمع إلى أبيها بلهفةٍ، وإلى طفلها همام ووجهه المتورد بالفرحة حباً بالصلاة التي ستغسله من ذنوبه، والتي ستجعله يربح في كل يوم ليرة، ففرحت، وتمنت أن يطيعاها دائماً، ويكونا معها مؤدبين.

فكرت خولة: سآخذ ليرة في كل يومٍ؟!! يا سلام.. سأشتري بالوناً ومصاصتين، وعلبة مسكةٍ. وسيبقى معي نصف ليرةٍ. يجب أن أصلي حتى أحصل على الليرة.

وفكر همام: يا سلام.. سأشتري فوراً فرداً وزميرةً وخمسة بالوناتٍ كل يومٍ. يجب أن أصلي، يجب أن أصلي.

قفز الطفلان معاً حينما انطلق صوت المؤذن لصلاة العصر، فأسرعا كي يتوضآ وبعد قليلٍ عادا فرحين صاح همام:

-  أين الليرة يا بابا؟!

همس له أبوه: إنها مع ماما يا همام، ستعطيك إياها مساء كل يوم قبل النوم أنت وأختك إن صليتما، وقرأتما في الصلاة: (وبالوالدين إحسانا).

وقف الجميع للصلاة، وقرأ الطفلان في كل ركعةٍ سورة الفاتحة، مع آية "وبالوالدين إحساناً" ثم جلسا بعد الصلاة. وردد الآية عشر مراتٍ. فكر همام وفكرت خولة:

"ما هو العمل الحسن الذي سأفعله مع أمي الآن؟"

رأى أبوهما وزوجه خولة وهماماً يقفزان إلى أمهما، ويأخذ كل واحدٍ منهما يداً، ويقبلها.

كان سرور الأب والأم عظيماً. أخرج أبو همامٍ من جيبه ليرتين، وأعطى كل واحدٍ منهما ليرة.

والأم ماذا ستفعل؟!

قام الطفلان إلى اللعب، وجلس أبو همامٍ إلى زوجه وقال لها:

-  يا أم همامٍ، يجب أن لا تهملي أبداً إعطاء ولديك الليرة مساء كل يومٍ. أعطي كل ولد منهما عشرة قروش بعد كل صلاةٍ زيادةً منك. واسأليهما دائماً:

-  ما معنى "وبالوالدين إحسانا"؟!.. واطلبي منهما عملاً سهلاً بعد كل صلاةٍ.

مر اليوم الأول والطفلان يشعران بسعادةٍ عظيمةٍ، أصبحا يطيعان أمهما في كل عملٍ تطلبه. ومساء ذلك اليوم جلس أبو همامٍ يحكي لطفليه حكاية نظيفٍ ووسخٍ. أما نظيف فيسمع كلام أمه فلا يوسخ ثيابه، وأما وسخٌ فإنه لا يسمع كلام أمه، فكان الناس يكرهونه لقذارته.

وفي اليوم التالي حكى لهما حكاية منكوش ومرتبٍ، أما مرتب فكان يمشط شعره كما تأمره أمه. وأما منكوشٌ فكان لا يمشط شعره، ولا يغسله، فأصيب رأسه بمرضٍ قذرٍ، فأصبح منظر شعره بشعاً، ورائحته كريهة، ففر منه جميع أصحابه.

وفي اليوم الثالث حكى لهما قصة حافي ولابس، أما لابس فكان يسمع كلام أمه فيلبس حذاءه، وأما حافي فكان لا يسمع كلام أمه، ويسير حافياً فدخلت في رجله زجاجةٌ كبيرةٌ، فأخذه أبوه إلى المشفى، وأجرى الأطباء له عمليةً جراحةً آلمته كثيراً، وجلس في البيت شهرين مريضاً، فلم ينجح في صفه.

وفي اليوم الرابع حكى لهما قصة مخاصمٍ وحباب، أما حباب فيسمع كلام أمه فلا يخاصم إخوته، وأما مخاصمٌ فيخاصم إخوته. كان إخوته لا يردون عليه إكراماً لأمهم التي يحبونها. لكن مخاصماً تخاصم مع طفل شرسٍِ في أول يوم من أيام العيد. ظن أنه لن يرد عليه كما يفعل معه إخوته، لكن الطفل الشرس أوقعه على الأرض فوق الطين، فتوسخ ثوبه الجديد، فصار يستحيي أن يظهر به بين الناس، بينما كان إخوته يلعبون بلعب العيد، ولا يستحيون لأن ثيابهم جديدةٌ ونظيفة.

وفي اليوم الخامس حكى لهما قصة مجتهدٍ وكسلان، وفي اليوم السادس حكى لهما قصة مؤذي ومؤدب، ثم قصة أديبٍ وطويل اللسان، ثم قصة كريمٍ وبخيلٍ.

وهكذا كان يحكي لهما في كل يومٍ قصةً، ولمدة شهرٍ كاملٍ. وكل هذه القصص كانت تدور حول طفلٍ يسمع كلام أمه فيصبح سعيداً، وطفل لا يسمع كلامها فيشقى.

كان الأب والأم يراقبان تطور ولديهما بفرحةٍ كبيرةٍ فلما انتهى الشهر الأول جلس أبو همامٍ مع زوجه وقال لها:

-  سنعلمهما في الشهر الثاني أن يقرأ كل واحد منهما في الصلاة الآية الكريمة: "وقل لهما قولاً كريماً" وأنت يا أم همام ستقولين لهما أن يفعلا ذلك.

وتم ذلك فعلاً وصار الطفلان يرددان الآية في الصلاة، ويرددانها بعد الصلاة عشر مراتٍ، والمكافآت تنهال عليهما. وكان دور الأب أن يحكي لهما كل يومٍ قصة تنتهي بالجزاء الذي حصل عليه الطفل الطيب، والعقاب الذي وقع فيه الطفل السيء. وانتهى الشهر الثاني.

وابتدأ الشهر الثالث والطفلان يصليان، وأبوهما يحكي لهما قصصه الرائعة. فأصبحا مؤدبين يطيعان أمهما، وكانت قصص الشهر الثالث كلها تتحدث عن الصلاة. وكانت آخرها قصة عن ثواب من يصلي قبل الفجر ركعتين وأن الله يستجيب دعاءه، وحدث ما لم يكن يتوقعه أبو همامٍ.

 

يا فرحتنا خولة وهمام يصليان

كان أبو همامٍ متعباً جداً، وكانت أم همامٍ مريضةً. ونام أبو همامٍ نوماً عميقاً، لكنه استيقظ فجأةً حين أحس بحركةٍ في البيت.

حاول أن يسمع ما يجري فسمع همساً ووشوشة قام من سريره بهدوءٍ، وأمسك بعصا غليظةٍ كانت عنده، ليضرب بها هؤلاء اللصوص الذين دخلوا بيته.

وضع أذنه على باب غرفته فسمع الوشوشة تأتي من الغرفة المجاورة التي كان ينام فيها طفلاه، فخفق قلبه بشدةٍ خوفاً على ولديه.

اقترب من باب غرفتهما بهدوءٍ، وانتظر حتى يخرج اللصوص من الغرفة ليفاجئهم بعصاه الغليظة ومضت بضع دقائق لم يخرج فيها أحد.

لكن الوشوشة ارتفعت، وأصبح الصوت واضحاً سمع أبو همامٍ دعاء:

-  اللهم احفظ أمي وأبي.

فتح باب الغرفة بهدوءٍ وإذا بخولة وهمام يصليان.

صرخ من فرحته: يا أم همامٍ.. تعالي وانظري، خولة وهمام يصليان قبل الفجر..

ضم الأب والأم طفليهما إلى صدريهما، والدموع تملأ عيونهما من الفرحة، وهما لا يكادان يصدقان قالت خولة:

-  رأينا أمنا مريضةً يا بابا. وقد حكيت لنا أن الله يستجيب دعاء المسلم الذي يدعو ربه قبل الفجر، فصلينا ركعتين، وصرنا ندعو الله أن يشفي لنا ماما المريضة.

بكت أم همامٍ من الفرح، وهمست:

-  الحمد لله، لقد شفاني الله يا حبيبتي خولة، سأشتري لكل واحدٍ منكما لعبةً رائعةً.

صاح الطفلان:

-  إن كانت اللعبة مكافأة لنا لأننا صلينا فنحن لا نريدها. إننا نريد فقط أن يرضى الله عنا يا ماما.

بكى الأب فرحاً وهمس:

-  إن الله يرضى عنكما إن أردتما أن تكون الصلاة له وحده، وهو سبحانه لا يمنعنا أن نعطيكما مكافأةً رائعةً.

قفز الطفلان وصاحا: إذاً غداً سنشتري المكافأة.

نظر أبو همامٍ إلى زوجه، ونظرت إليه كأنهما يعجبان من الخير العظيم الذي تركته الصلاة في نفسي طفليهما وأن يبقيهما طاهرين. وعزما أن يحكيا قصتهما لأصدقائهما كلهم كي يؤدبوا أولادهم بالصلاة كما أدبا بها خولة وهماماً.




 

 

أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح ©  2009