العدد 151 - 1/7/2009

ـ

ـ

ـ

 

بقلم: يحيى حاج يحيى             رسوم : كمال شرف

توقف خالد وسعيد قليلاً، وهما عائدان من نزهة قصيرة في أحد الحقول القريبة، ونظرا إلى السماء، وقد تلبدت بالغيوم وحجبت قرص الشمس.

قال خالد: هل سينزل المطر؟

قال سعيد: الله تعالى أعلم!

قال خالد: وأنا أيضاً أقول: الله تعالى أعلم؛ ولكنَّ الله عَلَّمَنا كيف نستدل على قدرته، وفَهْم ما يجري حولنا في هذا الكون!

قال سعيد: كيف؟ وماذا تقصد؟!

قال خالد: إذا دققنا النظر في هذا الكون الكبير، نجد ظواهر طبيعية مختلفة، يتم بروزها ضمن قوانين، خلقها الله تعالى؛ فإذا شاء جرت كما يكون، وإنْ لم يشأ فإنها تتعطل بمشيئته!

قال سعيد: لقد زدتني غموضاً! فما علاقة ذلك بنزول المطر؟ وهو أمر لا يقدر عليه إلا الله!

*     *     *

وصل الصديقان إلى الحي الذي يسكنان فيه، وفي اليوم التالي سبق خالد إلى مدرِّس العلوم، وقصَّ عليه ما جرى بينه وبين سعيد.

ابتسم المدرس، وقال: بعد ساعتين سيكون لي حصة في فصلكم، وسأشرح لكم ما يزيل من أذهانكم كل غموض.

*     *     *

كان خالد متلفهاً، ينتظر تلك الحصة، وعندما دخل الأستاذ نظر إليه، ليطمئنه على ما اتفق معه عليه، ولكن المدرس لم يبدأ بتوضيح ما جرى بين الصديقين، بل قال: إن الله تعالى خلق هذا الكون، ووضع فيه قوانين، وخلق لنا عقولاً لنهتدي إليها، وننتفع بها. وجعل هذه المخلوقات دليلاً على عظمته! وهي تدل على وجود خالق لها!

لم يخطر ببال خالد أن الأستاذ يجعل ذلك مقدمة لشرح ما التبس على سعيد.

تابع المدرس القول: لقد أدرك ذلك الأمر، البدويُّ البسيط في الصحراء، حين سئل عن وجود الله! فقال كلمته الشهيرة: إذا كانت البعرة تدل على البعير، وآثار الأقدام تدلّ على المسير، فإن هذا الكون الكبير يدل على وجود الله الحكيم القدير!

إن الله تعالى – يا أبنائي-   خلق هذا الكون، ودعا إلى التفكر فيه، وإن التفكر يقود إلى الفهم، وإن الفهم يقود إلى العمل، وإن العمل -   إذا أحسنَّا فيه -   يكون لنا راحة وسعادة.

قال أحد التلاميذ، وكأنه قد مرَّ به ما مر بسعيد:

-   إذا كان الله هو الذي يعلم الغيب، وما سيكون في المستقبل القريب والبعيد فكيف يحدد العلماء موعد نزول المطر، واتجاه الريح، ومتى سيكون حدوث الكسوف والخسوف.

قال المعلم: صحيح أن الله تعالى هو الذي يعلم الغيب وحده؛ ولكنه خلق لنا عقولاً ونظراً. فإذا فكرنا بعقولنا، ونظرنا بعيوننا، وربطنا بين الأسباب ووصلنا إلى تفسير لتلك الظواهر، لأن الله تعالى أراد ذلك، لكي نسعد في هذه الحياة، ولا نعيش دائماً خائفين من المفاجآت! قال سعيد: مثل أي شيء، يا أستاذ؟

قال الأستاذ: البراكين – مثلاً-   خلقها الله تعالى، وجعل لثورانها أسباباً، عرفها الناس من خلال معايشتهم لها، ودراسة أسبابها.

فهم عندما يعلنون أن السماء ستمطر، وأن الرياح ستكون شديدة، وأن هذا البركان يمكن أن يثور بعد مدة، لا يقولون ذلك ادَّعاءً منهم أنه يعلمون الغيب، وهذا الذي يقولونه ليس خارجاً عن إرادة الله الذي يقول: "علَّم الإنسان ما لم يعلم".

ومع ذلك، فإن الله تعالى إذا شاء عطَّل هذه القوانين، ولو اجتمعت أسبابها! إلا أن الله رحيم بالخلق، فجعل لهذا الكون نظاما،ً ولتلك الظواهر أسباباً، ليتدبر الناس أمور حياتهم، ويسعدوا في معاشهم!!

نظر خالد إلى سعيد، فرآه يهز رأسه، وهو يبتسم، وقد أزال شرح المدرس من نفسه ما حيَّره بالأمس.




 

 

أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح ©  2009