العدد 152 - 15/7/2009

ـ

ـ

ـ

 

إعداد: شريف الراس                     رسوم: ضياء حجار  

هذا الكتاب الجميل.. ومؤلفه

كتاب الأخبار الطوال لأبي حنيفة أحمد بن داود الدينوري من أهم المصادر التاريخية الأولى وفاية في سرد حوادث الحياة المعاشية والسياسية والحربية عند الفرس، وفي الإبانة عن الأحداث الدقيقة في الدولة العربية من بعد ظهور الإسلام إلى آخر عهد الخليفة العباسي المعتصم بن هارون الرشــيد، المتوفى ســـنة 237 هـ (842م).

ويكاد كتاب الأخبار الطوال ينفرد بأنه من أوائل الكتب المتكاملة التي وضعت باللغة العربية لتاريخ حياة العزة القومية إبان الحكم العربي، الذي شملت حدوده البلاد شرقاً وغرباً، من الصين إلى المحيط الأطلسي، فالكتاب يكشف إلى حد بعيد عما ابتكر الإسلام وأبدع في الحرب والإدارة والسياسة، بعد أن انتشر حملة لوائه من جزيرتهم، فساحوا في بلاد الله من الأرض المعمورة، وأبانوا في مواقفهم العديدة عن عقول مثقفة، ونفوس شريفة، وبعد نظر في إدارة الممالك والشعوب.

وليس بين المؤرخين العرب وغيرهم من هو أقدر من أبي حنيفة الدينوري على معالجة تاريخ الفرس، وعلى رواية تاريخ العرب في بلاد الفرس، فالدينوري فارسي الأصل، تجري في عروقه دماء الفرس، وتنصهر في نفسه عزة العرب وأمجاد الإسلام، وهو فوق هذا إنسانٌ عاش رفيع القدر أصلاً ومعاشاً، وقد صار إماماً من أئمة العلم واللغة والأدب.

وينسب هذا المؤرخ الجليل إلى دينور، وهي مدينةٌ من مدن الجبال في شمال إيران، يرجع تاريخ تأسيسها إلى عهد الجاهلية وكانت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب أكثر مدن إقليم همذان عمارة، وقد سلمها الوالي الفارسي للعرب عقب وقعة نهاوند الحاسمة، أي حوال سنة 21هـ (642م).

وهذا المؤرخ الجليل أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري، مؤلف كتاب الأخبار الطوال، قد ولد في بداية القرن الثالث الهجري، بمدينة دينور، ونشأ في أسرةٍ من أصل فارسي، وقد عاش معظم حياته في مدينة دينور، وأمضى شبابه في الرحلات، وقادته خطواته إلى قلب الحضارة العربية، في بلاد ما بين النهرين دجلة والفرات، ثم امتدت به أسفاره إلى المدينة المنورة، وإلى الأرض المقدسة فلسطين، وإلى شواطئ الخليج العربي، فعاش فيها أزماناً، طالت أو قصرت، ولكنها تركت في نفسه ذكراً، وفي فكره علماً.

وقد أخذ أبو حنيفة دروسه عن البصريين والكوفيين، وتتلمذ في فقه اللغة على النحوي الكوفي ابن السكيت، ودرس معارف كثيرة، وكان مفتناً في علوم النحو واللغة والهندسة والفلك والحساب، ثقةً فيما يرويه ويمليه.  

وانتقل أبو حنيفة إلى أصفهان سنة 235هـ (850م) وعاش بها مدةً، اشتغل فيها برصد الكواكب، وتسجيل نتائج الأرصاد التي يقوم بها في مرصده الفلكي.

لقد كان أبو حنيفة الدينوري عالماً بحق في شتى العلوم والمعارف، حباه الله بعقلية واسعة، استوعبت معارف كثيرة، وانفرد بها عن علماء تلك الفترة وما تلاها ممن كان لهم شأن في تاريخ الأدب العربي، وعلوم اللغة، فلقد كان أبو حنيفة عالماً في كثير من فروع العلوم، وكان دائماً مجدداً، وظل مع كل هذا مبدعاً، دون تكرار عن أسلافه ومعاصريه.

وكتابه الضخم الثمين (الأخبار الطوال) يقع في أكثر من 500 صفحة، اخترنا منها –كنموذج- الفصل الذي خصصه لـ "الفتوحات الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب" لنقدمه في الصفحات التالية، فيطلع القارئ على أسلوب المؤرخين العرب القدامى في تأليف كتب التاريخ، ويستمتع بما في تلك النصوص من روعة وجمال ودقة وصف، وأمانة وصدق، ونقاء في الإيمان.

معارك فتح العراق في عهد سيدنا عمر رضي الله عنه

في السنة الثالثة عشرة للهجرة، ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه خليفة على المسلمين. ثم إن عمر رضي الله عنه عزم على توجيه خيل إلى العراق (أي إرسال جيوش لفتح العراق) فدعا أبا عبيد بن مسعود، فعقد له على خمسة آلاف رجل (أي عينه قائداً لـ 5000 مجاهد) وأمره بالمسير إلى العراق، وكتب إلى المثنى بن حارثة (وهو قائد جيش عربي موجود في جنوب العراق آنذاك)، أن ينضم بمن معه إليه، ووجه مع أبي عبيد (بطلاً اسمه) سليط بن قيس، من بني النجار الأنصاري، وقال لأبي عبيد: "قد بعثت معك رجلاً هو أفضل منك إسلاماً، فاقبل مشورته". وقال لسليط: "لولا أنك رجلٌ عجلٌ في الحرب لوليتك هذا الجيش، والحرب لا يصلح لها إلا الرجل المكيث" (أي القائد الرصين الرزين) فسار أبو عبيد نحو الحيرة (في جنوب العراق)، لا يمر بحي من أحياء العرب إلا استنفرهم (أي لا يمر بمضارب قبيلة عربية في البادية إلا يحثهم على الخروج للجهاد)، فتبعه منهم طوائف، حتى انتهى إلى قس الناطف (وهي منطقة في جنوب العراق) فاستقبله المثنى فيمن معه.

وبلغ العجم إقبال أبي عبيد، فوجهوا (للتصدي له ومحاربته) مردان شاه الحاجب في أربعة آلاف فارس، فأمر أبو عبيد بالجسر (أي أمر بأن يجتازوا جسراً على نهر الفرات). فقال له المثنى: "أيها الأمير لا تقطع هذه اللجة، فتجعل نفسك ومن معك غرضاً لأهل فارس". (أي أنصحك بأن لا تنتقل إلى الضفة الثانية من النهر فيحاصرك الفرس ويفتكوا بك وبجنودك).

فقال له أبو عبيد: "جبنت يا أخا بكر". وعبر إليهم بمن معه من الناس، وولى أبا محجن الثقفي الخيل، وكان ابن عمه، ووقف هو في القلب، وزحف إليهم الفرس، فاقتتلوا، فكان أبو عبيد أول قتيل، فأخذ الراية أخوه الحكم، فقتل، ثم أخذها قيس بن حبيب أخو أبي محجن، فقتل، وقتل سليط بن قيس الأنصاري في نفرٍ من الأنصار كانوا معه، فأخذ المثنى الراية، وانهزم المسلمون.

معركة يوم الجسر

فقال المثنى لعروة بن زيد الخيل الطائي "انطلق إلى الجسر، فقف عليه، وحل بين العجم وبينه". وجعل المثنى يقاتل من وراء الناس، ويحميهم حتى عبروا، ويوم جسر أبي عبيد معروفٌ (أي أن هذه المعركة الخاسرة مشهورة) وسار المثنى بالمسلمين حتى بلغ الثعلبية (وهي منطقة على طريق مكة من العراق)، فنزل، وكتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه (رسالةً توضح ما حدث، وأرسلها) مع عروة بن زيد الخيل، فبكى عمر، وقال لعروة: "ارجع إلى أصحابك، فمرهم أن يقيموا بمكانهم الذي هم فيه، فإن المدد واردٌ عليهم سريعاً". وكانت هذه الوقعة في شهر رمضان يوم السبت سنة ثلاث عشرة من التاريخ.  

ثم إن عمر بن الخطاب استنفر الناس (أي حثهم للخروج إلى الجهاد) إلى العراق، فخفوا في الخروج، ووجه في القبائل يستجيش (أي يطلب مقاتلين)، فقدم عليه مخنف بن سليم الأزدي في سبعمائة رجل من قومه، وقدم عليه الحصين بن معبد بن زرارة في جمع من بني تميم زهاء ألف رجل، وقدم عليه عدي بن حاتم الطائي في جمع من طيء، وقدم عليه أنس بن هلال في جمع من النمر بن قاسط، فلما كثر عند عمر الناس عقد لجرير بن عبد الله البجلي عليهم (أي عينه قائداً لهم)، فسار جريرٌ بالناس حتى وافى الثعلبية (وهي مكانٌ قريبٌ من مدينة النجف في جنوب العراق فيه ديرٌ بنته أم الملك العربي عمرو بن هند)، فضم إليه المثنى فيمن كان معه، وسار نحو الحيرة، فعسكر بدير هند، ثم بث الخيل في أرض السواد (أي أرض العراق)، تغير.

بوران ملكة الفرس

وتحصن منه الدهاقين (أي خاف منه قادة الفرس)، واجتمع عظماء الفرس إلى بوران (ملكتهم)، فأمرت أن يتخير اثنا عشر ألف رجل من أبطال الأساورة (وهم الفرسان المقاتلة)، وولت عليهم "مهران بن مهروية الهمذاني" فسار بالجيش حتى وافى الحيرة، وزحف الفريقان، بعضهم لبعض، ولهم زجلٌ (أي ضجةٌ وجلبةٌ) كزجل الرعد، وحمل المثنى في أول الناس (أي هجم في مقدمة جيش المسلمين)، وكان في ميمنة جرير، وحملوا معه. وثار العجاج، وحمل جرير بسائر الناس من الميسرة والقلب، وصدقتهم العجم القتال (أي قاتلوهم بضراوة)، فجال المسلمون جولةً (أي كادوا يتراجعون)، فقبض المثنى على لحيته، وجعل ينتف ما تبعه منها من الأسف، ونادى: "أيها الناس، إلي، إلي، أنا المثنى" فثاب المسلمون (أي رجعوا للقتال)، فحمل بالناس ثانيةً وإلى جانبه مسعود بن حارثة أخوه, وكان من فرسان العرب، فقتل مسعود فنادى المثنى: "يا معشر المسلمين، هكذا مصرع خياركم، ارفعوا راياتكم". وحض عدي بن حاتم أهل الميسرة، وحرض جريرٌ أهل القلب، وذمرهم (أي حضهم على الصمود في القتال)، وقال لهم: "يا معشر بجيلة، لا يكونن أحدٌ أسرع إلى هذا العدو منكم، فإن لكم في هذه البلاد –إن فتحها الله عليكم- حظوةًً ليست لأحدٍ من العرب، فقاتلوهم التماس إحدى الحسنيين".

الانتصار العظيم

فتداعى المسلمون، وتحاضوا، وثاب من كان انهزم، ووقف الناس تحت راياتهم، ثم زحفوا، فحمل المسلمون على العجم حملةً صدقوا الله فيها، وباشر مهران الحرب بنفسه، وقاتل قتالاً شديداً، وكان من أبطال العجم، فقتل مهران، وذكروا أن المثنى قتله، فانهزمت العجم لما رأوا مهران صريعاً، واتبعهم المسلمون، وعبد الله بن سليم الأزدي يقدمهم، واتبعه عروة بن زيد الخيل، فصار المسلمون إلى الجسر، وقد جازه بعض المعجم، وبقي بعضٌ، فصار من بقي منهم في أيدي المسلمين، ومضت العجم، حتى لحقوا بالمدائن (وهي عاصمة الملوك الفرس يومذاك، وتقع قرب بغداد) وانصرف المسلمون إلى معسكرهم فقال عروة بن زيد الخيل في ذلك:

هـاجت  لعروة دار الحي iiأحزانا
واستبدلت بعد عبد القيس همذانا
وقـد أرانـا بها والشمل iiمجتمعٌ
إذ  بـالنخيلة قـتلى جند مهرانا
أيـام سـار المثنى بالجنود iiلهم
فـقتل  الـقوم من رجلٍ iiوركبانا
سـما لأجـناد مـهرانٍ iiوشيعته
حـتى  أبـادهم مـثنى ووحدانا
ما إن رأينا أميراً بالعراق iiمضى
مـثل المثنى الذي من آل شيبانا
إن الـمثنى الأمير القرم لا iiكذبٌ
في الحرب أشجع من ليثٍ iiبخفانا

(والخفان هو فرخ النعام).

المثنى يواصل انتصاراته

قالوا: ولما أهلك الله مهران ومن كان معه من عظماء العجم استمكن المسلمون من الغارة في السواد (كان العرب يطلقون على العراق اسم "أرض السواد" لكثرة ما فيها من زرع وبساتين وغابات ونخيل)، وانتقضت مسالح الفرس (أي معسكراتهم المسلحة)، وتشتت أمرهم، واجترأ المسلمون عليهم، وشنوا الغارات ما بين سورا وكسكر والصراة إلى الفلاليج والأستانات (وهي جميعاً أسماء أماكن قريبة من الموقع الذي أنشئت عليه بغداد بعد ذلك بـ 150 سنة)، فقال أهل الحيرة للمثنى: "إن بالقرب منا قريةً فيها سوقٌ عظيم، تقوم في كل شهر مرة، فتأتيها تجار فارس والأهواز وسائر البلاد، فإن قدرت على الغارة على تلك السوق أصبت أموالاً رغيبةً" يعنون سوق بغداد، وكانت قريةً تقوم بها سوقٌ في كل شهر.

فأخذ المثنى على البر (أي سار) حتى أتى الأنبار (وهي مدينة على الفرات غربي بغداد)، فتحصن منه أهلها، فأرسل إلى (واليها الفارسي) بسفروخ مرزبانها ليسير إليه (أي يستدعيه للقائه)، فيكلمه بما يريد، وجعل له الأمان، فأقبل المرزبان حتى عبر (النهر) إليه، فخلا به المثنى وقال: "إني أريد أن أغير على سوق بغداد، فأريد أن تبعث معي أدلاء، فيدلوني على الطريق، وتسوي لي الجسر، لأعبر الفرات"، ففعل المزربان ذلك، وقد كان قطع الجسر لئلا تعبر العرب إليه، فعبر المثنى مع أصحابه، وبعث المرزبان معه الأدلاء، فسار حتى وافى السوق ضحوةً، فهرب الناس، وتركوا أموالهم، فملأوا أيديهم من الذهب والفضة، وسائر الأمتعة، ثم رجعوا إلى الأنبار، ووافى معسكره.

البطل عتيبة يبني البصرة

ولما بلغ سويد بن قطبة العجلي أمر المثنى بن حارثة، وما نال من الظفر يوم مهران كتب إلى عمر بن الخطاب، يعلمه وهن الناحية التي هو بها، ويسأله أن يمده بجيش. فندب عمر بن الخطاب لذلك الوجه عتبة بن غزوان المازني، وكانت له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم (أي هو صحابيٌ جليل)، وضم إليه ألفي رجل من المسلمين، وكتب إلى سويد بن قطبة يأمره بالانضمام إليه.

فلما سار عتبة شيعه عمر رضي الله عنه (أي سار معه مودعاً)، فقال:

"يا عتبة، إن إخوانك من المسلمين قد غلبوا على الحيرة، وما يليها، وعبرت خيلهم الفرات حتى وطئت بابل، مدينة هاروت ومنازل الجبارين، وإن خيلهم اليوم لتغير حتى تشارف (مدينة المدائن)، وقد بعثتك في هذا الجيش، فاقصد قصد أهل الأهواز (أي فتوجه إلى الأهواز)، فاشغل أهل تلك الناحية، أن يمدوا أصحابهم بناحية السواد على إخوانكم الذين هناك، وقاتلهم مما يلي الأبلة" (وهي ميناءٌ قرب موقع البصرة التي لم تكن موجودة وإنما بناها بعد ذلك هذا القائد العربي البطل عتبة بن غزوان).

فسار عتبة بن غزوان حتى أتى مكان البصرة اليوم، ولم تكن هناك يومئذٍ إلا الخريبة، وكانت منازل خربة، وبها مسالح لكسرى (أي قلاعٌ مسلحة) تمنع العرب من العبث في تلك الناحية، فنزلها عتبة بن غزوان بأصحابه في الأخبية وبالقباب، ثم سار حتى نزل موضع البصرة، وهي إذ ذاك حجارةٌ سود وحصى، وبذلك سميت البصرة، ثم سار حتى أتى الأبلة، فافتتحها عنوة، وكتب إلى عمر رضي الله عنه: "أما بعد، فإن الله، وله الحمد، فتح عليه الأبلة، وهي مرقى سفن البحر من عُمان، والبحرين، وفارس، والهند، والصين، وأغنمنا ذهبهم وفضتهم وذراريهم، وأنا كاتبٌ إليك ببيان ذلك إن شاء الله".

وبعث بالكتاب مع نافع بن الحارث بن كلدة الثقفي، فلما قدم على عمر رضي الله عنه تباشر المسلمون بذلك، فلما أراد نافع الانصراف، قال لعمر: "يا أمير المؤمنين. إني قد افتليت فلاء بالبصرة (أي أسست محلاً تجارياً أو بيتاً)، واتخذت بها تجارة. فاكتب إلى عتبة بن غزوان أن يحسن جواري".

فكتب عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- إلى عتبة: "أما بعد، فإن نافع بن الحارث ذكر أنه قد افتلى فلاء، وأحب أن يتخذ بالبصرة داراً، فأحسن جواره، واعرف له حقه، والسلام".

فخط له عتبة بالبصرة خطة، فكان نافع أول من خط خطة بالبصرة (أي أول من بنى بيتاً)، وأول من افتلى بها الأفلاء، وارتبط بها رباطاً (أي أقام حصناً ليعسكر فيه المجاهدون)، ثم إن عتبة سار إلى المذار (وهي بلدة بين البصرة وواسط)، وأظهره الله عليهم، ووقع مرزبانها (أي حاكمها الفارسي) في يده، فضرب عنقه، وأخذ بزته، وفي منطقته (أي في حزامه) الزمرد والياقوت، وأرسل بذلك إلى عمر رضي الله عنه، وكتب إليه بالفتح، فتباشر الناس بذلك، وأكبوا على الرسول يسألونه عن أمر البصرة، فقال إن المسلمين يهيلون بها الذهب والفضة هيلاً، فرغب الناس 

في الخروج، حتى كثروا بها، وقوي أمرهم، فخرج عتبة بهم إلى فرات البصرة (أي القرى التي حول البصرة ويسقيها نهر الفرات)، فافتتحها، ثم سار إلى "دست ميسان" (وهي بلدة بين البصرة والأهواز)، فافتتحها بعد أن خرج إليه مرزبانها بجنوده، فالتقوا، فقتل المرزبان، وانهزمت العجم، فدخل مدينتها لا يمنعه شيء، فخلف بها رجلاً، وسار إلى "ابرقباذ" فافتتحها، ثم انصرف إلى مكانه من البصرة، وكتب إلى عمر رضي الله عنه بما فتح الله عليه من هذه المدن والبلدان، وبعث بالكتاب مع أنس بن الشيخ بن النعمان، فاختلفت القبائل إليها حتى كثروا بها (أي فجاءت القبائل العربية إلى البصرة حتى كثروا بها). ثم إن عتبة استأذن عمر في القدوم عليه، فأذن له، فاستخلف المغيرة بن شعبة، ثم خطب الناس حين أراد الخروج خطبةً طويلة، قال فيها: "أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً، وفي أعين الناس صغيراً، وأنا سائر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وستجربون الأمراء بعدي، فتعرفون". وكان الحسن البصري يقول إذا تحدث بهذا الحديث: "قد جربنا الأمراء بعده، فوجدنا له الفضل عليهم".

الخليفة يعاقب المفسدين

وأن عمر رضي الله عنه أقر المغيرة على ثغر البصرة (أي عينه والياً عليها)، فسار بالناس نحو "ميسان"، فخرج إليه مرزبانها، فحاربه، فأظهر الله المسلمين، وافتتح البلاد عنوةً، وكتب إلى عمر بالفتح، ثم كان من أمر المغيرة والنفر الذين رموه ما كان (أي الناس المفسدين الذين نشروا الإشاعات السيئة ضده). وبلغ ذلك عمر رضي الله عنه، فأمر أبا موسى الأشعري بالخروج إليها، وأن يصرف الخطط لمن هناك من العرب (أي يخصص لهم الأراضي لبناء البيوت)، ويجعل كل قبيلة في محلة، وأن يأمر الناس بالبناء، وأن يبني لهم مسجداً جامعاً، وأن يشخص إليه المغيرة بن شعبة، فقال أبو موسى: "يا أمير المؤمنين، فوجه معي نفراً من الأنصار، فإن مثل الأنصار في الناس كمثل الملح في الطعام"، فوجه معه عشرةً من الأنصار، فيهم أنس بن مالك، والبراء بن مالك، فقدم أبو موسى البصرة، وبعث إليه (أي إلى الخليفة عمر بالمدينة) بالمغيرة بن شعبة، والنفر الذين شهدوا عليه (أي تكلموا ضد عتبة)، فسألهم عمر رضي الله عنه، فلم يصرحوا، فجلدهم، (أي فعاقب هؤلاء الدساسين المفسدين بعقوبة الجلد بالسياط)، وأمر المغيرة أن يلحق بالبصرة، فيعاون أبا موسى على أمره، ونظر أبو موسى إلى زياد بن عبيد، وكان عبداً مملوكاً لثقيف، فأعجبه عقله وأدبه، فاتخذه كاتباً، وأقام معه، وقد كان قبل ذلك مع المغيرة بن شعبة.

الفرس يخلعون ملكتهم

قالوا: فلما نظرت الفرس إلى العرب قد حدقوا بهم، وبثوا الغارات في أرضهم قالوا فيما بينهم: إنما أتينا من تملك النساء علينا (أي إننا غلبنا لأن امرأة تحكمنا وهي الملكة آزر ميدخت)، فاجتمعوا على يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز، فملكوه عليهم، وهو يومئذٍ غلامٌ ابن ست عشرة سنة، وثبتت طائفة على آزر ميدخت، فتحارب الفريقان، فكان الظفر ليزدجرد، فخلعت آزرميدخت، وتملك يزدجرد، فجمع إليه أطرافه، واستجاش أقطار أرضه (أي جمع جيوشاً من معظم أنحاء الإمبراطورية الفارسية الواسعة)، وولى عليهم رستم بن هرمز، وكان محنكاً قد جربته الدهور، فسار رستم نحو القادسية (وهي مكان قريب من موقع بغداد).

البطل طليحة بن خويلد

وبلغ ذلك (القائدين العربيين) جرير بن عبد الله والمثنى بن حارثة، فكتبا إلى عمر رضي الله عنه، يخبرانه، فندب عمر الناس (أي ناداهم للجهاد)، فاجتمع له نحوٌ من عشرين ألف رجل، فولى أمرهم سعد بن أبي وقاص، فسار سعدٌ بالجيوش حتى وافى القادسية، فضم إليه من كان هناك، وتوفي المثنى بن حارثه رحمه الله، فلما انقضت عدة امرأة المثنى تزوجها سعد بن أبي وقاص، وأقبل رستم بجنوده حتى نزل دير الأعور (وهي بناءٌ حصين قرب الكوفة)، وأن سعداً بعث طليحة بن خويلد الأسدي، وكان من فرسان العرب في جمع ليأتيه بخبر القوم، فلما عاينوا سوادهم، ورأوا كثرتهم قالوا لطليحة: "انصرف بنا"، فقال: "لا، ولكني ماضٍ حتى أدخل عسكرهم، وأعلم علمهم". فاتهموه (أي شكوا بإخلاصه)، وقالوا له: "ما نحسبك تريد إلا اللحاق بهم" فقال لهم طليحة: "ملأ الرعب قلوبكم". وأقبل طليحة حتى دخل عسكر الفرس ليلاً، فلم يزل يجوسه ليلته 

كلها، حتى إذا كان وجه السحر مر بفارس منهم يعد بألف فارس، وهو نائم، وفرسه مقيد، فنزل، ففك قيد الفرس، ثم شد مقوده بثغر فرسه (أي ربطه في مؤخر سرج حصانه)، وخرج من المعسكر، واستيقظ صاحب الفرس، فنادى في أصحابه، وركب في أثره، فلحقوه، وقد أضاء الصبح، فبدر صاحب الفرس إليه، ووقف له طليحة، فاطعنا، فقتله طليحة، ولحقه فارس آخر، فقلته طليحة، ولحقه ثالث، فأسره طليحة، وحمله على دابته، وأقبل به نحو عسكر المسلمين، فكبر الناس، ودخل على سعد وأخبره الخبر.

رستم قائد جيش الفرس

وأقام رستم بدير الأعور معسكراً أربعة أشهر، وأراد مطاولة العرب (أي أراد إطالة الوقت على العرب) ليضجروا، وكان المسلمون إذا فنيت أزوادهم (أي إذا نفد ما لديهم من طعام ومواد تموينية) وأعلافهم جردوا الخيل، فأخذت على البر حتى تهبط على المكان الذي يريدون، ويغيرون، فينصرفون بالطعام والعلف والمواشي.

ثم إن عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى يأمره أن يمد سعداً بالخيل (أي بالفوارس المقاتلين)، فوجه إليه أبو موسى المغيرة بن شعبة في ألف فارس، وكتب إلى أبي عبيدة بن الجراح، وهو بالشام يحارب الروم أن يمد سعداً بخيل، فأمده بقيس بن هبيرة المرادي في ألف فارس، وكان في القوم هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وكانت عينه فقئت يوم اليرموك، وفيهم الأشعث بن قيس، والأشتر النخعي، فساروا (من بلاد الشام) حتى قدموا على سعد بالقادسية.

ماذا قال المغيرة لرستم؟

وأن يزدجرد الملك كتب إلى (قائد جيوشه) رستم يأمره بمناجزة العرب (أي مقاتلتهم)، فزحف رستم بجنوده وعساكره حتى وافى القادسية، فعسكر على ميل من معسكر المسلمين، ثم أرسل إلى سعد: "أن ابعث إلي من أصحابك رجلاً له فهمٌ وعقلٌ وعلم، لأكلمه". فبعث إليه بالمغيرة بن شعبة، فلما دخل عليه قال له رستم: "إن الله قد أعظم لنا السلطان، وأظهرنا على الأمم وأخضع لنا الأقاليم، وذلل لنا أهل الأرضين، ولم يكن في الأرض أمةٌ أصغر قدراً عندنا منكم، لأنكم أهل قلة وذلة وأرض جدبة، ومعيشة ضنك، فما حملكم على تخطيكم إلى بلادنا؟ فإن كان ذلك من قحطٍ نزل بكم، فإنا نوسعكم ونفضل عليكم، فارجعوا إلى بلادكم". (أي إن كنتم قد جئتم إلى بلادنا بسبب فقركم فإننا مستعدون لأن نتصدق عليكم بالقمح والتمر لتعودوا إلى بلادكم فتطعموا أطفالكم).  

فقال له المغيرة: "أما ما ذكرت من عظيم سلطانكم، ورفاهة عيشكم، وظهوركم على الأمم، وما أوتيتم من رفيع الشأن، فنحن كل ذلك عارفون، وسأخبرك عن حالنا: إن الله وله الحمد، أنزلنا بقفارٍ من الأرض، مع الماء النزر، والعيش القشف يأكل قوينا ضعيفنا، ونقطع أرحامنا، ونقتل أولادنا خشية الإملاق، ونعبد الأوثان، فبينما نحن كذلك بعث الله فينا نبياً، من صميمنا وأكرم أرومة فينا (أي أكرم أصلٍ ونسب)، وأمره أن يدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن نعمل بكتاب أنزله إلينا، فآمنا به، وصدقناه، فأمرنا أن ندعو الناس إلى ما أمره الله به، فمن أجابنا كان له مالنا، وعليه ما علينا، ومن أبى ذلك سألناه الجزية (وهي ضريبةٌ مالية) عن يدٍ، فمن أبى جاهدناه، وأنا أدعوك إلى مثل ذلك، فأن أبيت فالسيف". وضرب يده مشيراً بها إلى قائم سيفه.

فلما سمع ذلك رستم تعاظمه ما استقبله به، واغتاظ منه، فقال: "والشمس (حلف بالشمس لأنه كان مجوسياً)، لا يرتفع الضحى غداً حتى أقتلكم أجمعين". فانصرف المغيرة إلى سعدٍ، فأخبره بما جرى بينهما، وقال لسعد: "استعد للحرب"، فأمر الناس بالتهيؤ والاستعداد، فبات الفريقان يكتبون الكتائب (أي ينظمون صفوفهم)، ويعبئون الجنود، وأصبحوا وقد صفوا الصفوف، ووقفوا تحت الرايات، وكانت بسعد علية من خراج في فخذه (أي كان هذا القائد العظيم مريضاً بسبب دمل في فخذه) قد منعه الركوب، فولى أمر الناس خالد بن عرفطة، وولى القلب قيس بن هبيرة، وولى الميمنة شرحبيل بن السمط، وولى الميسرة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وولى الرجالة قيس بن خريم، وأقام هو في قصر القادسية، مع الحرم والذرية، ومعه في القصر أبو محجن الثقفي محبوساً في شراب شربه (أي عقوبة له لأنه شرب خمرةً).

ثم إن سعداً تقدم إلى عمرو بن معدي كرب، وقيس بن هبيرة، وشرحبيل بن السمط، وقال: إنكم شعراء وخطباء وفرسان العرب، فدوروا، في القبائل والرايات، وحرضوا الناس على القتال.

معركة القادسية

قال: ثم زحف الفريقان بعضهم إلى بعض، وقد صف العجم ثلاثة عشر صفاً، بعضها خلف بعض، وصفت العرب ثلاثة صفوف، فرشقتهم العجم بالنشاب حتى فشت فيهم الجراحات، فلما رأى قيس بن هبيرة ذلك، قال لخالد بن عرفطة، وكان أمير الأمراء: أيها الأمير، إنا قد صرنا لهؤلاء القوم غرضاً (أي صرنا هدفاً لرماة سهامهم)، فاحمل عليهم بالناس حملةً واحدة، فتطاعن الناس بالرماح ملياً، ثم أفيضوا إلى السيوف.

وكان زيد بن عبد الله النخعي صاحب الحملة الأولى، فكان أول قتيل، فأخذ الراية أخوه أرطاة، فقتل، ثم حملت بجيلة (أي أقدم المجاهدون من أبناء هذه القبيلة)، وعليها جرير بن عبد الله، وحملت الأزد، وثار القتام، واشتد القتال، فانهزمت العجم حتى لحقوا برستم، وترجل رستم، وترجل معه الأساورة والمرازبة (وهي من ألقاب قادة الجند عند الفرس) وعظماء الفرس، وحملوا (أي قاموا بهجومٍ مضادٍ على المسلمين)، فجال المسلمون جولة. وكلم أبو محجن أم ولد سعد، فقال: "أطلقيني من قيدي، ولك علي عهد الله إن لم أقتل أن أرجع إلى محبسي هذا وقيدي". ففعلت، وحملته على فرس لسعد أبلق (أي لونه بين الأبيض والأسود)، فانتهى إلى القوم مما يلي الأزد، وبجيلة، مما يلي الميمنة، فجعل يحمل (أي راح يهاجم الفرس بشجاعة)، ويكشف العجم، وقد كانوا كثروا على بجيلة، فجعل سعدٌ يعجب، ولا يدري من هو، ويعرف الفرس.

وبعث سعد إلى جرير بن عبد الله، وكان معه لواء بجيلة، وإلى الأشعث بن قيس، ومعه لواء كندة، وإلى رؤساء القبائل: "أن احملوا على القوم من ناحية الميمنة على القلب". فحمل الناس عليهم من كل وجه، وانتقضت تعبية الفرس، وقتل رستم، وولت العجم هاربةً ،وانصرف إلى محبسه أبو محجن، وطلب رستم في المعركة (أي بحثوا عنه في أرض المعركة)، فأصيب بين القتلى (أي وجد بينهم)، وبه مائة جراحة، ما بين طعنة وضربة، ولم يدر من قتله.

وانتهت هزيمة العجم إلى دير كعب فنزلوا هناك، فاستقبلهم النخار جان (وهو قائدٌ فارسي)، وقد وجهه يزدجرد مدداً، فوقف بدير كعب، فكان لا يمر به أحد من الفل (أي من المنهزمين) إلا حبسه قبله.

ثم عبئ القوم، وكتبوا كتائبهم وأوقفوهم مواقفهم حتى وافتهم العرب، وتواقف الفريقان، وبرز النخرجان، فنادى: "مرد ومرد" أي رجلٌ ورجل، فخرج إليه زهير بن سليم أخو مخنف بن سليم الأزدي، وكان النخارجان سميناً بديناً جسمياً، وزهير رجلاً مربوعاً (أي لا هو بالقصير ولا بالطويل) شديد العضدين والساعدين، فرمى النخارجان نفسه عن دابته عليه، فاعتركا، فصرعه النخارجان، وجلس على صدره، واستل خنجره ليذبحه، فوقعت إبهام النخارجان في فم زهير، فمضغها (أي عضها بشدة)، واسترخى النخارجان، وانقلب عليه زهير، وأخذ خنجره وأدخل يده تحت ثيابه، فبعجه (أي شق بطنه)، وقتله.

وكان برذون (أي حصان) النخارجان مدرباً، فلم يبرح (أي ظل واقفاً مكانه)، فركبه زهير وقد سلبه سواريه ودرعه وقباءه ومنطقته، فأتى به سعداً، فأغنمه إياه (أي أن القائد العظيم سعداً وهب كل حلي القائد الفارسي القتيل غنيمةً للبطل الذي قتله)، وأمره سعد أن يتزيى بزيه، ودخل على سعد، فكان زهير بن سليم أول من لبس من العرب السواريين.

وحمل قيس بن هبيرة على جيلوس رأس المستميتة، فقلته، وحمل المسلمون من كل جانب، فانهزمت العجم، وبادر جرير بن عبد الله إلى القنطرة، فعطفوا عليه، فاحتملوه برماحهم، فسقط إلى الأرض، ولحقه أصحابه، وهربت عن العجم، ولم يصبه شيء، وعار فرسه (أي هرب)، فلم يلحق، فأتى ببرذون من مراكب الفرس في عنقه قلادة زمرد، فركبه، وذهبت العجم على وجوهها حتى لحقت بالمدائن (وهي كما ذكرنا عاصمة كسرى).  

الخليفة يتلقى نبأ النصر

وكتب سعد إلى عمر رضي الله عنه بالفتح. وكان عمر يخرج (من المدينة المنورة) في كل يوم ماشياً وحده، لا يدع أحداً يخرج معه، فيمشي على طريق العراق ميلين أو ثلاثة، فلا يطلع عليه راكب من جهة العراق إلا سأله عن الخبر، فبينما هو كذلك يوماً طلع عليه البشير بالفتح، فلما رآه عمر رضي الله عنه ناداه من بعيد: ما الخبر؟ قال: "فتح الله على المسلمين، وانهزمت العجم". وجعل هذا الرسول يخب ناقته (أي يحثها على مواصلة المسير بسرعة باتجاه المدينة)، وعمر يعدو معه ويسأله، ويستخبره، والرسول لا يعرفه، حتى دخل المدينة كذلك، فاستقبل الناس عمر رضي الله عنه، يسلمون عليه بالخلافة وإمرة المؤمنين، فقال الرسول، وقد تحير: سبحان الله يا أمير المؤمنين ألا أعلمتني؟.. فقال عمر: "لا عليك". ثم أخذ الكتاب، فقرأه على الناس.  

يتبع في العدد القادم بإذن الله...




 

 

أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح ©  2009