العدد 152 - 15/7/2009

ـ

ـ

ـ

 

عبد الكريم محمودي

انطلقت مجموعة من نساء بني سعد يردن مكة يلتمسن الرضعاء، بعد أن قسا الزمان على الفقراء وأجدبت من حولهم الصحراء، فلم تُبق ولم تذر.. فلما قدمن مكة أخذت كل واحدة منهن طفلاً للرضاع، وما من امرأة منهن إلا عُرض عليها محمد بن عبد الله فكانت ترفض أن تأخذه، إذا قيل لها إنه يتيم، وذلك إنما يرجون المعروف والعطاء من أبي الصبي، فكانت كل واحدة منهن تقول: يتيم فما عسى أن تصنع أمه وجده..

وكانت حليمة السعدية وزوجها وطفلها الرضيع مع هذا الركب، فلما قرروا العودة إلى باديتهم، قالت حليمة لزوجها:

-  إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعاً..

وقفت حليمة حائرة حزينة، ثم أطرقت قليلاً تفكر.. نفحة قدسية غمرت روحها، فقالت لزوجها:

-  والله لأعودن إلى ذلك اليتيم فلآخذنّه.

فقال لها زوجها: افعلي فعسى أن يجعلَ الله لنا فيه بركة.

قالت: فذهبتُ فأخذته.. فلما أخذته ووضعته في حجري امتلأ ثدياي بالحليب، فشرب الطفل اليتيم حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما.. والله ما كان ابني ينام قبل ذلك من الجوع، وما كان في ثديي ما يكفيه من الحليب..

وقام زوجي إلى شاة لنا فإذا في ثدييها حليب كثير، فحلب منها ثم شرب حتى روي، ثم سقاني فشربت حتى شبعنا، ثم قال لي زوجي:

-  والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة..

قلت: والله إني لأرجو ذلك.

قالت: ثم خرجنا حتى قدمنا منازلنا من بني سعد، وما أعلم أرضاً من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تذهب إليها لترعى، فتجد فيها المرعى الخصب، فتأكل حتى تشبع، وتمتلئ ضروعها (أثداؤها) بالحليب، وترجع إلينا، فنحلبها ونشرب ونشرب حتى نرتوي، وما يحلب إنسان غيرنا قطرة من غنماته، ولا يجدها في ضرع..




 

 

أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح ©  2009