العدد 153 - 1/8/2009

ـ

ـ

ـ

 

غزة- ريما عبدالقادر

بمجرد أن سمعت والدة الشهيدة جاكلين خبر الإعلان عن نتائج الثانوية العامة أسرعت مباشرة إلى جهاز الكمبيوتر من أجل البحث عن اسم ابنتها لعلها تجده في قائمة الناجحين لهذا العام. رغم أنها تدرك بأن ابنتها قد غابت بجسدها عنها إلا أن روحها لازالت تخيم في منزلها الكائن شمال قطاع غزة. فكانت كثيراً ما تخاطب نفسها "هل سأجد اسم جاكلين محمد حسني؟؟"

بالفعل قد وجدته إلا أنه كان مكتوباً في قائمة شهداء محرقة غزة.

أم جاكلين وغيرها الكثير من أهالي شهداء غزة جمعت قلوبهم بين الألم لفقدان الأحبة وآخرين حملوا بجوار الألم أمل نجاح أبناء الشهداء في الثانوية العامة.

 

في قائمة الشهداء

حاولت أم جاكلين في بداية كلماتها أن تحافظ على هدوئها إلا أن عاطفة الأمومة كانت أكبر بكثير من ذلك خاصة حينما تتذكر بأن ابنتها من المجتهدات وكان من المتوقع لها بأن تكون من أوائل قطاع غزة. وذكرت وقلبها لا يزال ينطق باسم جاكلين: "بمجرد أن سمعت أن اليوم نتائج الثانوية العامة بدون أي شعور وجدت أصابعي تكتب اسم جاكلين".

وتابعت ونبرات صوتها خنقتها دموع حاولت أن تمنعها من السقوط على خديها:" بالفعل لقد وجدت اسمها ولكن في قائمة الشهداء".

صامتْ عن الكلام لتكون الدموع هي سيدة الموقف لكن إيمانها بالله تعالى بأن ابنتها حصلت على شهادة أكبر بكثير من شهادة الدنيا كان يخفف احتراق قلبها خاصة حينما تجد من حولها قد نجح في الثانوية العامة.

وذكرت بأنها كانت تبحث عن أسماء صديقاتها اللاتي جاورنّ جاكلين في مقاعد الدراسة لسنوات طويلة وحينما تجد أسماءهن بين الناجحات كانت تقول :"لو كانت ابنتي معهن لكانت أكثر تفوقا.. حيث كانت تتمنى أن تكون طبيبة ..الحمد لله على كل حال".

وبينت بأنها كانت تفعل ذلك لتعيش الأجواء التي كانت سوف تعيشها في حال وجود ابنتها جاكلين.

ومن الجدير بالذكر أن جاكلين استشهدت في منزلها أثناء محرقة شمال قطاع غزة.

وفي ملامح حزينة كانت تحيط وجه والدة الشهيد محمد حويج حينما كانت تسمع عبر الإذاعة المحلية أسماء الناجحين في الثانوية العامة وأكثر ما يزيد قلبها في الخفقان حينما يذكر اسم محمد، فكانت تتمنى أن تعيش أجواء أمهات الناجحين في الثانوية العامة وتستقبل ابنها وتوزع الحلوى على أحبتها إلا أن هذه الأحلام قتلتها صواريخ الاحتلال الإسرائيلي التي قصفت منزلها في 27/12 من العام الماضي فأدت إلى استشهاد زوجها وثلاثة من أبنائها من بينهم محمد الطالب في الثانوية العامة.

وقالت بقلب يحمل عاطفة حنان الأم على أبنائها: "كم تمنيت أن اسمع اسم ابني محمد ويكون ناجحاً بالثانوية العامة ويسجل بالجامعة مثله مثل زملائه الذين نجحوا اليوم".

وتابعت بكلمات تمتزج بين الصمت تارة والكلام تارة أخرى:" كان ابني مجتهداً بالمدرسة وكان يتمنى النجاح بالثانوية العامة والتسجيل بالجامعة مع أصدقائه لكن هذه الأمنيات البسيطة قتلها الاحتلال حينما قصف منزلنا وجعله ركام على جثث زوجي وأبنائي".

وأشارت إلى أنها كثيراً ما تشعر بحرقة في قلبها بمجرد أن توقن بأنها لن تجد اسم ابنها في الثانوية العامة، لكن إيمانها بالله تعالى ورحمته هي من تصبرها خاصة أنها ما تنطق بكلمة إلا وتتبعها "الحمد لله لازم الإنسان يصبر".

وفي هذا السياق قرر وزير التربية والتعليم العالي في غزة أ.د. محمد عسقول تكريم كافة الشهداء من طلبة الثانوية العامة الذين ارتقوا خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة "معركة الفرقان، وذلك بمنحهم شهادة "الثانوية العامة الفخرية".

 ويبلغ عدد الطلبة الشهداء ثلاثة وعشرين طالباً، منهم 6 من شمال القطاع، و13 من مدينة غزة، و3 من خان يونس، وواحد من محافظة رفح.

 

الأمل

وفي مشهد آخر كان يحمل الأمل رغم الألم كانت تجسده زوجة الشهيد محمد علي حينما سمعت نتائج الثانوية العامة وقد حصلت ابنتها مجد على معدل 92% ونجاح نجلها علي أيضاً في الثانوية العامة. فكانت ملامح الفرح تخط وجهها الذي حمل من الصبر عنوان لحياتها بعد استشهاد زوجها والعمل على تربية طفليها التوأم مجد وعلي. فكانت لهما بمثابة الأب والأم بعد استشهاد زوجها وهما طفلين لا يتجاوز عمرهما في ذلك الوقت العام بل أقل من عام بكثير.

قالت والابتسامة ترتسم على كلماتها :"الحمد لله لقد أديت الأمانة وتم تتويج صبري وسهري الليالي بنجاح مجد وعلي بفضل الله تعالى ..كم أنا سعيدة حينما أتذكر أنني وفيت بوعدي وبحمل الأمانة التي تركها لي زوجي الشهيد".

وأشارت إلى أنها كثيراً ما كانت تمسك بصورة زوجها وتخاطبه :"كم تمنيت مجد وعلي وأن تكون معهما بهذا اليوم وأن تشاركهما فرحة نجاهما". وما كانت أن تتكلم قليلا حتى تقطع كلماتها حينما يرن هاتفها النقال لتقديم التهاني من أحبتها بنجاح نجليها.

وذكرت أنها رغم الظروف التي مرت بها إلا أنها بفضل من الله تعالى تكللت اليوم بنجاح نجليها. وأحبت أن تهمس لأهالي الشهداء في مسامعهم عليكم بالصبر والتحدي وأن يكون إيمانكم بالله تعالى قوي، فالله تعالى مصدر القوة للإنسان.

ورغم السعادة التي كانت ترتسم على مجد إلا أنها لم تستطع أن تخفي بأن فرحتها ستكون أكبر في حال بوجود والدها رغم أنه استشهد قبل أن تنطق كلمة "بابا"، ومع ذلك اعتبرت نجاحها هدية تقدمها لوالدها الحبيب خاصة بأنها تفكر في دراسة طب الأسنان.

وبالمشاعر ذاتها كان يحملها شقيقها علي وبالهدية ذاتها قدمها لوالده بان يكون رجل قانون يدافع عن فلسطين وشعب فلسطين.

"ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين"




 

 

أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2009