العدد 153 - 1/8/2009

ـ

ـ

ـ

 

غزة- ريما عبدالقادر

أزال الأصم رضوان "19"عاماً حاجز الخوف الذي كان يملأ قلبه الصغير وتقدم بخطوات كبيرة متسارعة نحو جمعية أطفالنا للصم في مدينة غزة بعد أن خرج من منطقة سكنه البدوية وهو لا يعلم عن أي شيء يدور من حوله خاصة أنه نادراً ما يخرج من مسكنه، وهو يحمل دفتر رسمه الذي يحمل كل ورقة من ورقاته قصة إبداع ترسم كل ركن من أركانها الحياة البدوية بأصالة فنية قوية يصعب القول بأنها من أنامل أصم لم يكن يعلم عن عالم الرسم شيء ليغير الدفتر الصغير حياته من لا شيء إلى فنان بوحدة الصناعات الحرفية لدى جمعية أطفالنا للصم..مراسلة"الفاتح"في غزة التقت رضوان عبر صفحة أملها وهو يحمل شعار"لا إعاقة مع الإبداع".

الرسم على الخشب

في وحدة الصناعات الحرفية بجمعية أطفالنا للصم كان يجلس رضوان وهو يتابع خطوط أنامله التي ترسم مباشرة بالألوان الزيتية على قطع الخشب بدون رسم مسبق بقلم الرصاص، ويضع لمساته النهائية على صندوق خشبي مستطيل الشكل رسم عليه المساكن البدوية المتمثلة بالخيمة وبجوارها جمل يتناول الأعشاب الصحراوية الخضراء، وبعض الصبية يلعبون وتعلوهم سماء صافية تتخللها الشمس الساطعة.

كان رضوان من سكان قطاع غزة صاحب ابتسامة فبمجرد التحدث معه تجد الابتسامة ترتسم على ملامح وجهه الشابة ذات البشرة السمراء قبل أن يجيب عن أي سؤال، فكان كثيراً ما يقطع إجابته عن أي سؤال بمجرد أن يرى أحد الزائرين يقترب من منتجاته الفنية ويجد الإعجاب من قبلهم وبمجرد السؤال عن الفنان الذي صنعها يبتسم رضوان ويكتفي بذلك لأنه لا يستطيع القول بكلمة "نعم" فتكون الإجابة بابتسامته.

هذه الابتسامة نادراً ما كانت ترتسم على وجه رضوان بالسابق لأنه كان يجهل الكثير من الأمور خاصة لغة الإشارات والأكثر من ذلك حينما عاد بالذاكرة إلى الوراء وأشار بيده" كنت كثير ما أشعر بالقلق والخوف خاصة حينما كان الاحتلال الإسرائيلي يجتاح قطاع غزة فلازلت أذكر شقيقي عندما قتله الاحتلال الإسرائيلي فقد كان أصم ولم يسمع حينما طلب منه جيش الاحتلال بالتوقف، فبكيت كثيرا على شقيقي وكنت أخشى المصير ذاته".

وحينما نظر إلى الأشغال الفنية المتمثلة بالقطع الخشبية وصناعة المصابيح وعلاقة المفاتيح وغيرها من الأعمال الفنية جعلته يعد الثقة بنفسه ويرسم ابتسامة جديدة بأمل جديدة.

دفتر الرسم

وأوضح رضوان بأنه كان يعيش حياة البدو بحيث كان شبه منعزل عن العالم الخارجي إلا أنه مع ذلك كان يحب الرسم فكانت بيئته مصدر عناوين ومضامين رسوماته.

وبين أنه احتفظ بأكبر عدد من رسوماته داخل دفتره فكان يحافظ عليها خاصة أنه تعني له الكثير في حياته، وفي يوم من الأيام سمع بوجود جمعية تهتم بالصم وكذلك تهتم بمواهب الصم وتعمل على تنميتها وتحاول توفير فرص عمل وخاصة للمبدعين.

وأردف قائلاً:" في ذلك الوقت فكرت كثيرا هل أذهب أو لا ؟؟ لكن الحمد لله تعالى كان الخيار الثاني بالذهاب ومعي دفتر الرسم، إلا أن المشكلة الأولى التي واجهتها بعدم معرفتي لغة الإشارات بل كانت لدي لغتي الخاصة التي أتحدث بها مع إخوتي الصم الثلاثة مما وجد مشكلة لدى مستشارو أطفالنا الاجتماعين بالتواصل معي خاصة أنني لم أذهب بحياتي إلى المدرسة، لكن رسوماتي كانت تدل بأنني إنسان يمتلك الموهبة".

ويذكر أنه بالسابق لم يكن يوجد مدرسة للصم في قطاع غزة فكان ذلك مشكلة لهم في التعليم وممارسة الأنشطة المختلفة مثلهم مثل الآخرين.

وبابتسامة شكر بادلها مع كل شيء في جمعية أطفالنا للصم:" لقد تعلمت في الجمعية لغة الإشارات وتم تعليمي كثير من الأمور كنت أجهلها، كما تم تنمية موهبة الرسم لدي، ولم تكتفي اهتمام الجمعية بذلك بل عملت على توفير لي فرصة عمل في وحدة الصناعات الحرفية وبذلك يكون لي دخل أساعد فيه والدي المسن وأخوتي الثمانية في توفير بعض احتياجاتهم".

وعبر عن سعادته بأنه أصبح إنسان منتج لديه فن يحبه ويحترمه الآخرين، كما أن والديه فخوران به كثيراً.

ورغم أنه أصم إلا أنه حينما تم إجراء فحص قدراته السمعية تبين أنه يمكن علاج الأمر ولو بشيء بسيط من خلال تركيب سماعات الأذن المناسبة له.

وأردف قائلاً بعد أن أتم العديد من رسومات تفاصيل الحياة البدوية الفلسطينية:"لم أتخيل يوماً أن أشعر بالسعادة لهذه الدرجة، أشكر الله تعالى أنني وجدت الإحساس بالأمان واكتسبت العديد من الصداقات، فلم أعد خائفاً، كما كنت بالسابق والجميل أن عائلتي فخورة بي وسعيدة لقدرتي على دعم إخواني وأخواتي".

وكثيراً ما يكون رضوان جالساً بهدوء يرسم صوراً عن الحياة البدوية التي ولد ومازال يعيش بها، والتي تشعر من خلالها بالحياة تنبض برسوماته لنساء بدويات يخبزن على التنور ويطرزن الأثواب ذات التراث الفلسطيني، والصبية ترعى الأغنام والماعز، وهذه الصورة الفنية تجعل المرء يكاد يستنشق رائحة القهوة تغلي على الحطب بليالي الصحراء.

"سبحان الله وبحمده ولا إله إلا الله والله أكبر"




 

 

أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2009