العدد 155 - 1/9/2009

ـ

ـ

ـ

 

إعداد: شريف الراس                                     رسوم: مؤيد نعمة

(1)

ابن الجوزي

لو صدف أنك دخلت بغداد في يوم الجمعة بعد صلاة الظهر –وقبل تسعمائة عام- فسوف لن تجد فيها أحداً بانتظارك. فالشوارع خاليةٌ والأزقة مقفرةٌ، والأسواق مقفلةٌ، والصمت يخيم على كل شيء.

وإذا أسعدك الحظ وقد وجدت صبياً يسير على عجل لتسأله:

- ماذا جرى؟.. أين ذهب الناس؟.

فيجيبك: وأنت، ماذا تفعل هنا يا عم؟.. ما الذي أخرك عن مجلس الشيخ؟

فتصاب بالحيرة وتسأل:

- عفواً إنني غريبٌ هنا ولكن عن أي شيخ تتحدث؟

ويقودك الصبي المسرع من يدك ويقول لك:

- الشيخ ابن الجوزي.. إنه هناك بمجلسه بدرب دينار يجلس للوعظ والإرشاد، والناس يجلسون مستمعين إليه.

وقبل أن تصل إلى مجلس الشيخ بمحلة درب دينار ترى من بعيدٍ جمعاً غفيراً من الناس يجلسون خارج المدرسة.. وقد تحلقوا حول الشيخ حلقة بعد حلقة.. حتى ضاق بهم المكان وانسدت الطرقات.

- ياله من جمعٍ غفير.. ترى كم يبلغ عددهم؟

فيجيبك الفتى:

- في الأسبوع الماضي كان عددهم ثلاثمائة ألف رجل، وربما هم اليوم أكثر من ذلك!

ترى ما السر الذي يجلب الناس إلى مجلس ابن الجوزي ويجعلهم يقدمون منذ الصباح الباكر ليحجزوا لهم أماكن في المقدمة.. ذلك السر الذي يجعل من بغداد المدينة المزدهرة ذات الأسواق المزدحمة تخلو من ناسها.

اجلس واستمع

وتجلس لتصغي إلى الرجل، وهو يتحدث بصوتٍ جهوري واضح وكلامٍ عذبٍ ينم عن علمٍ وفير وذكاءٍ حاد وقدرةٍ فائقةٍ على جعل الآخرين ينصتون إليه بشغفٍ وصمت.

وينتهي المجلس، وينهض الناس شاكرين للشيخ عمله.. وبالمقدمة رجلٌ مهيب الهيئة حلو اللباس يحيط به رجال الحاشية والحراس، يسلم على الشيخ بود وحرارة، وتسأل جارك:

- ترى من يكون ذلك الشخص الجليل؟

فيقول لك: إنه الخليفة المستضيء بالله الذي يحرص على حضور مجلس الشيخ أبي علي والاستزادة من علمه.

وتعود لتسأل الصبي الذي رافقك إلى المجلس:

- أتعرف أشياء كثيرةً عن شيخكم أيها الفتى الرائع؟

يجيبك الفتى بلسانٍ حلو ومنطقٍ سليم وثقةٍ ممتازة:

- نعم، فأنا أحد تلامذته بمدرسته في درب دينار، إن شيخنا أخذ العلم عن كبار علماء عصره ونبغ وهو فتى صغيرٌ. درس اللغة والأدب والفقه والتفسير والحديث. وهو اليوم يقدمها لنا بعد أن نبغ فيها وألف ثلاثمائة كتاب.

وتصاب بالدهشة وتسأل الصبي:

- إنك تبالغ يا صغيري.. إن ثلاثمائة كتاب رقمٌ كبير.

يهز الفتى رأسه ويقول لك:

- لا.. لا أبالغ فأنا أستطيع أن أذكر لك أسماء كتبه كلها.

- وهل قرأت شيئاً من كتبه؟

يريك الفتى كتاباً كان يحمله بيده ويقول:

- نعم.. والآن أقرأ في أهم كتبه وهو (تلبيس إبليس).

وهو كتابٌ ممتعٌ يدعو فيه ابن الجوزي الناس إلى الطريق الصحيح والتنبيه إلى مكائد الشيطان وخداعه التي تزين لهم المعاصي والسيئات.

* * *

لذا فإنني لا أعجب اليوم حين أرى في مدينتنا مدرسةً اسمها ابن الجوزي ومكتبة ابن الجوزي العامة، وهناك شارعٌ سمي باسمه وحيٌ كاملٌ كذلك، وربما منشآت أخرى لا أذكرها.

وفي مكتبة ابن الجوزي العامة ببغداد لوحةٌ وضعت عند الباب قرأت عليها تعريفاً به:

* الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي.

* ولد ببغداد سنة 510هـ وتوفي فيها سنة 597هـ.

* ألف حوالي 300 كتاب في التفسير والحديث والفقه واللغة والأدب والحكايات والنوادر.

* كان واعظ بغداد وعالمها وخطيبها الأكبر.

* من أشهر مؤلفاته: 

- المدهش

- عجائب البدائع

- تلبيس إبليس

- الأذكياء

- نوادر الحمقى والمجانين.

 

كتاب الحمقى والمغفلين

مثلما للأذكياء حكاياتٌ عجيبةٌ وقصصٌ نادرة تشعرنا بالدهشة فإن للأغبياء والحمقى والمغفلين حكاياتٍ أخرى تجعلنا نضحك ونعجب لتصرفاتهم وفساد عقولهم.

وعالمنا العربي الجليل أبو الفرج بن الجوزي صاحب كتاب (الأذكياء) يقدم لنا في هذا الكتاب جانباً آخر من البشر. إنهم أولئك الحمقى والمغفلون في حكاياتهم الضاحكة ونوادرهم العجيبة. إن ابن الجوزي يقلب كتب التراث العربي الخالد بحثاً عن حكايات هؤلاء المغفلين، ويراقب بعينيه من عاش حوله منهم ويسجل سلوكهم وتصرفاتهم ليقدم لنا طبقاً شهياً من هذه الحكايات في كتابه الذي ألفه قبل أكثر من تسعمئة عام تحت عنوان: "أخبار الحمقى والمغفلين".

إنها حكاياتٌ حقيقية وليست نكاتاً، ولكنها ما زالت قادرة على إضحاكنا رغم عمرها الزمني الطويل.

المريض الذي أكل جملاً

عندما نذهب إلى الطبيب عادةً فإنه يسألنا عما أكلنا وشربنا، لكي يعرف سبب مرضنا فيصف لنا العلاج. هذا إذا كان الطبيب عاقلاً. ولكن ماذا لو كان الطبيب مغفلاً!!

في زمانٍ قديم كان يعيش ببغداد طبيبٌ شاطرٌ معروف، وكان يدرس على يديه عددٌ من التلاميذ ليصبحوا أطباء ماهرين، ومن بين التلاميذ كان هناك تلميذٌ مغفل.

وذات يومٍ كان الطبيب يشرح لتلاميذه درساً في أثر الطعام على المريض فقال:

- إذا دخل أحدكم على مريض فعليه أن ينظر إلى بقايا طعامه وشرابه فينصحه بالابتعاد عما لا يصلح له من طعام.

ففهم التلاميذ الدرس وبضمنهم ذلك التلميذ المغفل.

وحدث ذات يومٍ أن دخل هذا التلميذ المغفل على رجلٍ مريض، فنظر في أرجاء بيت المريض فوقع بصره على هودج جملٍ فتمتم في سره مرتاحاً:

- هه.. عرفت سر مرض الرجل.

وراح يفحص المريض وهو يقول له:

- لا أستطيع أن أصف لك الدواء يا سيدي.

فسأله المريض: ولماذا؟

قال: لأنك أكلت جملاً.

دهش الرجل المريض وصاح:

- أنا.. لا والله ما أكلت جملاً قط.

فأشار التلميذ المغفل إلى الهودج وقال:

- وهذا الهودج من أين أتى إذن؟!

المفتاح

كان لبعض التجار ابنٌ أبله لا فائدة منه. وذات صباح ذهب الأب إلى دكانه فوجد اللصوص قد أفرغوا الدكان من محتوياته. وكان من جملة المسروقات صندوقٌ كبيرٌ فيه نقود وحليٌ ومجوهرات.

وجلس الرجل بباب دكانه باكياً نادباً حظه وهو يردد لجيرانه:

- إن أشد ما يؤلمني هو سرقة الصندوق.

فجاء الابن وعندما رأى من بعيد الناس متجمهرين حول دكان أبيه سأل: ما الذي حدث؟

فأجابه أحدهم: دخل اللصوص دكان أبيك وأخذوا الصندوق وما فيه.

وهنا ابتسم الولد وقال مقهقهاً:

- لا بأس.. لم نفقد شيئاً.

فظن الناس أنه خبأ شيئاً أو أنه يعرف مكان الصندوق فانطلقوا راكضين نحو أبيه ليزفوا إليه البشرى. وعندما وصل الابن إلى الدكان سأله أبوه متلهفاً:

- هيه.. ما الخبر يا بني؟

فأخرج الفتى من جيبه مفتاحاً وراح يلوح به أمام أنظار الآخرين وهو يقول:

- ما دام مفتاح الصندوق عندي فلا يقدر اللصوص على فتحه,

وعندما سمع الأب ذلك صاح وهو يلطم وجهه:

- يا ويلاه.. مصيبتي بفقدان عقلك يا ولدي أكبر من مصيبتي بفقدان الصندوق.

أين ذهب الصبي

من المعقول أحياناً أنك تنسى شيئاً وهو في يدك، ولكن عادةً ما يكون هذا الشيء صغيراً بل صغيراً جداً. ولكن هل يعقل أن ينسى أحدٌ شيئاً كبيراً كأن يكون طفلاً مثلاً؟. هذا ما حدث لأحد الحمقى.

فذات يوم خرج أحد الحمقى المغفلين من بيته وهو يحمل معه ابنه على كتفه متوجهاً إلى السوق، وكان هذا الابن الصغير يرتدي قميصاً أحمر اللون. ويبدو أن الرجل في زحمة السوق قد نسي ابنه، الذي كان يحمله على كتفه. فراح يسأل كل من يصادفه:

- هل رأيت صبياً ضائعاً يرتدي قميصاً أحمر اللون؟

فكان الناس ينظرون إلى الطفل على كتفه ويضحكون منه. حتى قال له أحدهم:

- لعله ذلك الصبي الذي على كتفك!

فانتبه المغفل إلى الصبي ولطمه لطمةً كادت ترمي به أرضاً وصاح به:

- أيها الخبيث ألم أقل لك: إن كنت معي فلا تفارقني!

كم هو عدد الحمير؟

لقد كان يعرف الحساب ويجيده، ولكنه ذات يوم وجد نفسه عاجزاً عن العد من الواحد إلى العشرة. فماذا حدث له؟ تابعوا معنا هذه الحكاية:

كان يعيش في قريةٍ من قرى بغداد رجلٌ مغفلٌ، وكانت لديه عشرةٌ من الحمير، يخرج بها إلى السوق ليستخدمها في نقل حوائج الآخرين. وذات يوم وقبل مغيب الشمس أراد أن يعود إلى البيت، فركب أحد الحمير وراح يعد حميره فإذا هي تسعةٌ. فاستعاذ بالله من الشيطان الرجيم ونزل من على ظهر حماره وراح يعد الحمير.. واحد.. اثنان.. ثلاثة.. عشرة. فاطمأن قلبه وامتطى ظهر أحد الحمير وراح يعد ثانيةً لكي يتأكد: واحد.. اثنان.. ثلاثة فإذا هي تسعة حمير. وهكذا عد حميره عدة مرات، إذا هي عشرةٌ عندما يكون مترجلاً عن ظهر حماره، وإذا هي تسعةٌ عندما يكون ممتطياً ظهره، وهكذا تأخر الرجل وكان طريقه إلى البيت بعيداً، فماذا فعل؟. لقد فكر وفكر طويلاً ثم قرر في نفسه قائلاً:

- أنا أمشي وأربح حماراً خيرٌ من أن أركب ويضيع مني حمار.

وهكذا راح يقطع الطريق الطويل الممتد ما بين قريته والسوق مشياً حتى كادت تتلف قدماه.

يتبع في العدد القادم بإذن الله....




 

 

أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2009