العدد 156 - 15/9/2009

ـ

ـ

ـ

 

قصة : عبد الودود يوسف                      رسوم : هيثم حميد

غداً سيكون العيد، وأبو سعيدٍ الفوال يهيئ قدوره، وينظف طاولته، ويمسح صحونه الصغيرة التي سيأكل أطفال الحي فيها الفول المسلوق. كان يطحن الملح والكمون وأولاده الصغار يطوفون حوله يتبخترون بألبستهم الجديدة، وأحذيتهم اللامعة. كان ينظر إليهم ويقول لنفسه:

"في العيد سأربح كثيراً، سأدفع لجارنا بائع الأحذية ثمن ما اشتريناه من عنده، وكذلك للحلواني والخياط، والبقال".

راح ينقل أدواته إلى الرصيف المقابل لجامع حارتهم الكبير، استعداداً لموسم الخير، موسم العيد.

كان ابنه سعيد يعاونه في نقل الأدوات تلك الليلة، كان يأتي بالأدوات من البيت إلى أبيه الواقف على الرصيف، أداةً بعد أداةٍ. وأبو سعيد يضع كل أداةٍ في مكانها المناسب.

طار عقله، وركض مسرعاً، حين سمع صراخ ابنه سعيدٍ، لقد صدمته سيارة كان يقودها صاحبها كالمجانين، لم يتوقف ذلك السائق الخبيث، بل أسرع هارباً بسيارته من طريقٍ جانبي.

أفاق أهل الحي كلهم على صرخات سعيدٍ وأبيه، وأسرعوا ليعرفوا ماذا حدث. وجده أبوه كتلة من الجراح والدماء ودون حراكٍ.

صاح به ثم هزه فلم يرد عليه، حمله بين ذراعيه وركض به كالمجنون يريد إسعافه. لكن المشفى كان بعيداً جداً. وقد يموت سعيد قبل أن يصل إليه.

أسرع أحد الجيران وأيقظ أخاه وأتى به مع سيارته، وبعد ربع ساعةٍ وصلت السيارة إلى المشفى.

ظن أبو سعيدٍ أنه لن يجد طبيباً لأن الليلة كانت ليلة جمعة وعيدٍ معاً، فقد يكون الطبيب في بيته، لكن ما إن دخل مع جيرانه حتى أتى الطبيب فوراً، وبدأ يسعف سعيداً. فحصه وأنعشه، ثم أعطاه كمية من الدم، وبعد ست ساعاتٍ استيقظ سعيد فرأى أباه وأمه وأهل حيه يجلسون حوله، وكلهم حزين على ما أصابه. حين رآه الطبيب مستيقظاً فرح به، وهمس:

- الحمد لله، ظننا أنك لن تفيق، لقد تأخر وصولك إلى المشفى كثيراً لقد أحياك الله يا بني.

همس أبو سعيدٍ:

- لا يوجد في حارتنا طبيب ولا مستوصف يا سيدي، وقد أتيناك بسعيدٍ فوراً.

التفت الطبيب إلى أبي سعيدٍ وقال له:

- يجب أن نصوره حتى نتأكد أنه سالم من أي كسر في عظامه.

وبعد ساعتين انتهى من تصويره، وكانت النتيجة خيراً فقد كان سليماً من أي كسرٍ.

أمر الطبيب جميع أهله وجيرانه أن يتركوه ليستريح بعد أن اطمأنوا عليه. فخرج أبو سعيدٍ إلى عمله. وجد أبو سعيدٍ الناس قد ملؤوا الشوارع، والنهار في أوله. فأسرع إلى أدواته ليطبخ الفول، ويستدرك بعض ما فاته من ربحٍ. وضع قدر الفول على النار ليسلقه، وراح يهيئ أدواته.

اقترب وقت صلاة الجمعة، وأخذ أهل الحي يأتون إلى الجامع، كانوا يقفون أمام أبي سعيٍدٍ ويسألونه عن ابنه، كانوا يتألمون حين يعلمون أن سعيداً كاد يموت لأنه تأخر عن المشفى، كانوا ينظرون إلى أبي سعيدٍ بحزنٍ شديدٍ حين يرونه لم يبع من فوله شيئاً لانشغاله بمرض ابنه.

كان أطفال الحي يحتشدون حوله، وكل واحدٍ منهم يمسك صحنه منتظراً فول أبي سعيدٍ اللذيذ.

فكر أبو سعيدٍ: بعد قليلٍ سيؤذن المؤذن لصلاة الجمعة. وإذا أذن فلا يجوز البيع لأن الله يقول:

"إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله، وذروا البيع"

لكن كيف يحافظ أبو سعيدٍ على زبائنه الصغار حتى لا يضيع عليه ما بقي له من ربح في هذا العيد؟!!

وأخيراً وصل إلى فكرةٍ رائعةٍ. خفف النار تحت قدر الفول، ووقف في الأطفال خطيباً، قال لهم:

- يا أطفالي الأعزاء، الفول لن ينضج إلا بعد صلاة الجمعة، من دخل معي إلى الصلاة في الجامع فسوف أعطيه بدل صحن الفول صحنين، فما رأيكم؟

صاحوا جميعاً: كلنا سنصلي الجمعة.

وبعد دقائق أصبحت الساحة خالية من الأطفال حين دخلوا مع أبي سعيدٍ إلى الجامع.

كان سرور أهل الحي كبيراً بعمل أبي سعيدٍ، فأخذ كل منهم طفلاً ليعلمه الوضوء والصلاة، حتى حان وقت صلاة الجمعة.

 

الخطيب يتحدث عن أبي سعيدٍ؟!

فوجئ أبو سعيدٍ بالخطيب يقول في خطبته:

"أيها المسلمون، هل عرفتم ماذا جرى مع أبي سعيدٍ الفوال؟.. لقد حلت به كارثة صدمت ابنه سيارة، فكاد يموت بسبب بعد المشفى عن حارتنا. إن حارتنا تحتاج إلى طبيبٍ. وهذا واجب عليكم جميعاً حتى لا تصيبنا كارثة مقبلة فنفقد أولادنا أو أحد إخواننا لأن المشفى بعيد عنا. يجب أن نحل هذه المشكلة. يجب أن نفتح في حارتنا عيادةً أو مستوصفاً. ثم إن أبا سعيدٍ الفوال لم يبع اليوم شيئاً من فوله، فهو معرض لخسارةٍ مؤكدةٍ. إنه رجل طيب، وكلنا نحبه، فمن أين يأتي بثمن الدواء لابنه، والطعام لأهله؟!... يجب أن ننشئ جمعيةً نعطيها زكاة أموالنا، لتسعف الذين يصابون بالنكبات من أبناء حارتنا، هذا فرض علينا مثل الصلاة. وإن لم تكف الزكاة دفعنا من أموالنا حتى لا يبقى فقير في حارتنا".

انتهت الصلاة، وسلم الجميع على أبي سعيدٍ، لكنهم فوجئوا حين رأوا جارهم الطبيب سامي يصعد إلى المنبر ويقول:

- إخواني أحب أن أعلمكم أنني سأترك عملي في المشفى لأن فيه عدداً كبيراً من الأطباء، وأفتح عيادة في حارتنا لكنني لا أملك ثمن البيت المناسب لأفتح فيه عيادتي. فإن أعنتموني بفتح العيادة وتجهيزها فأنا تحت أمركم"

ونزل عن المنبر.

صعد بعده على المنبر التاجر أبو سميحٍ، فقال:

- أنا أدفع ثمن البيت الذي يختاره طبيبنا الشهم في هذا الحي، وهو هدية مني للجمعية التي سننشئها.

كان سرور أهل الحي عظيماً، لقد وجدوا لمشكلتهم حلاً. لكنهم فوجئوا بما هو أجمل من ذلك رأوا آل كريم الذين يجتمعون في إحدى نواحي المسجد، ثم صعد أحدهم على المنبر وقال:

- لقد اجتمعت أسرتنا في هذا المسجد، وقرروا أن يتكفلوا بدفع ثمن أدوات العيادة التي سيفتحها الطبيب سامي.

وما زال الرجال يتكلمون حتى أنشؤوا الجمعية، وسجل كل رجل منهم كم سيدفع لها كل شهرٍ، حلوا مشكلتهم في صلاة الجمعة.

 

أبو سعيدٍ يعود إلى فوله

كان أطفال الحي يلحون على أبي سعيدٍ كي يخرج من الجامع ليبيعهم الفول. فخرج مسرعاً ليصب لهم الفول في الصحون، ويزيدهم صحناً كما وعدهم، فأكلوا حتى شبعوا.

وجد أبو سعيدٍ أن فوله لن يكفي، فملأ قدراً أخرى بالفول وراح يسلقه. ما كان يستريح إلا في أوقات الصلاة.

كاد الليل ينتصف وأولاد الحي يتوافدون عليه، عجب لذلك أشد العجب، كيف يسمح أهل الحي لأولادهم بالسهر حتى منتصف الليل. وأخيراً عرف أن أهلهم كانوا يرسلونهم عمداً إلى أبي سعيدٍ الفوال، ويعطونهم المال ليشتروا الفول من عنده.

صباح اليوم التالي اجتمع حول أبي سعيد رجال الحي وبأيديهم الصحون الكبيرة، يشترون منه الفول.

كم كانت فرحة أبي سعيدٍ الفوال عظيمة حين أحصى أرباحه. كانت أكثر من أي عيدٍ سبق. لكن فرحته كانت أعظم بكثيرٍ حين دخل داره ليستريح فوجد ابنه سعيداً ومعه الدكتور سامي يحقنه إبرة ويطمئن على حالته لم يستطع أن يكتم فرحته. همس للطبيب:

- لقد أكرمنا الله بصلاة الجمعة يا دكتور. فيها نجتمع جميعاً، نزداد علماً بديننا، ونحل مشاكل حينا كما يأمرنا إسلامنا، فكيف يترك بعض الناس هذا الدين العظيم؟!!

همس الطبيب سامي: إن خير صلاة الجمعة لا يقدر.

طرق باب دار أبي سعيدٍ ، فلما فتحه رأى جارهم أبا سميحٍ يقدم له ألف ليرةٍ معونةً له من جمعية الحي. وأخبره أنهم قد اشتروا له حانوتاً مناسباً ليبيعهم فيه فوله الطيب.

غادر الطبيب داره، وغادر أبو سميحٍ أيضاً، ودخل أبو سعيد الفوال إلى بيته وهو يقول:

- إن خير صلاة الجمعة لا يقدر.




 

 

أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2009