العدد 157 - 1/10/2009

ـ

ـ

ـ

 

قصة : عبد الودود يوسف             رسوم : هيثم حميد

لم يشعر نارتا بالراحة كما شعر بها منذ شهرٍ، تبدلت حياته من شقاءٍ إلى راحةٍ وأملٍ، وأشرقت نفسه بالخير، وذهبت منها كل تعاسةٍ. كان يتمنى أن يضع الحاج محمد –الذي أوصله إلى هذه السعادة- في قلبه. ذلك التاجر الليبي الشهم الذي يأتي إلى قبيلتهم كل عامٍ، حاملاً معه أنواع البضائع. كان يبهره بقوة شخصيته وشهامة نفسه التي ليس لها حدود.

كان يبيع بضاعته لقبيلة الهاسبا، ثم يوزع معظم أمواله على فقراء هذه القبيلة ما أروعه!! وما أكرمه!!.. لم يبق بيت في القبيلة إلا ودخلت إليه هدايا الحاج محمد الليبي الكريم.

لم ينس نارتا مساء ذلك اليوم حين طرق الحاج محمد بابه، ودخل إلى بيته، كان يحمل سلة مملوءةً بالألبسة الملونة بشتى الألوان أهداها لنارتا وزوجه وأولاده، وسهر عندهم تلك الليلة الخالدة.

ولم ينس نارتا وزوجه كيف قام الحاج محمد عند منتصف الليل فتوضأ وصلى، فلما سأله نارتا عما فعل حدثه عن الصلاة.

وما أعظمها من سهرةٍ انتهت بدخول عائلة نارتا كلها في الإسلام. لقد عرفوا أن الإسلام ما جاء إلا ليقود الناس إلى أسعد حياةٍ في الدنيا قبل الآخرة.

أغلق نارتا بابه وجلس يصلي. لقد أحب الصلاة حباً عظيماً. إنه يخاطب في الصلاة ربه، يخاطب الله خالق الأرض والأشجار والنجوم والأكوان كلها.

كان نارتا يشعر بالعزة حين ينتهي من صلاته لأنه يقف في صلاته أمام رب العالمين فهو عظيمٌ لأنه يستطيع ذلك. 

إنه حين يحاول الحديث مع همايون رئيس قبيلتهم فإنه يحتاج إلى ألف وسيلةٍ كي يصل إليه، وهو ذلك الفظ الغليظ الظالم. كان بارتا يكرهه. وهمايون حين يتحدث إليه ينظر إليه باحتقار، ويسخر منه. كان نارتا يخشى باستمرار أن يصيبه همايون بالضرر. أما في الصلاة، فإنه يقف مع الله العظيم الجبار، يخاطبه، ويسأله، ويطلب منه ما يريد، دون أن يخاف منه، لأنه رحيمٌ وعظيمٌ يستجيب لدعائه، ويحيطه برعايته.

طارت تأملاته هذه وقفز كالنمر حين سمع صرخات سوراتٍ ابن أخيه. خرج من البيت يحمل رمحه وخنجره. رأى سورات يقف فوق شجرةٍ مذعوراً، وتحت الشجرة نمر يستعد للقفز إلى سوراتٍ ليقتله.

لوح نارتا برمحه، ورماه بكل قوته، فصرخ النمر صرخة مدوية، ثم وقع ميتاً بعد أن اخترق الرمح بطنه. قفز سورات من فوق الشجرة. وأسرع إلى يد عمه ليقبلها بينما كان أطفال القبيلة كلهم يدورون حول النمر المقتول متفرجين عليه.

تلألأ قلب نارتا بالفرح حين دخل بعد قتله للنمر بدقائق إلى بيت جارهم يوربا فوجده يصلي. وحدث ما لم يتوقعه نارتا ولا يوربا. سمعا أقدام رجلٍ يقترب فخرج يوربا ليرى من القادم، فصرخ بأعلى صوته:

- أهلاً.. أهلاً.. أهلاً..

أسرع نارتا فوجد الحاج محمد الليبي يدخل البيت. جلس الثلاثة فرحين، واشتعل يوربا بالفرح حين ذكر الحاج محمد أن خمسين أسرة من قبيلة الهاسبا قد أصبحت مسلمةً، وأنهم سيجتمعون غداً ليصلوا الظهر معاً في حقل الزيتون على ضفة النهر.

كان نارتا ينظر إلى الرجال يتوافدون إلى حديقة الزيتون ويتعانقون بأخوةٍ رائعةٍ. وحبٍّ عظيم. وأخيراً وقفوا للصلاة. صلوا ثلاث ركعات بهدوءٍ، وما إن قاموا للركعة الرابعة حتى سمعوا قهقهات عالية تأتي من خلفهم، ثم رأوا همايون رئيس قبيلتهم يطوف حولهم مع رجاله وهو يصرخ:

- ماذا يفعل هؤلاء؟.. إن حركاتهم مضحكة.

اقترب من نارتا وصرخ به:

- نارتا.. ماذا تفعل؟!

لكن نارتنا لم يجبه.. كان يصلي. ناداه مرةً ثانية فلم يلتفت إليه، غضب همايون جداً كيف لا يجيبه نارتا. اقترب منه وجلده بسوطه فلم يتحرك. كان يفعل مثلما يفعل الإمام.. كان يطيع الحاج محمداً، ولا يطيع همايون.

أتم الحاج محمد صلاته، فلما انتهى وقف بسرعةٍ، ووقف خلفه المصلون كلهم. اقترب الحاج محمد من همايون الذي كان يغلي بالغضب وهمس له: 

- هون عليك يا سيدي.

صرخ همايون:

- وماذا كنتم تعملون يا حاج محمداً؟!..

فلما أخبره أنهم كانوا يصلون، وأفهمه ما هي الصلاة صرخ به همايون:

- وهل يأمركم ربكم أن لا تطيعوني إذا ناديتكم وأنا رئيس قبيلتكم؟!!

ثم تابع صراخه: وهل ربكمٍ بحاجةٍ إلى صلاتكم؟ ألا يعتبركم مؤمنين إلا إذا صليتم له؟

قهقه قهقهاتٍ عاليةً بينما كان أتباعه كلهم يصفقون له.

امتلأ الحاج محمد بالغضب وصرخ بهمايون:

- إن الصلاة لخيرنا نحن، وهي لا تفيد الله شيئاً. إنها تعلمنا الأخلاق، وتدفعنا إلى الجهاد لإسعاد الناس كلهم، فهل في هذا ما يضحك؟!

تسلل يوربا بهدوءٍ وذهب إلى مكانٍ مرتفعٍ لينظر منه ماذا سيجري. هدأ همايون، فسأل الحاج محمداً:

- وماذا يحدث لكم إن لم تصلوا؟....

طمع الحاج محمد بهمايون حين رق كلامه. فقال له:

- يا سيدي.. إن من لا يصلي فإن الله سيدخله في النار.. إن الملائكة يسألون الناس الذين يدخلون النار يوم القيامة: ما سلككم في سقر؟.. أي ما هو السبب الذي أدخلكم النار؟ فيقولون لهم: لم نك من المصلين.

فوجئ الجميع بهمايون يصرخ:

- أما أنت يا حاج محمد، فيجب أن تترك أرض القبيلة فوراًَ. وأما أنتم الذين كنتم تصلون، فإما أن تطيعوني، وإما أن أحرقكم بنار ربكم سقر.

صرخوا جميعاً: لكننا لم نفعل ذنباً؟

حمل أتباع همايون الحاج محمداً بعيداً، ثم أشعلوا النيران وأحرقوا المسلمين كلهم. كان الحاج يصرخ وهم يحملونه:

- سيحرقك الله أيها المجرم، سيعذبك عذاباً لا تتصوره.

بينما كانت قهقهات همايون تملأ الأجواء، ودخان الحرائق الممزوج بروائح لحوم المحروقين يملأ الغابات كلها.

اجتمع أبناء القبيلة ليروا ما الخبر؟.. فوجئوا بهمايون يقهقه، والناس يحترقون، سمع الجميع صراخاً من خنادق النيران:

- سورات.. سورات..

قفز سورات من بين الجموع رأى عمه يحترق بالنار، صرخ حين رآه:

- نارتا.. عمي نارتا لماذا يحرقونك؟

وهجم على النار يريد إخراجه، لكن رجال همايون أحاطوا به، وربطوه بالحبال، ثم حملوه إلى رئيسهم همايون. صرخ به همايون:

- لماذا تصرخ يا سورات؟ عمك رفض طاعتي، فأحرقته.

فوجئ الجميع بسورات يمسح دموعه ويصرخ:

- إن كان عمي نارتا لم يطعك، فيجب أن تحرقه.

قهقه همايون وصرخ:

- فكوا حبال سورات، إنه منذ اليوم قائدي الأول.

هبت العواصف هائجة، فاهتزت الأشجار وأسقطت أوراقها وثمارها، كما اهتزت الأكواخ وأسرع الرجال إلى بيوتهم يحتمون بها، ثم هطلت الأمطار غزيرة.. غزيرة، حتى غطى الليل الدنيا..

لم ينم رجال الهاسبا تلك الليلة، كانوا يبكون أقرباءهم الذين أحرقهم الطاغي همايون بينما كان همايون يحتفل بنجاحه السعيد.

عوت الذئاب والرياح، ثم هدأ كل شيءٍ إلا رجلاً كان يقفز كالقط مقترباً من خنادق النيران. رأى منظراً مرعباً، رأى المؤمنين المحروقين قد تحولوا إلى كتلةٍ من فحمٍ. عرفهم واحداً واحداً. كان يبكي بصمتٍ. لكنه تجمد دمه حين أحس بمن يقترب من ساحة النيران: أمسك برمحه، وراح ينتظر. رأى رجلاً يقفز بين الأشجار.. امتلأ قلبه بالفرح حين رآه، همس:

- يوربا.. يوربا.. لا تخف.. أنا الحاج محمدٌ.

تعانقا، ودارا بين الجثث، لكنهما لم يجدا جثة التقي نارتا. عجبا لذلك أشد العجب.

همس يوربا: أرأيت ما فعله سورات؟! هذا الخائن الحقير!

همس الحاج محمد: لا تقل هذا يا يوربا.. لا ندري لماذا فعل ذلك. هل تزوره!!

أصيب يوربا بالدهشة وهمس:

- نزوره وهو من أعوان همايون وقائده الأول؟!!

أجابه الحاج محمد: هيا معي إليه، إنه لا يخوننا أبداً.

كانا يتسللان بين الأشجار بهدوءٍ. رأيا بيوت القبيلة كلها تنبعث منها الأنوار، كأن الناس لم يناموا. ولما اقتربا من بيت سورات سمعا بكاءً.

طرق الحاج محمد الباب، فاضطرب البيت كله. ثم فتح بعد فترةٍ. دخل الحاج محمد دون أن ينتظر، ودخل يوربا خلفه، فوجئا بسورات يضمهما إلى صدره بعنفٍ. دخلا فوجدا جثة نارتا في سرير سورات. وفوقها الأزهار والورود.

همس الحاج محمد:

- أتحب همايون أكثر أم نارتا يا سورات؟

رفع سورات خنجره بيمينه وهمس:

- بهذا الخنجر سأذبح همايون.

همس يوربا: لكن رجاله أكثر منا، ولم يبق غيرنا في القبيلة من المسلمين.

همس الحاج محمد: لكنني رأيت النور ينبعث من بيوت قبيلة الهاسبا كلها. فأهلها ساهرون، لماذا يا سورات؟!!

همس سورات: سأذهب إلى جارنا لأعرف السبب.

وبعد لحظاتٍ عاد سورات مع جاره الذي قال للحاج محمدٍ:

- لم أستطع النوم.. لقد قتل همايون جدي.

همس يوربا: كن معنا وسينتقم الله لك.

همس بحماسة: أنا معكم.. أنا معكم..

وراح الأربعة إلى أربعة بيوت يضيئها النور، كان أصحابها يبكون، فدخلوا جميعاً في الإسلام وراح الثمانية إلى ثمانية بيوتٍ أخرى..

وما لاح الصباح إلا وجميع البيوت التي كان أهلها يسهرون قد أصبحوا مسلمين. رتب الحاج محمد خطته، وراح الجميع ينفذون ما اتفقوا عليه.

همايون.. إلى الجحيم..

ضجت الغابة بصرخات سورات:

- سيدي همايون.. لا زال هناك من يصلي مع الحاج محمدٍ..

قفز همايون وهو يصرخ:

- أيها الكلاب.. ألا تخافون من الموت حرقاً؟؟!

زاد صراخه: يا سورات... اجمع الرجال.. والحقني..

أحاط رجال همايون بقيادة سروات بالمسلمين الذين كانوا يصلون مع الحاج محمد في حديقة الزيتون. صرخ همايون:

- أيها الكلب، كيف تخالف أمري!! ألم أطردك من قبيلتنا.

همس الحاج محمد: لكنك عزيز على قلبي يا همايون، أحب أن تكون من الذين يدخلون الجنة بدل النار.

قهقه همايون وصرخ: تريدني أن أصلي حتى أنجو من عذاب ربك في سقر؟ أليس كذلك؟!!

صاح الحاج محمدٌ: نعم.. هذا ما أريده، فلماذا لا يكون؟!

صرخ همايون كالمجنون: سورات..

قفز سورات.. وهو يصيح:

- أمرك يا مولاي، وأسرع راكضاً إليه. وقف أمامه، وصرخ به همايون:

- أريد قلب الحاج محمدٍ الآن، أريد أن آكله.

صاح سورات وهو ينظر إلى الحاج محمدٍ، ويشير إليه بخنجره:

- بهذا الخنجر سأذبحه..

وفي لمح البصر أدار وجهه نحو همايون وصرخ:

- الله أكبر.. 

وطعنه بخنجره فدخلت يده مع خنجره في صدره. وراح همايون يحفر الأرض برجليه كالثور المذبوح. وفوجئ رجال همايون بالأشجار يقفز منها رجال بأيديهم الرماح والسيوف.

صرخ الحاج محمدُ:

- يا رجال همايون.. ألقوا السلاح قبل أن تموتوا.

نظر الجميع إلى همايون فوجدوه قد سكن ميتاً فألقوا أسلحتهم وصاحوا: لا نريد القتال من أجل الظالم همايون.

صاح الحاج محمدُ: إلى خندق النيران لندفن الشهداء.

عاد سورات إلى بيته وحمل جثة عمه نارتا ووضعها على الأرض أمام الحاج محمدٍ بين الورود والرياحين. قال سورات:

- هل نغسلهم؟.. هل نصلي عليهم؟..

همس الحاج محمدُ:

- إنهم شهداء والشهيد لا يغسل، ولا يصلى عليه.

دفنوا جميع الشهداء.. ونظروا إلى جثة همايون ليدفنوها فوجدوا مئات الكلاب تأكلها بنهمٍ شديدٍ.

همس الحاج محمد: سيعرف هذا المجرم يوم القيامة عذاب سقر الذي كان يسخر منه. لم يكن الظالم همايون يتصور أن يجد هذا العذاب الرهيب في جهنم. كانت الملائكة تسحبه على وجهه في النار، ويقولون له: أيها المجرم، هل تحس بسقر؟؟.. وكيف لا يحس بها ونيرانها تدمر وجهه، وتخترق عينيه، ويغلي بها دماغه. وهل يفيده الصراخ؟ هيهات هيهات!!

كانت النيران تتأجج تخترق كل شيءٍ فيه وتحرقه، دون أن يموت.. وما أحلى الموت.. وما أحلى عذاب الملايين من السنين لأنه ينتهي.. أما عذاب سقر فلا ينتهي.. ولن ينتهي.. إنه جزاء عادل للظالمين.

أما نارتا وبقية الشهداء، فكانوا في جنات الله الخالدة، في مجالس لا حد لنعيمها. في نعيم الله الذي لا ينفد.. كانوا يتمنون لو أحرقوا في الدنيا أكثر مما أحرقوا ليزداد جزاؤهم.. ويزداد نعيمهم، بينما كان همايون يتمنى لو يعود إلى الدنيا ليجعل حياته كلها ولو بلغت مائة سنةٍ، يجعلها سجدةً واحدةً يسجدها لله عز وجل حتى يرضى عنه ولا يدخله عذابه.

ولكن هيهات للدنيا أن تعود، وهيهات للكافرين أن يخرجوا من عذاب الجحيم.




 

 

أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2009