العدد 159 - 1/11/2009

ـ

ـ

ـ

 

نازك الطنطاوي

قال الله تعالى في كتابه العزيز:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) (الحج:73).

‏خصّ الله تعالى في هذه الآية الكريمة الذباب لمهانته‏,‏ وضعفه‏,‏ واستقذاره‏,‏ وكثرته‏,‏ فإذا كان الذباب أضعف الحيوانات وأحقرها، لا يقدر من عبدوهم من دون الله -من أصنام وأوثان‏ وأشخاص- على خلق الذباب ودفع أذيته‏,‏ فكيف يكونون آلهة معبودين‏,‏ وأرباباً مطاعين؟ ويتحداهم–جل وعلا- بقوله: إن كل ما تعبدون وتستنصرون وتطلبون منهم المعونة من دوني‏ لن ينفعوكم بشيء، ويتحداهم بخلق ذبابة واحدة إن استطاعوا، بل هم عاجزون أيضاً عن مقاومته، وأخذ ما سلبهم إياه، بما امتص من أجسامهم‏‏.

والذبابة حشرة صغيرة ذات أجنحة شفافة من رتبة ذوات الجناحين. منها ‏مئة‏ ألف نوع‏,‏ تنتشر في مختلف بيئات الأرض‏,‏ منها ما يشبه النحل أو الزنابير بأجسامها وألوانها.

للذبابة المنزلية أرجل مغطاة بالشعر، تنتهي بأهداب ماصة تمكنها من الالتصاق بالأسطح الملساء، فهي تستطيع السير مقلوبة ملتصقة بأسقف الغرف، ويحمل الشعر المنتشر على أرجلها الجراثيم من القاذورات التي تهبط عليها، ولها دبوس توازن في الجناحين الخلفيين يحفظان توازنها أثناء الطيران، وفي قاعدة كل دبوس 418 مستقبلاً عصبياً للحركة لحفظ توازنها. ولها خرطوم ولسان يمتصان الطعام، فإذا صادفت طعاماً صلباً كالسكر تصب عليه من ريقها فيذوب ويمتصه الخرطوم، ولها عيون كبيرة تحوي عدداً كبيراً جداً من العدسات السداسية تساعدها على الرؤية من جميع الاتجاهات.

تتكاثر الذبابة بالبيوض، وتضع في المرة الواحدة مئة وخمسين بيضة، وهي عضوية الأكل (حيواني أو نباتي) وتستطيع الطيران من 3-4كم، ويمكنها أن تطير مسافة 34كم دون توقف. ويخفق قلبها 1000 مرة في الدقيقة الواحدة.

ويحدثنا الله تعالى عن هؤلاء (الجاهلين بالله) بأنهم ضعفاء، فهم لا يستطيعون تخليص ما يسرقهم الذباب من طعام، فهي تمتلك خاصية تحليل الطعام خارج جسمها، فتمد خرطومها من أسفل رأسها لأخذ الطعام، وتفرز إنزيماً خاصاً لتحليل الطعام وتحويله إلى مادة سائلة لامتصاصه، وهذا يعني أنها – الذبابة- لو أُخذت واُستخرجت ما في بطنها، فلن يكون نفس الشيء الذي امتصته، بل هو شيء آخر ومركبات أخرى متحللة، فما أخذه الذباب لا يمكن لأحد من الناس استرجاعه منها على نفس هيئته، بل يكون متغيراً متحللاً. (ضَعُفَ الطالب والمطلوب) أي ضعف العابد الذي يطلب الخير من الصنم‏,‏ والمطلوب هو الصنم‏,‏ فكلاهما حقير ضعيف‏.‏

 

وفي الهدي النبوي الشريف.. قال صلى الله عليه وسلم: "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء والأخرى شفاء"(رواه البخاري).

واكتشف العلم الحديث أن جناحي الذباب شديد الالتقاط للأوساخ -من بيوض ديدان وطفيليات وجراثيم وبكتيريا وفيروسات، وخاصة فيروسات ملتهمات البكتيريا التي تتخصص كل نوع منها في القضاء على نوع معين من البكتيريا، لذلك أوصانا نبينا الكريم أن نغمس الذبابة كلها بالوعاء الذي سقطت فيه، لأننا لا نعلم بأي جناح فيه الداء والجناح الآخر فيه الدواء.




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2009