العدد 160 - 15/11/2009

ـ

ـ

ـ

 

قصة : عبد الودود يوسف                    رسوم : هيثم حميد

اضطرب سهيان حين نظر إلى ساعته، لم يبق لصلاة المغرب إلا خمس دقائق، وهو لم يصل العصر بعد.

أغلق دفاتر الحسابات، وأسرع إلى المسجد. سمع نداءً خلفه:

- سهيان.. سهيان.. أحب أن أراك.

نظر فرأى شريكه سمارة يناديه، أجابه:

- الحمد لله على السلامة.

صرخ له سمارة: أسرع. إن لك عندي أخباراً سارةً.

أجابه: سآتيك حالاً بعد أن أصلي العصر.

قفز سهيان إلى المسجد، رمى الماء على وجهه ويديه ورجليه، ومسح رأسه. ووقف ليصلي دون أن ينزل أكمامه. وخلال دقيقة واحدةٍ صلى ركعات العصر الأربع نقرها كنقر الديك. وجلس بعد الصلاة متعباً ليستريح. لم يفهم من صلاته شيئاً، ولم يطمئن في ركوعه ولا سجوده. كان له هم واحد فقط، أن يصلي العصر قبل أن يؤذن المؤذن لصلاة المغرب، أسرع خارجاً من المسجد، لكن المؤذن عاجله، فأذن لصلاة المغرب، وبدأ الناس يتوافدون للصلاة فبقي في المسجد حتى يصلي المغرب مع الإمام، ولأول مرةٍ منذ تسعةٍ أشهر ... سأل نفسه:

- ما هي أخبار شريكي سمارة التي قال إنها سارة. لقد ذهب منذ ثلاثة أيامٍ إلى العراق ليشتري من هناك ألف طن من التمور الجيدة فهل استطاع أن يشتريها؟

أجاب نفسه: لكنني لا أظن أنه اشتراها لأنه أخبرني بالهاتف أن تجار التمور قد باعوا جميع ما عندهم قبل وصوله إلى بغداد. فما هي أخباره السارة إذن..؟

اصطف الناس للصلاة، فوقف سهيان معهم، وبدأت الصلاة.

تابع سهيان تفكيره في شريكه سمارة.

سأل نفسه: ما هو الخبر السار الذي جاء به سمارة؟

شعر برجلٍ يقترب منه، ثم يقف معه في الصف يصلي. نظر إلى قدميه فرآه يلبس جوربين مثل جوربي شريكه سمارة، فرح وقال لنفسه:

- هذا سمارة يقف معي، سأسأله بعد الصلاة فوراً  عن خبره السار.

كبر الإمام للركوع، فكبر سهيان وركع مع الناس، ثم سجد وقام للركعة الثانية مع الإمام. قرأ الإمام: "يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارةٍ تنجيكم من عذابٍ أليمٍ"؟!!

عاد سهيان إلى التفكير في أخبار شريكه، قال لنفسه:

- هل كانت تجارة شريكي في العراق رابحةً؟!.

قال في نفسه: لماذا لا أسأله، فهو إلى جانبي..

فلما عزم على ذلك التفت نحو جاره نصف التفاتةٍ، ثم ذكر أنه في الصلاة، فعاد إلى صلاته، لكنه لاحظ أن جاره يلبس ثياباً لم يرها عليه من قبل فسأل نفسه:

- هل يقف إلى جانبي شريكي سمارة أم رجلٌ غيره؟!..

تابع: أما طوله فهو طول سمارة.

فلما ركع الإمام ركع معه ونظر إلى بنطال جاره فوجده لا يشبه بنطال شريكه سمارة، لكنه لما سجد مع الإمام رأى للرجل الواقف إلى جانبه صلعة لامعة. ابتسم وقال لنفسه:

- لا شك أنها صلعة سمارة. لكن من أين أتى بهذا الطقم الجديد؟!! هل اشتراه من العراق؟ وكم دفع ثمنه؟!

ابتسم وهمس: لا بد أن ثمن الجوخ في العراق رخيص، يا ليته أحضر لي من هناك هدية من الجوخ. لكنه أجاب نفسه:

- إن شريكي سمارة رجلٌ بخيلٌ. وأشك أن يأتيني من هناك بمثل هذه الهدية الغالية.

وقف الإمام للركعة الثالثة، فوقف سهيان معه، لكنه فوجئ بجاره يسعل سعالاً حاداً. قال في نفسه:

- إن هذا ليس صوت شريكي سمارة، أم يا ترى قد غير الرشح صوته؟

تابع تفكيره:

- هل مرض شريكي في العراق؟ أم عند عودته؟ هل أثر مرضه على سعيه لتأمين صفقة التمر الكبيرة، لكنه قال لي إن لديه أخباراً سارةً. على الغالب لم يؤثر مرضه على عمله.

سلم الإمام بعد أن انتهت الصلاة، فلما التفت سهيان إل جاره رأى أنه ليس شريكه، قفز إلى حذائه فلبسه وخرج راكضاً إلى دكانه ليسأل شريكه عما جرى معه في العراق.

لم يجد شريكه لكنه وجده قد ترك له ورقة كتب له فيها:

"سأذهب إلى الصلاة، ثم أعود إلى بيتي، وإلى اللقاء غداً، إنني لم أشتر شيئاً من التمر، لقد اشتريت عشرة آلاف مترٍ من الجوخ الأوروبي ذي الألوان الرائعة، وسأحدثك غداً عن كل شيءٍ بالتفصيل".

الجوخ.. الجوخ..

رفع سماعة الهاتف، واتصل ببيت شريكه، لكنه لم يجده في البيت، قال لأهله:

- أرجوكم قولوا لسمارة أن يتصل بي حين يأتي إلى البيت فوراً.

أمسك سبحته وجلس يفكر: من سيشتري كمية الجوخ التي اشتراها سمارة؟..

ومرت ساعة كاملة وبعدها رن جرس الهاتف، فانتفض سهيان، وأمسك بالسماعة وصاح:

- أهلاً بشريكي سمارة، كيف حالك؟

كيف العراق وأهله؟.. ما هو نوع الجوخ الذي اشتريته؟.. هل سأراك الليلة؟..

لكنه سمع من الطرف الآخر يقول له:

- أنا لست سمارة.. أنا..

أعاد سهيان السماعة بعصبيةٍ وهو يتمتم:

- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم،

فلما عاد إليه هدوء نفسه، تساءل:

- من هذا الذي اتصل بي؟

نظر إلى ساعته فوجد أن وقت العشاء قد اقترب، لم يبق له إلا خمس دقائق. قفز إلى الشارع، وأغلق الحانوت.، وأسرع إلى المسجد ليصلي المغرب، نسي أنه قد صلاه، دخل المسجد وتوضأ بسرعةٍ هائلةٍ، ثم وقف يصلي، قال: الله أكبر.

سمع من ورائه رجلاً يضحك ويقول:

- ماذا تصلي يا سهيان؟

فطن سهيان أنه قد صلى المغرب فصلى ركعتين مثل البرق، وجلس يلهث تعباً من صلاته السريعة. التفت خلفه فوجد ابن عمه صاحي يقول له:

- كيف تقفل الهاتف وأنا لم أكلمك بما أريد؟!.. أتاني الآن تاجر تمر من العراق.

لم يكمل كلامه، فقد أذن المؤذن. وصمت صاحي، وراح يردد بالسر مع المؤذن. سأل سهيان نفسه:

"ومن هو تاجر التمر العراقي هذا؟! وأين هو الآن؟!!"

فلما انتهى المؤذن سأل سهيان ابن عمه:

- وهل عند صاحبك العراقي تمر يا صاحي؟!..

أجابه: نعم.. نعم.. وجاء ليبيعه في دمشق، فهل تشتري منه تموره؟!..

ابتدأ الإمام بالصلاة وكبر سهيان، وبدأ الصلاة مع الإمام سأل نفسه:

"كم يملك هذا التاجر العراقي من التمر؟!.. إن كان يريد بيع كميةٍ كبيرةٍ فأنا لا أملك المال الكافي، يا ليت شريكي لم يشتر الجوخ من العراق".

كان يركع ويسجد مع الإمام وهو يفكر في التمر وأخيراً وجد فكرةً رائعةً. لماذا لا يبيع التمر قبل أن يشتريه؟..

قال لنفسه: على كل حال يجب أن أجتمع مع شريكي هذه الليلة.

سلم الإمام، قفز سهيان دون أن يسلم، لقد نسي التسليم في آخر الصلاة. أخذ بيد ابن عمه وقال له:

- أين صديقك العراقي؟!..

لكن ابن عمه لم يجبه. كان يسبح الله، ويستغفره، بعد الصلاة. كاد سهيان يغلي من القلق، فلما خرج ابن عمه من الجامع، قال له:

- كم لدى صاحبك العراقي من التمر؟ وبكم سيبيعه؟؟ وهل يريد ثمنه فوراً؟..

ضحك ابن عمه وقال له:

- أريد أن أسألك: كم ركعةً صليت؟

صمت سهيان وفكر ثم قال:

- وأي صلاةٍ صلينا نحن، أليست صلاة المغرب؟..

ضحك ابن عمه وهمس له:

- لا.. لا.. لقد صلينا الصبح يا صاحبي.

قاطعه سهيان بسرعةٍ:

- إذن فقد صلينا ركعتين فقط.

زادت ضحكات صاحي قوةً. فلما رآه سهيان يضحك قال لنفسه:

- لماذا يضحك صاحي؟!

فلما ذكر أنه قد صلى العشاء، ضحك مع صاحي أيضاً، قال له صاحي:

- لا أظن أنك قد وعيت من صلاتك شيئاً. إن صلاتك لا يقبلها الله يا سهيان، لأن الله يقول: فويلٌ للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون. إنك لا تصلي إلا في آخر الوقت، وإذا صليت أسرعت بصلاتك كالبرق، ولم تطمئن في ركوعك ولا سجودك ولا قيامك. وكثيراً ما تصلي بعد ذهاب وقت الصلاة، ثم إنك في الصلاة تفكر في تجارتك وأعمالك، فلا تفهم شيئاً مما في الصلاة من قرآنٍ وأدعيةٍ. وهذا كله هو الذي يحذر الله منه.

همس سهيان: وماذا أفعل يا صاحبي؟ لا أستطيع إلا هذا!!..

قاطعه صاحبي:

- لكن الله سيعذبك إن بقيت صلاتك هكذا.. ألم تسمع تهديد الله: فويلٌ للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون؟ وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للذي لم يطمئن في صلاته: أعد صلاتك  فإنك لم تصل.

يجب أن تقوم للصلاة عندما يؤذن المؤذن، وتصلي بهدوءٍ كاملٍ، وتفكر في الصلاة وتؤدي ركوعها وسجودها باطمئنانٍ كاملٍ فإن فعلت ذلك كنت من الذين يقبل الله صلاتهم إنهم يحافظون عليها، ويخشعون فيها، ويفعلون ذلك دائماً، فما رأيك..؟

التفت إليه سهيان وهمس له:

- سأفعل.. سأفعل..

اللهم اقبل صلاتي وأعني حتى أتقنها وأطمئن فيها، ولا أكون من الساهين.




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2009