العدد 162 - 15/12/2009

ـ

ـ

ـ

 

إعداد: شريف الراس              رسوم: مؤيد نعمة

القاضي التنوخي

أهلنا في مدينة البصرة كثيرون، وزوارها لا يعدون أو يحصون، فالبصرة قبلةٌ ومزارٌ، يأتي إليها التجار والزوار وطلاب العلم، من كل بقاع الأرض المعروفة.

وعندنا في البصرة علماءٌ كثيرون وأساتذةٌ ومؤلفون بعدد ما فيها من نخيلٍ وأنهارٍ. فهذا بيت الجاحظ الكاتب والأديب، وذاك بيت الخليل العلامة اللغوي، وذلك بيت سيبويه النحوي، وهنا المربد ملتقى الشعراء والأدباء، وهنا عند دكان هذا الوراق الذي يبيع الكتب يلتقي العلماء والأدباء والفلاسفة والشعراء ليشتروا منه الكتب، أو يقوم بنسخها بخط يده الجميل.

وأهل مدينتنا عندما يسألهم زائرٌ غريبٌ عن عنوان شخصٍ ما فإنهم يبادرونه بالسؤال: أهو شاعرٌ، كاتبٌ، مؤلفٌ، أديب؟!

فإذا كان واحداً من هؤلاء فمعرفة عنوانه أمرٌ سهلٌ، وإذا لم يكن من هؤلاء فلا تتعب نفسك بالبحث عنه، ففي البصرة ناسٌ كثيرون من تجارٍ وفلاحين وكسبةٍ وملاحين.

وهذا ما حدث لنا عندما ذهبنا لنسأل عن شيخناً القاضي التنوخي، فلقد توقفنا عند أول دكانٍ وسألنا صاحبه بائع الخضار:

- أتعرف القاضي التنوخي؟

ضحك الرجل وقال: ومن لا يعرف القاضي أبا علي المحسن بن أبي القاسم التنوخي!

سألناه: وماذا تعرف عنه؟

أجاب: أعرف كل ما تريدون معرفته عنه، فهو قد ولد هنا في البصرة سنة 321للهجرة، في بيتٍ كله علمٌ وأدب، إذ كان أبوه عالماً قاضياً، فدرس الولد العلم على يد أشهر علماء البصرة، مثل أبي العباس الأشرم، وأبي بكر الصولي، والحسين بن عثمان، ثم شب محباً للعلم والشعر، وهو بعد ذاك راويةٌ ثقةٌ للحديث النبوي الشريف، وألف عدداً من الكتب المهمة تجدونها عند جاري الوراق.

وفي دكان الوراق أخرج لنا صاحب الدكان بضعة مؤلفاتٍ وقال:

- هذا أهم مؤلفات القاضي أبي علي التنوخي وهي (نشوار المحاضرة) و (الفرج بعد الشدة) وهذا الكتاب: (المستجاد من فعلات الأجداد).

وكلها كتبٌ جامعة للحكايات والأشعار والآداب وسير الناس، كتبها أبو علي بأسلوبٍ رشيقٍ ولغةٍ سهلةٍ.

سألنا الوراق: وأين نجد أبا علي الآن؟

وجم الوراق وقال: يبدو أنكما غريبان عن البصرة.

قلنا: نعم هذا صحيحٌ، ولكن لم تسأل؟

قال الوراق: لأن القاضي أبا علي توفي في بغداد قبل أشهرٍ، بعد أن رحل إليها منذ زمنٍ طويلٍ، حيث تولى القضاء هناك، وفي عدد من المدن والنواحي.

وكان مشهوراً بالعدل ورجاحة العقل ودقة الأحكام.

أسفنا لذلك وقررنا أن نزور بغداد لنضع وردةً على قبر عالمنا وأديبنا الشيخ أبي علي المحسن بن أبي القاسم التنوخي، الذي توفي هناك سنة 384 للهجرة.

الفرج بعد الشدة

عاد الحاج أبو سليمان من رحلته الطويلة وعاد معه ابنه الصغير سليمان، وها هو الفرح يعم محلتنا بعودته، وأقداح عصير الفواكه توزع هنا وهناك الوجوه باسمةٌ والنفوس مستبشرة بعودة الحاج من غيبته الطويلة، التي دامت أكثر من سنةٍ حتى أصبحنا يائسين منه ومن عودته، وتصورنا أنه مات. وقال كثيرون: ليرحمه الله، وقرأوا على روحه سورة الفاتحة، لأنه لا أحد نجا من تلك الرحلة المشؤومة. فماذا حدث للحاج يا ترى؟

حين ذهبنا إليه للتهنئة بعودته سالماً، جلسنا حوله في دائرةٍ كبيرةٍ. رحب بمقدمنا وسأل عن أحوالنا فرداً فرداً. وعندما طلبنا إليه أن يقص علينا ما حدث له، اعتدل في جلسته وفكر طويلاً، ثم قال بصوته الوقور:

- الحمد لله كثيراً على كل شيء، فبعد أن أقلتنا السفينة من البصرة وأبحرنا نحو الهند، وكان معنا ناسٌ وتجارٌ كثيرون وأموالٌ وبضاعةٌ كبيرةٌ، كان البحر هادئاً أول الأمر، والرياح لطيفةً خفيفةً، ولكن بعد يومين من إبحارنا تغير كل شيء، فقد تلبد الجو فجأة، وبدأت الريح تزمجر ثم تحولت إلى عاصفةٍ هوجاء، وصارت أمواج البحر كالجبال، وأخذت تتلاعب بمركبنا، وشعرنا بالرعب وبدأنا نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ورحنا نحاول أن نتحكم بالسفينة وشراعها الذي سرعان ما تحطم وتحطم معه المركب وتناثر ركابه بين الأمواج، وراح كل واحدٍ يبحث عن مصيره وسط الظلمة والموج والريح والبرد، فأمسكت بابني سليمان وتعلقنا بقطعة خشبٍ طافيةٍ من حطام السفينة، وسلمنا أمرنا إلى الله.

سكت الحاج أبو سليمان وراح يفكر صامتاً. غير أن جارنا اللحوح عبد الغني أجير الفران قطع عليه صمته وسأله:

- هيه، وماذا حدث بعد ذلك يا أبا سليمان؟

عاد الحاج إلى سرد حكايته، قائلاً:

- ومن لطف الله يا إخوتي، أن العاصفة هدأت وخفت الرياح وأخذ الظلام ينجلي، وعندما هل الصباح وجدنا أنفسنا وأنا وابني سليمان وسط البحر. وكان الموج يدفعنا نحو جزيرةٍ صغيرةٍ وسط البحر، وهناك وجدنا ثلاثة من رفاقنا قد سبقونا للجزيرة، وكنا –نحن الخمسة- الناجين الوحيدين من ركاب السفينة، فحمدنا الله وشكرناه ودعوناه أن ييسر لنا حياتنا في هذه الجزيرة حتى نجد لأنفسنا مخرجاً.

وكان الله بنا لطيفاً رحيماً.

وعاد رفيقنا أجير الفران يسأل:

- هيه، وماذا حدث بعد ذلك؟

واصل الحاج أبو سليمان حديثه قائلاً:

- كاد الجوع أن يقتلنا، لولا أن البحر كان كريماً معنا، إذ كان يقذف إلينا بين حين وآخر شيئاً من الطعام والملابس وغير ذلك من محتويات السفينة المنكوبة. كان الوقت يمر بنا بطيئاً وكنا نرقب البحر كل ساعةٍ ودقيقةٍ عسى أن تمر بنا سفينةٌ أو مركبٌ ينقذنا من وحدتنا وغربتنا، حتى قذف لنا البحر ذات يومٍ صندوقاً كبيراً من الخشب كتب الله لنا به الحياة.

قال أبو حامدٍ النجار متسائلاً:

- لا بد أنكم صنعتم من خشب الصندوق مركباً صغيراً.

ضحك الحاج أبو سليمان وقال:

- لا يا صديقي النجار، لأن الصندوق لم يكن كبيراً مثلما تتصوره، لكننا حينما فتحنا ذلك الصندوق المغلق بإحكام وجدنا كتباً وأوراقاً وأدوات كتابةٍ.

صاح أبو حامد النجار بدهشةٍ:

- عجيب. وكيف أنقذتكم الكتب؟

بينما لم يصبر أجير الفران كثيراً فعاد يسأل سؤاله التقليدي مرةً أخرى:

- هيه، وماذا حدث بعد ذلك؟

نظر إليه أبو سليمان وقال:

- لا تتعجل يا جاري العزيز، وأنت كذلك يا صديقي النجار، فإن لذلك قصةً طويلةً سأقصها عليكم شيئاً فشيئاً!! فلقد كنت الوحيد من بين الناجين الذي يعرف القراءة والكتابة فطلب مني أصحابي أن أقرأ لهم شيئاً مما في الكتاب. تصفحت الكتاب، وقلبته، وقرأت فيه بصمت، وعندما نفد صبر أصحابي وهم بانتظار الجواب قلت لهم:

- هذا كتابٌ اسمه (الفرج بعد الشدة) ومؤلفه يدعى القاضي أبا علي المحسن بن أبي القاسم التنوخي، والكتاب يضم حكاياتٍ عن أشخاص مروا بمصائب ومحن ومواقف صعبة تشبه محنتنا وعبرها. ولقد عانوا الكثير منها حتى خلصهم الله تعالى من محنتهم. فتعالوا نقرأ في كل يومٍ حكايةً نتسلى بها عسى أن نجد بها حلاً لمشكلتنا.

وأنصت الجميع ورحت أقرأ لهم الحكاية الأولى:

أول من تعرض لمحنةٍ فتخلص منها

يقول المؤلف القاضي أبو علي المحسن بن أبي قاسم التنوخي:

أول إنسان تعرض لمصيبةٍ ومحنةٍ فتلخص منها هو النبي آدم أبو البشر عليه السلام. لأن الله تعالى خلق آدم ووضعه في الجنة وعلمه الأسماء والعلوم والمعارف، وطلب من الملائكة أن يسجدوا له. ولكن الله تعالى طلب من آدم أن يفعل كل شيءٍ يحلو له، إلا الأكل من ثمار شجرة الكرمة (العنب) فهي ممنوعةٌ عليه وتجلب عليه غضب الله. وأمضى آدم وأمنا حواء أياماً هائنةً سعيدةً في الجنة حتى وسوس لهما الشيطان وأغراهما بأن يأكلا من ثمار شجرة الكرمة. وعندما تناول آدم وحواء العنب عصيا أمر الله واستحقا غضبه فأنزلهما الله من الجنة إلى الأرض. فبكى آدم واعتذر واستغفر وزادت محنته ولوعته عندما قتل ابنه قابيل أخاه هابيل فراح يبكي ويستغفر الله ويطلب عفوه حتى استجاب له الله تعالى وعفا عنه وأخرجه من محنته ورزقه بابنه الآخر النبي شيت الذي هو أول أبنائه البررة ووالد الأنبياء والصالحين وكل البشر أجمعين.

وأغلق أبو سليمان الكتاب وقال لجلسائه:

- أرأيتم كيف استجاب الله لأبينا آدم دعواته وأخرجه من شدته ومحنته؟

ويوم غدٍ سأحكي لكم حكايةً أخرى من حكايات: (الفرج بعد الشدة).

لكن أجير الفران تساءل كعادته:

- هيه، ولكنك لم تقص علينا كيفية نجاتك وأصحابك يا حاج؟

فأجاب الحاج أبو سليمان:

- سأقص عليكم كل شيءٍ في حينه، فإلى الغد إن شاء الله.

*   *   *

وفي اليوم التالي توجهنا إلى بيت الحاج أبي سليمان لنستمع إلى بقية الحكاية، فاستقبلنا بابتسامته المعهودة وأجلسنا حوله وفتح كتاب (الفرج بعد الشدة)، وقبل أن يقرأ لنا فيه، قال:

- وفي اليوم التالي أمطرت علينا السماء بشدةٍ ونحن في وسط الجزيرة، فالتجأنا إلى مغارةٍ فيها وجلسنا ندعو الله خائفين، وكادت مياه المطر تدخل علينا لتغرق مغارتنا، فقلت في نفسي:

- لأسلي أصحابي وأقرأ عليهم قصة النبي نوح عليه السلام وما لاقاه من محنٍِ وشدائد لعلها تخفف عنا ما بنا من مخاوف وأهوالٍ.

ونوحٌ إذ نادى ربه

وراح أبو سليمان يقرأ علينا:

يقول مؤلف كتاب الفرج بعد الشدة:

أراد الله سبحانه وتعالى أن يمتحن نبيه نوحاً عليه السلام، فجعل أحد أبناء نوحٍ عليه السلام يعصون أمره ويخالفون دين الله, وكان مع القوم الظالمين، فحذر النبي نوح عليه السلام قومه، وأنذرهم بأنهم إذا عصوا الله فإنهم سوف يتعرضون لغضبه وعذابه، لكنهم رفضوا دعوات نوحٍ بالدخول في دين الله وأصروا على البقاء في شركهم وكفرهم، فأمر الله نبيه نوحاً عليه السلام أن يصنع مركباً كبيراً، وأن يحمل معه من كل مخلوقٍ زوجين اثنين ذكراً وأنثى، لأن الله سوف يغرق الأرض كلها في طوفانٍ عظيم ويهلك كل من عليها. وبعد أن أتم نوح عليه السلام بناء مركبه طلب من ابنه أن يتوب إلى الله وأن يصعد إلى المركب مع المؤمنين وحذره من الطوفان، لكن الابن الضال أبى وامتنع قائلاً:

- سألجأ إلى قمة جبلٍ تنقذني من الغرق.

ففارت الأرض والأنهار والبحار وغطت الأرض بمائها ولم ينج أحدٌ من الكفار لا في السهول ولا الصحارى ولا الجبال إلا من آمن بنوح وصعد معه إلى مركبه، وكانت مصبية نوح عليه السلام بفقد ابنه أليمةً ومحنته شديدةً. لكن الله سبحانه وتعالى أخرجه من محنته، بأن جفت الأرض وجعله سيداً عليها، وبات البشر كلهم من ذرية نوحٍ عليه السلام. قال تعالى (ولقد نادانا نوحٌ فلنعم المجيبون. ونجيناه وأهله من الكرب العظيم. وجعلنا ذريته هم الباقين. وتركنا عليه في الآخرين.) صدق الله العظيم.

صمت أبو سليمان قليلاً ثم رفع رأسه عن الكتاب وقال لنا:

- هذه قصة نوحٌ عليه السلام وما لحقه من مصابٍ وشدةٍ، وكيف فرج الله شدته. فمن يتذكر لنا حكايةً أو شدةً مرت بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم؟!

تنحنح خطيب جامعنا الشيخ عبد الستار واعتدل في جلسته ثم قال:

- بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، إن في حياة رسولنا الكريم أسوةً حسنةً لنا، فلقد مر عليه الصلاة والسلام في حياته وجهاده بمحنٍ ومصائبٍ شديدةٍ عديدةٍ، وكان يتغلب عليها بالصبر والإيمان والدعاء إلى الله تعالى، ولكن أكبر تلك الشدائد كانت ليلة غار ثور.

ابتسم الحاج أبو سليمان وقال:

- أحسنت يا شيخنا. وحادثة الغار تحدث عنها مؤلف كتابنا الفرج بعد الشدة. فقال:

ليلة الغار

- بعد أن عجزت قريش عن رد النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن دعوته، وبعد أن زاد عدد المسلمين وقوي أمرهم، قررت قريش قتل النبي محمد واختار من كل قبيلة فارساً. واتفق أولئك الفرسان الأشداء على ضرب النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائمٌ في فراشه ضربة رجل واحدٍ لكي يتوزع دمه بين القبائل ويعجز بنو هاشمٍ عن المطالبة بثأره. ولكن الله تعالى كشف المؤامرة وأوحى لنبيه بأن يهاجر من مكة إلى المدينة، فغادر النبي الكريم مكة ليلاً ومعه صاحبه أبو بكرٍ الصديق، وترك ابن عمه علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه نائماً في مكانه. وعندما أحسّ المشركون بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نجا (بإذن الله تعالى) راحوا يطاردونه، ويتتبعون أقدامه، فأحس النبي صلى الله عليه وسلم بهم فاختبأ ومعه صاحبه في غار ثور وراح يدعو ربه أن ينجيه من القوم الكافرين. ووصل المشركون إلى فتحة الغار، وكان الرسول وصاحبه الصديق يسمعان كلامهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ما زال يدعو الله تعالى، لأن ينقذه وصاحبه حتى حدثت معجزة الله فوضع على فتحة الغار نسيج عنكبوت وحمامةً تحتضن بيضها، ولم يدخل المشركون الغار لأن نسيج العنكبوت وبيضة الحمامة توحي بأن لا أحد قد دخل الغار منذ زمنٍ بعيدٍ، وهكذا نجى الله نبينا محمداً من محنته هذه ليتمم رسالته وننعم بظل الإسلام.

وبعد أن أتم الحاج أبو سليمان حكايته بادره جارنا أبو علي النجار قائلاً:

- ألا تخبرنا يا أبا سليمان عن حكايتك وكيف نجاك الله من محنتك؟

رد أبو سليمان:

- لا تعجل يا أبا علي فاستمع مني غداً إلى محنة رجلٍ عجز الأطباء عن شفائه، وكيف نجاه الله من تلك الشدة.

في اليوم التالي حضرنا إلى دار أبي سليمان مبكرين، لسماع تلك الحكاية، وجلسنا حوله، فحدثنا قائلاً:

- كنا في تلك الجزيرة البعيدة ننتظر الفرج من الله تعالى، وكنا جالسين نراقب البحر، ولما لم يلح لنا أمل يبعد عنا القلق والخوف قلت في نفسي:

- لأقرأ لأصحابي حكايةً أخرى من حكايات (الفرج بعد الشدة) لعلها تسليهم وتنسيهم شدتهم. فجمتهم حوالي وقرأت لهم هذه الحكاية:

عندما يعجز الأطباء

يقول مؤلف كتاب (الفرج بعد الشدة):

- كان رجلٌ يعبث بكومة من الحصى، فكان يقذف الحصاة في الجو ثم يقذف بالثانية والثالثة ويعود لكي يتلقفها بيده قبل أن تقع على الأرض، وفي غفلةٍ منه دخلت حصاةٌ صغيرةٌ في أذنه وسببت له ألماً شديدةً، فراح يبكي ويتألم، ويحاول إخراج الحصاة فلم يقدر. ذهب إلى الحكماء والأطباء فعالجوه، ولكنهم عجزوا عن إخراج الحصاة. وكان ألمه يزداد ومصيبته تشتد. حتى يئس من الشفاء، إلى أن سمع ذات يومٍ قارئاً يقرأ الآية الكريمة "أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء في الأرض أإله مع الله قليلاً ما تذكرون". فذكر الرجل محنته وآلامه فقال بصدقٍ وحرارة:

- يا رب أنت المجيب وأنا المضطر فاكشف عني ضر ما أنا فيه.

فما أن انتهى الرجل من دعائه حتى كانت الحصاة قد سقطت من أذنه في الحال، وغادرته آلامه وأوجاعه إلى غير رجعةٍ.

ردد الشيخ عبد الستار خطيب جامعنا بصوتٍ جهوري، ورددنا معه.

- الله أكبر.. الله أكبر.

وواصل الحاج أبو سليمان قوله:

- لقد استجاب الله لدعاء الرجل المريض كما استجاب لدعاء ذلك السجين الذي يئس من النجاة.

ولم يترك جارنا الفران الفرصة تفوته فسأل كعادته:

- هيه وما حكاية ذلك السجين.

رد أبو سليمان:

- سنتناول الآن طعام العشاء معاً، وغداً أقص عليكم حكاية ذلك السجين إن شاء الله.

انهض فقد سددت دينك

وفي اليوم التالي حدثنا الحاج أبو سليمان فقال:

- يا إخوتي كنا في وحدتنا في تلك الجزيرة الموحشة نشعر بالوحدة والغربة فضاق بنا الأمر حتى صاح أحد الأصحاب بغضبٍ:

- إلى متى يطول بنا هذا السجن؟

فتذكرت قصة ذلك السجين الذي طال به السجن حتى نجاه الله، فقلت لأصدقائي "سأقرأ عليكم حكاية محنةٍ تشبه محنتكم". وأخرجت الكتاب ورحت أقرأ عليهم:

قال مؤلف الكتاب القاضي التنوخي:

قال رجلٌ اسمه أبو الحسن بن أبي الليث: قرأت في كتابٍ قديمٍ: إذا حلت بك مصيبةٌ وأردت التخلص منها فعليك أن تنام في فراشٍ نظيفٍ، وثيابك نظيفةٌ وجسمك نظيف طاهر، ثم تقرأ سورة (والشمس وضحاها) سبع مرات، تقرأ بعدها سورة (والليل إذا يغشى) سبع مرات ثم قل: اللهم اجعل لي مخرجاً.. فسيأتيك بعد يومٍ أو يومين أو ثلاثة من ينجيك.

قال أبو الحسن: وبعد مدةٍ سجنت بسبب دين علي لم أستطع سداده، وامتد بي السجن وطال حتى شعرت باليأس والجزع، وضاقت الدنيا في عيني، حتى تذكرت ما قرأته في ذلك الكتاب، فنهضت واغتسلت وغسلت ثيابي ونظفت فراشي، وعندما تهيأت للنوم قرأت سورة (والشمس وضحاها) سبع مراتٍ ثم قرأت سورة (والليل إذا يغشى) سبع مراتٍ ودعوت الله أن ينجيني من محنتي، ونمت. 

ومضى يومٌ ثم يومان ولم يحدث لي شيء. وفي اليوم الثالث رأيت في منامي قائلاً يقول لي: "إن خلاصك سيكون على يد رجل اسمه عليٌ بن إبراهيم".

وفي اليوم التالي دخل علي في السجن شابٌ وقال لي:

- انهض فقد سددت دينك وأنت الآن حر.

ثم رافقني إلى منزلي وسلمني إلى أهلي وأنا مذهولٌ، لا أكاد أفهم شيئاً، فسألت أصحابي عن الرجل فقالوا لي:

- اسمه عليٌ بن إبراهيم، وهو صديقٌ للرجل الذي حبسك، وقد تعهد له بسداد دينك وأخرجك.

وهنا قال الشيخ عبد الستار:

- سبحان الله، سبحان الله. لا بد أن الرجل كان صالحاً فاستجاب الله لدعائه.

وسأل أجير الفران:

- هيه وهل كملت الحكاية؟

فقال أبو سليمان:

- نعم وفي الغد سأحكي لكم حكايةً أخرى.

*     *     *

جلسنا مساء اليوم التالي نترقب الحاج أبو سليمان لكي يحكي لنا حكايةً جديدةً لكنه اعتذر إلينا قائلاً:

- يا إخواني أرجو أن تعذروني الليلة فإن أحد إخواني ممن كان معي في تلك الجزيرة اللعينة مريضٌ وسأذهب لزيارته، ويوم غدٍ نواصل معكم قراءة بقية الحكايات.

وهنا قال النجار أبو حامدٍ:

- لا.. سنعود إليك عندما ترجع من زيارته، لقد عودتنا على حكاياتك يا أبا سليمان. عجل بالذهاب وعد ونحن بانتظارك.

فقال الحاج: لا يا ولدي ففي العجلة الندامة.

وأيده الشيخ عبد الستار: إن العجلة من الشيطان يا إخوان.

عندها لم يصبر جارنا أجير الفران فقال:

- لا بأس من أن تسمعنا حكايةً صغيرةً، إنها لن تؤخرك كثيراً.

صمت الحاج أبو سليمان قليلاً ثم رفع رأسه وقال:

- حسناً، تذكرت حكايةً صغيرةً عن العجلة قرأتها في الكتاب، وسأحكيها لكم لتدركوا كيف أدت العجلة بصاحبها إلى محنةٍ كبيرةٍ، وشدةٍ عصيبةٍ حتى منَ الله عليه بالفرج.

قال وصمتنا بانتظار الحكاية.

يتبع في العدد القادم بمشيئة الله




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2009