العدد 163 - 1/1/2010

ـ

ـ

ـ

 

إعداد: شريف الراس              رسوم: مؤيد نعمة

(2)

في العجلة الندامة

قال القاضي التنوخي مؤلف كتاب (الفرج بعد الشدة):

- حدثني صديقٌ لي اسمه أبو حسان الزيادي القاضي قال:

ذات يوم جاء إلي رجلٌ غريب، وقال لي:

- يا سيدي أنا رجلٌ غريبٌ عن هذه البلاد، وأريد السفر إلى الحج وقد سمعت عنك وعن أمانتك.

وقدم لي كيساً فيه مالٌ وقال: "فأرجو أن تحفظ لي هذا المال عندك أمانةً ريثما أعود من الحج". فأخذت الكيس منه وأنا واثقٌ من أنه سيغيب زمناً طويلاً ثم يعود ليأخذ ماله. وبعد ساعةٍ من انصرافه احتجت لبعض المال فأخذت مال الرجل وصرفته على أن أسدده قبل أن يعود الرجل.

وفي اليوم التالي حدث ما أطار صوابي وجلب علي الهم والغم، فقد طرق بابي وذهبت لأفتحه فوجدت الرجل صاحب الكيس يقف بالباب وهو يقول لي:

- يا سيدي لقد حدث لي حادثٌ جعلني أترك الحج هذه السنة، وقد جئت لكي آخذ مالي. وأعود إلى أهلي.

فتلعثمت وقلت له:

- تعال غداً وخذ مالك إن شاء الله.

وعندما ذهب الرجل شعرت باليأٍس والحزن لأنني غير قادر على رد مال الرجل، فخفت الفضيحة وخشيت أن تذهب سمعتي، ويقل قدري بين الناس، فشعرت باليأس والحزن فخرجت من البيت وأنا لا أعرف إلى أين أتجه وماذا أفعل، لكثرة ما بي من همٍ وألمٍ. وعندما أردت عبور الجسر صادفني في منتصفه رجلٌ لا أعرفه وسألني:

- إلى أين أنت ذاهب يا أبا حسان، فأنا كنت ذاهباً إليك.

فسألته عما يريد فقال لي:

- بعثني إليك دينار بن عبد الله فاذهب إليه.

فذهبت إلى دار دينار فوجدته جالساً في مجلسه فنهض إلي ورحب بي وقال لي: لقد رأيت في منامي أنك في شدةٍ وأن هاتفاً يقول لي: "أنجد أبا حسان فهو بحاجةٍ إليك". فحكيت لدينارٍ ما حل بي من مصيبةٍ فأعطاني عشرين ألف درهمٍ، فرجعت إلى المسجد فصليت شكراً لله.

وعندما جاء الغريب أرجعت له ماله وبقي عندي من المبلغ شيءٌ كثير.

ثم رفع الحاج أبو سليمان رأسه عن الكتاب وقال لأجير الفران:

- أما رأيت كيف أن العجلة تؤدي بالرجل إلى المصائب يا صديقي؟ وغداً سأحكي لكم حكايةً جديدةً.

*   *   *

وفي اليوم التالي، قال لنا الحاج أبو سليمان:

- كان قد مضى علينا أسبوعٌ ونحن في الجزيرة، واشتد بنا الضيق والحزن وبدأ ينفد ما كان عندنا من ماءٍ وطعام، وفي ذلك الصباح كان الجوع يشتد علينا فراح كل واحدٍ منا يشتهي طعاماً أو شراباً، فصاح أحدنا:

- يا لكم من مجانين! إنكم تشتهون أشياء لا تجدونها في بيوتكم، فكيف تجدونها في هذه الجزيرة؟!

رفعت رأسي عن كتاب (الفرج بعد الشدة) وقلت لصاحبنا:

- لا شيء مستبعدٌ عند الله يا صديقي. وسأقرأ عليك حكايةً مشابهةً لما نحن فيه من محنةٍ.

فأنصت الجميع إلي ورحت أقرأ عليهم

ثلج في الصحراء

قال القاضي التنوخي مؤلف كتاب (الفرج بعد الشدة)

حدثني رجلٌ فقال: كنت مع أحد الأمراء في سفر إلى مكة المكرمة، وكان سفرنا طويلاً، ورحلتنا شاقةٌ متعبة، ولقد وصلنا إلى مكة في يومٍ صيفي شديد الحر، وبلغ بنا العطش حداً كبيراً فقال الأمير:

- أشتهي على الله شربة ماءٍ مثلج.

فشعرنا بالدهشة لطلبه وقلت له:

- مستحيلٌ، من أين يأتي الثلج إلى هذه الصحراء؟

فرد الأمير الفاضل: أعرف ذلك، ولكن اشتهيت الماء المثلوج فتمنيت منه شربةً.

فلم يمضٍ وقتٌ قصيرٌ حتى تجمعت في السماء غيومٌ كثيرةٌ وأخذت السماء تبرق وترعد ثم انهمر مطرٌ غزيرٌ وثلجٌ كثير. وكان شيئاً عجيباً لم يحدث مثله في مكة من قبل، فأخذت آنيةً كثيرةً ووضعت فيها ثلجاً كثيراً. وكان هذا الأمير الصالح صائماً، فحملت إليه الثلج فطلب مني أن أجعل منه شراباً حلواً وأسقيه للناس وأبقي له منه شيئاً للإفطار.

وعند الإفطار، وبينما كان الأمير التقي يرفع يده بالقدح ليشرب الماء المثلج توقف لحظةً ثم قال:

- ليتني كنت تمنيت المغفرة بدل الثلج فلعل الله كان قد استجاب لدعائي.

فتمتم الشيخ عبد الستار:

- إن الله تعالى يجيب دعوة الداعي إذا دعاه إذا كان الداعي مؤمناً سليم النية. وهذا الأمير كان رجلاً صالحاً سليم النية فاستجاب الله لدعائه.

وهنا قال أجير الفران: ولعل الله يستجيب لدعائي بأن يكمل علينا الحاج بقية حكايته.

فضحكنا وتواعدنا على اللقاء في اليوم التالي.

*   *   *

وفي اليوم التالي أكمل الحاج أبو سليمان حديثه فقال:

كانت الأيام تمر علينا في الجزيرة ثقيلةً بطيئةً، وكاد صبرنا ينفد، وأخذ الضيق يتلاعب بأعصابنا. ومثل عادتي معهم قلت لهم: "سأقرأ لكم اليوم حكايةً جديدةً". فصاح بي أحد الأصحاب:

- كفى يا حاج وهل ستطعمنا حكاياتك هذه السمن والحلوى؟ إننا جائعون وأنت تقص علينا أخباراً وحكاياتٍ!

فابتسمت له وقلت:

- لقد ذكرتني يا صاحبي بحكاية العلم الذي يطعم الحلوى، إنها موجودة في كتابنا (الفرج بعد الشدة)، فاستمع إلي لكي أقصها عليك.

فأصغى إلي الرجل مثلما أنتم تصغون الآن.

ولم يطق أجير الفران صبراً فسأله كالعادة:

- هيه وما هي الحكاية؟

العلم يطعم الحلوى!

قال القاضي التنوخي صاحب كتاب (الفرج بعد الشدة):

كان قاضي القضاة في زمن هارون الرشيد هو القاضي أبو يوسف، وقد أخذ أبو يوسف العلم عندما كان صبياً على يد الإمام أبي حنيفة، وتتلمذ عليه. كان أبو يوسف صبياً فقير الحال، لكنه كان محباً للعلم والدرس، وكان يذهب كل يومٍ إلى مجلس الإمام أبي حنيفة ويظل يستمع إلى دروسه في الفقه والدين والقضاء طول النهار. وعندما كان أبو يوسف يعود إلى البيت كان يطالب أمه بالطعام. وذات مرةٍ عجزت الأم عن تدبير الطعام لها ولابنها. وعندما عاد أبو يوسف إلى البيت مساءً وطلب الطعام دفعت له أمه طبقاً مغطىً، وعندما كشفه وجد تحت غطائه أوراقاً ودفاتر فسألها: ما هذا؟

فقالت له الأم بغضبٍ:

- هذا ما أنت مشغولٌ به طول النهار فكل منه ليلاً. يا ولدي ابحث لك عن عملٍ يطعمنا بدل هذه الأوراق والكراريس.

وفي صباح اليوم التالي شعر أبو يوسف بالضيق لأنه لن يبكر بالذهاب إلى مجلس أستاذه أبي حنيفة في المسجد، بل ذهب يفتش عن عملٍ وذهنه مشغولٌ بالعلم والدرس. وعندما انتصف النهار ولم يجد عملاً توجه إلى مجلس أبي حنيفة فسأله عما أخره، فحكى له أبو يوسف الحكاية كلها، فقال له أبو حنيفة:

- لو أخبرتني بالأمر لكنت قد ساعدتك. ولكن لا تحزن يا ولدي فإن أطال الله عمرك فإن دروسك ستطعمك الحلوى بالفستق.

قال أبو يوسف: ولما كبرت وفقني الله وأصبحت قاضي القضاة بفضل حبي للدراسة والعلم، وقربني الخليفة هارون الرشيد إليه. وحدث ذات يومٍ أن قدمت للرشيد حلوى اللوزينج بالفستق المقشر، فلما رأيتها تذكرت أمي رحمها الله وتذكرت قول أستاذي أبي حنيفة وصدق نبوءته فترحمت عليه وحمدت الله كثيراً على نعمته.

أغلق أبو سليمان الكتاب فسأله جارنا أبو حامدٍ النجار:

- ترى ما طعم هذه الحلوى؟ إنها لذيذةٌ ولا شك.

ضحك أبو سليمان وقال:

- لا بد أن حاسة الشم قويةٌ عندك، فكيف شممت رائحة الحلوى بالفستق، ثم أشار إلى ابنه سليمان فقدم لنا صحناً مليئاً بالحلوى المطعمة بالفستق.

*   *   *

ذهبنا مساء اليوم التالي إلى دار أبي سليمان فاستقبلنا بترحابٍ ومودةٍ وقال لنا:

- سأحكي لكم حكايةً عن رجلٍ فقير الحال صار غنياً، لأنه كان رجلاً صالحاً محباً للخير. فاستمعوا إلي.

الدرهم بعشرين قيراطاً

قال مؤلف كتاب (الفرج بعد الشدة):

- كان يعيش ببغداد رجلٌ فقير الحال، طيب القلب، يحب الآخرين، وكان هذا الرجل يحمل الغزل الذي تغزله امرأته كل يومٍ إلى السوق فيبيعه بدرهمٍ ويشتري بثمنه خبزاً، وذات يوم باع الرجل الغزل، وحمل الدرهم معه، وبينما هو في طريقه إلى الخباز رأى رجلين يتشاجران، فسأل عن السبب فقيل له: "إنهما يختصمان حول درهمٍ". فأعطاهما الدرهم الذي كان معه وعاد إلى زوجته بلا خبزٍ، وقص عليها ما حدث، فقالت له زوجته الصالحة الصابرة:

- لا عليك، سأجمع لك أشياء من حاجات البيت يمكنك أن تبيعها وتشتري بثمنها الخبز.

وجمعت له الزوجة بضع حاجاتٍ بائرةٍ لا نفع فيها، فخرج بها إلى السوق فلم يشترها منه أحدٌ، فظل واقفاً بمكانه حائراً حزيناً لا يدري ما يفعل، وما سيأكل هو وزوجته. وبينما هو بمكانه مر به رجلٌ يحمل سمكةً، لم يشترها أحدٌ منه، فقال لصاحبنا:

- معي شيءٌ كاسدٌ هو هذه السمكة ومعك أشياءٌ بائرة، فلماذا لا تبيعني هذه الأغراض بهذه السمكة.

وافق الرجل وأخذ السمكة وعاد بها إلى البيت وطلب من زوجته أن تطبخها، وعندما شقت المرأة بطن السمكة وجدت بداخلها لؤلؤةً كبيرةً، فحملها الرجل إلى صديقٍ له يعمل في سوق الجواهر فقال له صديقه:

- إنها جوهرةٌ ثمينةٌ وزنها عشرون مثقالاً، وهي تساوي مئةً وعشرين ألف درهمٍ.

باع الرجل الدرة وحمل النقود في أكياسٍ في كل كيسٍ عشرة آلاف درهم، وعاد إلى البيت.

هتف الشيخ عبد الستار:

- سبحان الله هذا جزاء الرجل الصالح القنوع بما عنده. لقد بدل الله سبحانه وتعالى فقره غنىً، فما أحرانا أن نكون مثله.

في اليوم التالي لم يكن أجير الفران مثل عادته فقد ظل صامتاً لا يسأل ولا يضحك ولا يقاطع، فسأله الحاج أبو سليمان:

- ما الحكاية يا عبد الغني إنك لست بمثل عادتك كل يومٍ.

فرفع عبد الغني رأسه وقال:

- إنك أنت السبب أيها الحاج، فكلما سألتك عن كيفية تخلصك من محنتك ونجاتك من تلك الجزيرة أجبتني بقصةٍ جديدةٍ.

ضحك الحاج وقال:

- لا عليك، اليوم ستعرف كل شيء.

فبادر أجير الفران من فوره إلى القول:

- هيه، وكيف تخلصت من ورطتك في تلك الجزيرة؟

ضحك الحاج وقال:

- ليس بعد أن تسمع هذه الحكاية.

فجلس أجير الفران وأنصت وهو يتحرق شوقاً لمعرفة بقية الحكاية.

الآن أصبح عندي ذنبٌ

قرأ علينا الحاج أبو سليمان الحكاية الجديدة فقال:

ذات يومٍ أراد أحد الملوك تناول طعامه، فقدم إليه الخادم الصحون واحداً بعد الآخر. وبينما كان يضع صحن الحساء على مائدة الملك سقطت قطرةٌ من الحساء على ذراع الملك، فثار وغضب وطلب من الحراس أن يقتلوا ذلك الخادم المسكين. فطلب الخادم من الملك أن يصفح عنه لأنه لا ذنب له، وقال للحراس:

- سبحان الله. هل يقتلني الملك بلا ذنب؟

فصاح الملك: نعم.. لكي تكون عبرةً لغيرك من الخدم فلا يهملون في الخدمة.

فأيقن الخادم أنه هالكٌ لا محالة، ومرت به أوقاتٌ حرجةٌ عصيبةٌ، لكنه ظل يفكر بطريقةٍ تخلصه من هذا الموقف الرهيب. وقبل أن يجرجره الحراس، حمل الخادم طبق الحساء وسكبه على رأس الملك. وهو يقول له:

- يا مولاي لو قتلتني بلا ذنبٍ لغضب عليك الناس ولاموك، أما الآن فأصبح لدي ذنبٌ، فلك أن تقتلني دون أن يلومك أحدٌ.

ولكن الملك لم يثر أو يغضب هذه المرة. بل كان على العكس هادئاً، وقال لخادمه:

- إنك على حق، لقد عفونا عنك، وبارك الله في عقلك.

وأغلق الحاج الكتاب وهو يقول: لقد قرأت لأصحابي في الجزيرة عشرات الحكايات، واخترت لكم بعضاً منها قرأناها في الأيام السابقة. وهذه حكايتي الأخيرة، ولكي لا يطول صبر جارنا العزيز عبد الغني أجير الفران سأخبره كيف تخلصنا من محنتنا.

فبادر عبد الغني بالسؤال:

- هيه.. صحيحٌ.. كيف تخلصتم؟

قال الحاج: وجدت في بعض الفصول داخل الكتاب بعض الأدعية المنقولة عن رجال الصحابة الأبرار، وهي تقال عندما يصاب المرء بمحنةٍ أو مصيبةٍ فرحنا نرددها كل يومٍ حتى لاحت لنا سفينةٌ أنقذتنا وعادت بنا إليكم مثلما تروننا الآن.

فصاح عبد الغني: ما هي هذه الأدعية؟

فعاد الحاج وفتح الكتاب وقرأ لنا فيه:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباسٍ رضي الله عنه: (ألا أعلمك كلمات تنتفع بهن؟ قال بلى يا رسول الله. قال: احفظ الله يحفظك. احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة. وإذا سألت فسأل الله. وإذا استعنت فاستعن بالله، جف القلم بما كان وما هو كائن. ولو جهد العباد أن ينفعوك بشيءٍ لم يكتبه الله لم يقدروا عليه)... صدق رسول الله.

وهكذا يا إخوتي فوضنا أمرنا إلى الله واستعنا به فيسر لنا أمرنا وأخرجنا من محنتنا، فله الحمد والشكر.




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2009