العدد 165 - 1/2/2010

ـ

ـ

ـ

 

قصة : عبد الودود يوسف                رسم : هيثم حميد

كان الفلاح شمشير يسوق حماره ويحرث أرضه ويفكر في أولاده التسعة، وفي محصول أرضه الذي ينتظره في هذه السنة، كان ينظر إلى السماء ويقول:

- يا رب أعطني خيراً كثيراً حتى أشتري لأولادي داراً واسعة، وبستاناً كبيراً، ليعيشوا من بعدي حياةً كريمةً.

طارت أفكاره حين لاحظ أن حماره قد توقف. هز عصاه ولطمه على جنبه بلطفٍ، وصرخ به:

- دي.. دي يا حمار..

كان حماره يحاول جهده أن يسير، لكنه لا يستطيع.

نظر شمشير إلى المحراث فوجده يكاد ينكسر، حاول رفعه من الأرض، لكنه لم يستطع كان مشدوداً إلى الأرض كأن شيئاً يمسكه.

شدَّ بقوةٍ، لكنه لم يستطع زحزحته، جلس يستريح ويفكر كان يسمع من جدته عن الكنوز التي تملأ حياة الذين يجدونها بالغنى والخير، فنسي تعبه، وأقبل يحفر الأرض حول محراثه وما زال يحفر حتى كشف المحراث كله. وجده عالقاً بحجرٍ أبيض لامعٍ، فك الحمار والمحراث، وأخذ يكشف التراب عن الحجر حتى ظهر كله.

أخذ مطرقةً وصار يكسر الأرض حوله وبعد جهدٍ طويلٍ استطاع رفع الحجر الأبيض الثمين لكن ماذا رأى تحته؟!!

الدرج والغرفة والسلسلة

مالت الشمس إلى الغروب، قال في نفسه:

"إذا رجعت الآن إلى البيت، فقد يرى بعض الفلاحين هذه الحفرة فيفتضح أمري. لا يجب أن أعرف ماذا تحت هذا الحجر قبل أن أذهب إلى البيت".

أخذ حجراً صغيراً ورماه في الفراغ الذي ظهر تحت الحجر الأبيض اللامع، فاصطدم الحجر بالأرض سريعاً..

عرف شمشير أن المكان ليس عميقاً، حفر قليلاً فظهرت له درجة من حجرٍ، تسلل إليها، فوجد بعدها درجاً طويلاً، نزل درجةً درجةً وهو يتحسس الدرجات بقدميه..

كان يلاحظ أن الضوء يتزايد كلما نزل في الحفرة. وأخيراً وجد نفسه في غرفةٍ واسعةٍ رائعة الصنع جدرانها بيضاء ساطعة كانت تضيء، فتحول جو الغرفة إلى ما يشبه النهار.

لكنه لم يجد للغرفة باباً، نظر فوجد سلسلة متدليةً من السقف تلمع كأنها من ذهبٍ حاول أن يمسك بها لكنها كانت مرتفعةً.. قفز نحوها عدة قفزاتٍ دون أن يستطيع الإمساك بها..

صعد سريعاً إلى حقله وأتى بعددٍ من الأحجار كومها تحت السلسلة، ثم وقف فوقها حتى أمسك السلسلة، فشدها بعنفٍ ليقطعها لكنها لم تنقطع، وما زال يشدها حتى أنهكه التعب.

جلس ليستريح لكنه فوجئ بشيءٍ لم يكن يتوقعه.. رأى أحد جدران الغرفة قد انفتح فيه بابٌ واسعٌ، قفز إليه، دخل فيه فوجد نفسه في غرفةٍ أوسع من الغرفة السابقة ومملوءة بالنور فوجد في أحد جدرانها صورةً لشجرة رمانٍ رائعة الألوان، لكنه لاحظ أن رماناتها كلها متشققة وتخرج من شقوقها  دنانير ذهبية. دهش لهذا المنظر وقال في نفسه: ما معنى هذا؟!!..

نظر إلى أسفل الشجرة فوجد حجراً مرسوماً عليه عشر رماناتٍ متشققةٍ وكلها تخرج منها الدنانير وتجتمع في مكانٍ واحدٍ، ثم تسيل في ساقيةً.

تابع الساقية فوجدها تنتهي إلى صخرةٍ مجوفةٍ. سأل نفسه:

"وماذا في هذه الصخرة المجوفة؟!!!".

فجأةً سمع نهيق حماره، تذكر أنه قد تركه وترك محراثه. صعد ليرى ما الخبر، فوجد الليل قد غطى الدنيا، فماذا يفعل؟؟!!

قال لنفسه: إن تأخرت كثيراً عن بيتي فسوف تأتي زوجتي مع أولادي وبعض أقاربنا ليبحثوا عني، فينكشف أمري. يجب أن أعود سريعاً.

أخذ الحجر الأبيض اللامع.. وأعاده إلى مكانه.

وركب حماره وأسرع إلى بيته.

استقبلته زوجه وأولاده لكنهم وجدوه مشغول الفكر.. فتساءلوا: ما الخبر؟!!

شمشير لا يستطع النوم

لم يستطع شمشير النوم تلك الليلة. كان يفكر: ماذا في الصخرة المجوفة الموجودة في نهاية الساقية؟!

عجبت زوجه لشروده، سألته: ماذا بك يا شمشير؟!

قال لها: لم أستطع اليوم أن أحرث إلا قسماً بسيطاً من أرضنا لذلك سأعود إلى الأرض مبكراً كي أحرثها عسى أن أعوض ما فاتني في هذا اليوم.

لم تعجب زوجه حين رأت شمشير يلبس ثيابه منذ منتصف الليل. هيأ حماره ومحراثه، وودعها، وعاد إلى أرضه سريعاً: كان يشعر أن حماره بطيء لا يسير، فكان يضربه بعنفٍ حتى يطير به.

فراح يركض به كالغزال. وما كاد يصل  إلى حقله حتى ربطه إلى شجرة التين العتيقة. وأسرع يرفع الحجر الأبيض اللامع وبعد لحظات كان داخل الغرفة الثانية التي رسمت الشجرة الرائعة على جدارها.. كانت الغرفة مملوءة بالنور.

مد يده إلى الحجر المجوف وحاول أن يقلبه ليرى ماذا يكون تحته لكنه لم يفلح في ذلك طوال ساعاتٍ كثيرةٍ. شعر بالتعب الشديد. نظر حول الحجر فرأى في طرفه ثقباً.. أدخل فيه يده.. فشعر بشيءٍ ناعمٍ أملس.. فأخرج يده بسرعةٍ خوفاً أن يكون في الثقب ما يؤذيه.

فوجئ بسلسلةٍ تخرج من داخل الثقب.. لامعةً كالذهب. أمسكها وحاول أن يرفعها من الأرض. فوجدها معلقةً داخل الصخرة. شدها بعنفٍ فسمع خلفه صوتاً ناعماً...

التفت بسرعة فوجد أحد جدران الغرفة ينفتح، ورأى ضوء النهار يملأ الدنيا لكن من أين يأتي الضوء كان سقف الغرفة من البلور الملون بالألوان الرائعة، شعر بالتعب، رأى في زاوية الغرفة كرسياً من حجرٍ فجلس عليه، وأخذ يمسح عرقه عن جبينه، لكنه قفز من فوق الكرسي كالملسوع حين شعر بالكرسي يدور به ببطء. ما زال الكرسي يدور ببطءٍ حتى كشف ما وراءه، وإذا بلوحةٍ من زجاج أحمر.. اقترب منها وإذا مكتوب عليها كتابة قديمة.

حاول أن يقرأها.. وبعد محاولاتٍ طويلةٍ قرأ الكلمات التالية:

"ما أسعدك يا من وصلت إلى هنا.. ستجد في هذا الجدار حجراً من زجاج أزرق، ارفعه وخذ ما وراءه".

أسرع شمشير يبحث عن الحجر الأزرق في الجدار حتى وجده، كان في أسفل الجدار وجد تحته حفرةً صغيرةً، أدخل أصابعه بها، وجذب الحجر فتحرك قليلاً، وما زال يشده بقواه كلها حتى خرج كله اخذه وراح يتأمل في شكله.. فوجئ بالجدار ينهار كله، وجد أمامه كومةً من الحجارة الزجاجية الصغيرة، وانكشف الجدار، وظهر خلفه باب من نحاسٍ أصفر.

أسرع شمشير إليه ودفعه فانفتح، وإذا به يجد نفسه في غرفةٍ سوداءٍ في وسطها صندوق من فضةٍ يلمع كأنه الشمس ومزين بأحلى الزخارف الرائعة.

حاول حمله فوجده ثقيلاً فجلس ينظر إليه، رآه لاصقاً بالأرض، سأل نفسه: كيف أرفعه؟!

أخذ يشده ويعالجه دون فائدةٍ جلس ليستريح، لكنه فوجئ أن شقاً طويلاً قد ظهر في أعلى الصندوق.

اقترب منه فاكتشف أن له غطاءً قد ارتفع قليلاً، وما زال يشد غطاءه إلى أعلى حتى انفصل عنه.

رأى في وسطه صندوقاً أصغر منه، حاول حمله فوجده خفيفاً. أخرجه، ولفه بقطعةٍ من ثوبه، ثم صعد سريعاً إلى حماره الذي كان ينهق بعنفٍ. لقد جاع، فقد كادت الشمس تغيب وشمشير لم يطعمه شيئاً. أسكته ببعض العشب، ثم أعاد الحجر الأبيض اللامع إلى مكانه وغطاه بالتراب, وركب حماره وعاد إلى بيته سريعاً.

الكنز!!

كانت زوجه تقف أمام بيتهم تنتظره. لم تعرف ما هو ذلك الشيء الذي يخفيه شمشير بثوبه، همس لها:

- تعالي أنزلي معي هذا الحجر يا أم سرموجٍ.

فلما وضعاه في البيت، قالت له زوجه:

- أراه خفيفاً يا شمشير، إنه ليس حجراً.

أغلق شمشير الباب ورفع ثوبه عن الصندوق، فظهر كله.. صرخت زوجه:

-  ما هذا يا شمشير؟!!

أسكتها بسرعةٍ وقال لها: تعالي لنرى!..

فتح شمشير الصندوق، فإذا به يجد عدداً كبيراً من الجواهر والأساور ومع الجميع رسالة صغيرة. لم يلتفت إلى الرسالة وإنما أخذ الجواهر يقلبها بين يديه وهو يكاد يطير من الفرح، بينما كانت زوجه تقيس الأساور والعقود والخواتم على نفسها. قال لزوجه:

- تعالي نفكر: ماذا سنفعل بهذا المال الكثير.

قالت له: نبني لكل ولدٍ من أولادنا بيتاً.

فقاطعها: نشتري لكل واحد بستانا.ً

قاطعته: نعم.. نعم.. لكن يجب أن نفكر في أهل بلدنا كلهم.. إنهم فقراء..

قاطعها: سأبني في قريتنا مدرسةً ومشفىً. ومعملاً لعصر الزيتون ومطحنةً. فما رأيك يا أم سرموجٍ؟!!

زغردت وقالت له: جزاك الله ألف خير يا شمشير،  أنت رجل شهم لا يطغيك المال. هيا افعل ما تريد ولا تنس أن تعمر في قريتنا مسجداً.

ما هو أفضل من الكنز؟!

لم يعرف الناس من أين أتى شمشير بكل المال الذي معه. لكنهم فرحوا بما بناه لهم من مدارس ومعامل. وبعد عدة أعوامٍ، نظر شمشير إلى الصندوق فلم يجد فيه شيئاً.. لقد نفدت جميع أمواله. لكنه وجد الرسالة في قاع الصندوق.. عجب وقال:

- ماذا في هذه الرسالة؟!!

لماذا لم انتبه إليها منذ فتحت هذه العلبة.

رأته زوجته.. فاقتربت منه، والتف حوله أولاده كلهم، فتح الرسالة فإذا به يجد فيها ورقة مكتوباً عليها هذه العبارة.. اعبد ربك من بكير.. أحسن من الكنز بكثير..

نظر إلى أولاده وزوجه. وقال لهم:

- والله إن هذه النصيحة غالية.. منذ اليوم سنصلي الصبح جميعاً معاً..

أفاق شمشير ذلك اليوم مبكراً على صوت المؤذن يؤذن لصلاة الفجر.. أيقظ زوجه وأولاده. وخرج إلى المسجد ليصلي فيه. شعر بالراحة والسعادة.. وشعر أولاده بالنشاط والقوة. صلوا وعادوا إلى البيت.

فكر شمشير: لماذا لا نذهب الآن إلى العمل؟!

وافقه أولاده حين أخبرهم بعزمه فذهبوا إلى بساتينهم مبكرين.

كانوا طوال الطريق يدعون الله أن يوفقهم.. ويرزقهم.. أخذوا يعملون بهمةٍ منذ أول النهار وما كاد النهار ينتهي حتى وجدوا أنهم قد عملوا ضعف ما كانوا يعملونه.

ومضت الأيام وشمشير وأولاده يصلون الصبح ركعتين سنةً وركعتين فرضاً، ويذهبون إلى بساتينهم فوراً...

لم تبق شجرة إلا اعتنوا بها.. ولم يبق حقل إلا غرسوه.. ولم يبق جزء من بساتينهم إلا سقوه وعشبوه واعتنوا به.. وأعطت بساتينهم وأشجارهم الثمار أضعافاً.. فلما قطفوها وباعوها جمعوا منها مالاً يزيد عما وجده شمشير في كنزه.

حمدوا الله كثيراً وذكروا الرسالة التي وجدوها في الصندوق..

همسوا جميعاً: صحيح والله.. "اعبد ربك من بكير أحسن من الكنز بكثير" ولم يبق رجل ولا طفل في قرية شمشير إلا وحفظ هذه الحكمة الغالية حرص شمشير وأولاده أن يوقظوا أهل قريتهم كلهم إلى صلاة الصبح عندما كان المؤذن يؤذن، كانوا يطرقون الأبواب ويقولون: "أحسن من الكنز بكثير تعبد ربك من بكير".

كان إمام المسجد يحدثهم بعد الصلاة عن فضل صلاة الصبح ويقول لهم:

- بشراكم بشراكم.. رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

"بشروا الذين يمشون إلى المساجد في ظلام الليل بالنور التام يوم القيامة"..

فرحوا جداً بهذه البشارة فهم سيجنون من صلاة الصبح رضى الله وجنته ونوره، والخير العظيم في الدنيا فوق ذلك..

كانوا يتساءلون: هل هناك عاقل لا يصلي الصبح فيخسر كل هذا الخير؟!

ما أخسر ذلك الرجل.. ما أخسره؟؟!!




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2010