العدد 166 - 15/2/2010

ـ

ـ

ـ

 

قصة : عبد الودود يوسف          رسوم : هيثم حميد

عزم العم أبو أحمد على الصلاة دون أن يستحي فهو منذ ثلاثة أيام ٍ يتردد في الدخول إلى المسجد لأنه لا يعرف كيف يصلي. لكنه ما كان يطيق أن يرى إخوانه وجيرانه جميعاً يدخلون إلى المسجد حين يؤذن المؤذن وهو لا يتحرك من حانوته، ولا يذهب إلى المسجد معهم.

خلع حذاءه ودخل، إنه يريد أن يتوضأ. فأين مكان الوضوء؟؟..

دار في أنحاء المسجد فسمع خرير الماء. فأسرع ودخل غرفة الوضوء. رأى الناس يجلسون على مصاطب حجريةٍ وأمامهم حنفيات ينزل منها الماء لكنه لا يعرف كيف يتوضأ فماذا يفعل؟!!.. رأى شاباً صغيراً يدخل إلى غرفة الوضوء وهو يكشف أكمامه عن ذراعيه. فقال أبو أحمد في نفسه:

- سأفعل مثلما يفعل هذا الفتى..

اقترب منه، وجلس إلى جانبه على كرسي الوضوء الحجري الطويل. فتح أنسٌ حنفية الماء، ففعل العم أبو أحمد مثله.. وما زال ينظر إليه ويقلده حتى انتهيا من الوضوء.. فرح العم أبو أحمد جداً.. لقد تعلم كيف يتوضأ، لكن كيف يصلي؟!!

خرج من غرفة الوضوء ودخل المسجد وهو يقول:

- يا رب لا تخزني..

رأى من بعيدٍ الفتى الذي تعلم منه الوضوء يجادل فتىً مثله. عجب لذلك وزادت دهشته حين اقترب منه أنسٌ وهمس له بنزقٍ:

- يا عم أنا اسمي أنسٌ وهذا أخي اسمه ميسرة، إنه يقول لي إن صلاته أفضل من صلاتي.. لأنه يصلي صلاةً كاملةً وصحيحةً فهل تحكم بيننا: أينا أحسن صلاةً وأتقن؟!!

تلون وجه أبي أحمد بالخجل، إنه لا يعرف كيف يصلي، فكيف يحكم بين أنسٍ وميسرة؟!..

لكن ميسرة قطع عليه تفكيره حين همس:

- هيا يا أنس ابدأ الصلاة ليراك العم أبو أحمد.

راح أنس يستعد للصلاة، فرتب ثيابه، وأنزل أكمامه التي كان قد رفعها من أجل الوضوء. ثم قال:

- الآن أتوجه إلى القبلة وسأنوي أن أصلي سنة الظهر الأولى ثلاث ركعاتٍ.

همس ميسرة بسرعةٍ: أرأيت يا سيدي لقد أخطأ أنس، إن سنة الظهر الأولى التي تسبق صلاة الفرض هي أربع ركعاتٍ لا ثلاث. أليس كذلك يا عم أبا أحمد؟

ماذا يقول أبو أحمد؟ إنه لا يعرف سنة الظهر الأولى من الثانية.. زاد اضطرابه، لولا أن أسرع أنس وهمس:

- نعم.. نعم.. أنت على حقٍ يا ميسرة إنها أربع ركعاتٍ.. والآن سأبدأ الصلاة.. رفع يديه إلى أعلى حتى ارتفعتا إلى سوية أذنيه، وقال: الله أكبر.

همس ميسرة: لقد كبر أنس تكبيرة الإحرام. والآن قرب رأسك يا عم إلى فمه لتعرف ماذا يقول أنسٌ في بداية صلاته، لأنه سيقول ما يقوله سراً.

أسرع أبو أحمد وقرب رأسه من فم أنسٍ فسمعه يقول:

- سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك.

همس ميسرة: الحمد لله، لقد قرأ أنس دعاء الثناء بشكلٍ حسنٍ، فما رأيك يا عم؟؟

هز أبو أحمد رأسه موافقاً وقال:

- الحمد لله.. لقد قاله بشكلٍ صحيحٍ فعلاً.

راح أبو أحمد يردد في نفسه دعاء الثناء، حتى لا ينساه.. وقطع عليه ميسرة حديث نفسه حين قال له:

- سنرى هل سيقرأ أنسٌ الفاتحة بشكلٍ جيدٍ.

فرح أبو أحمد أنه يحفظ سورة الفاتحة، فلما قرأها أنسٌ في صلاته نسي منها قوله تعالى: إياك نعبد، وإياك نستعين. رفع أبو أحمد رأسه وقال والفرحة تغمره:

- لقد أخطأ أنسٌ.. نسي بعض سورة الفاتحة.. أليس كذلك يا ميسرة؟!

ابتسم ميسرة بخبثٍ وهمس: ما أعظمك يا عم.. لقد كشفت خطأه فعلاً.. أنا أحفظها بشكلٍ أفضل منه، أعاد أنسٌ قراءة سورة الفاتحة كاملةً، فهمس أبو أحمد بحماسٍ:

- أحسنت يا أنس، لقد قرأتها الآن بشكلٍ كاملٍ..

صاح ميسرة: لكنه لم يقل "آمين".. بعد قراءة الفاتحة..

فتح أبو أحمد فمه، وهو لا يعرف ماذا يقول لكنه سمع أنساً يقول: آمين.. ثم يتابع صلاته فقرأ بعض آيات سورة "عم يتساءلون".

ظن العم أبو أحمد أن على المصلي أن يقرأ دائماً هذه الآيات بعد الفاتحة. فحاول أن يحفظها، لكن ميسرة قطع عليه تفكيره حين قال له:

- أنا لا أحفظ سورة "عم يتساءلون" مثل أنسٍ، فأنا أقرأ في كل ركعةٍ عدداً من الآيات من أية سورةٍ طويلةٍ أو أقرأ أية سورةٍ قصيرةٍ،  فما رأيك يا عم؟؟

ابتسم العم أبو أحمد وقال لميسرة:

- أحسنت يا ميسرة.. أحسنت..

نظر إلى أنس فوجده يقول: الله أكبر.. ويركع.. رآه يضع كفيه على ركبتيه، ورأى ظهره مستوياً تماماً وهو ينظر إلى مابين قدميه. وسمعه يهمس: سبحان ربي العظيم.. ثلاث مراتٍ.

همس ميسرة: أنا أكرر سبحان ربي العظيم خمس مراتٍ وكلاهما مقبولٌ، أليس كذلك يا عم؟

هز أبو أحمد رأسه وقال:

- أحسنتَ.. أحسنت.

رفع أنس رأسه وقال:

- سمع الله لمن حمده، ثم قال: اللهم ربنا لك الحمد.

ووقف لحظةً ثم قال: الله أكبر، وسجد. وضع جبهته على الأرض، مع أنفه، وأسند قدميه إلى أصابعه وقال:

- سبحان ربي الأعلى ثلاث مراتٍ.

همس أبو أحمد: لو قلت سبحان ربي الأعلى خمس مراتٍ أو سبعاً فهذا جائزٌ أليس كذلك يا ميسرة؟

رفع أنس رأسه من السجود وقعد مسنداً قدمه اليمنى إلى أصابعها، وجالساً على رجله اليسرى، انتظر دقيقةً قاعداً، ثم قال: الله أكبر وسجد سجدةً ثانيةً وفعل مثلما عمل في السجدة الأولى.

كان العم أبو أحمد يتفرج على أنسٍ وهو يصلي صلاةً متقنةً رائعةً. تنهد من ملء صدره وقال:

- يا تعاستك يا أبا أحمد.. إن هذين الشابين هما أفضل منك بينما.

كان أنس يقف للركعة الثانية ويفعل فيها مثلما فعل في الركعة الأولى.

همس أبو أحمد: انظر ميسرة.. لقد أخطأ أنس.

سأل ميسرة: وما هو خطؤه يا سيدي؟!

رفع أبو أحمد رأسه وهمس: إنه لم يقرأ دعاء الثناء في أول الركعة..

ابتسم ميسرة وهمس: لكن دعاء الثناء لا يقرأ إلا في الركعة الأولى فقط.. أليس كذلك يا عم؟!!

تصبب جبين أبي أحمد بالعرق وهمس:

- صحيح. . صحيح.. لقد نسيت.. لا تؤاخذني يا ميسرة..

وبعد أن انتهى أنسٌ من الركعة الثانية، قعد قعوداً طويلاً.

حار أبو أحمد في أمره لماذا قعد أنس هذا القعود الطويل؟ خشي أن يعترض كما اعترض على دعاء الثناء فيكشف جهله.

اقترب من أنس ليسمع ما يقوله في قعوده فوجده يقول:

- التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ثم حرك سبابته وقال: أشهد أن لا إله إلا الله..  وأشهد أن محمداً رسول الله.. ثم قال: اللهم صل على سيدنا محمد.

ظن أبو أحمد أن الصلاة قد انتهت لولا أن رأى أنساً يقول الله أكبر ويقف ليصلي ركعتين ثانيتين ثم يقعد القعود الأخير، الذي قرأ فيه التحيات ثم قرأ: اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم، وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.

ثم سمعه يدعو..

وفوجئ العم أبو أحمد بما لم يكن يتوقعه، قال أنسٌ:

- اللهم إني أسألك أن تهدي العم أبا أحمدٍ هدايةً كاملةً، وأن تغفر له جميع ذنوبه السابقة، وأن تعينه حتى يصلي دائماً.

دمعت عينا أبي أحمد، ونظر فلم ير ميسرة. رآه في آخر الجامع يبتسم فعرف أن أنساً وميسرة قد افتعلا الخلاف بينهما حتى يعلماه كيف يصلي. فوقف في الصلاة خاشعاً، وصلى كما علمه أنسٌ كيف يصلي، فامتلأ قلبه بالاطمئنان، وشعر براحةٍ هائلةٍ تملأ نفسه وأصبح منذ ذلك اليوم صديق أنسٍ وميسرة اللذين علماه الوضوء والصلاة دون أن يحرجاه. فما ألطفهما من مسلمين ذكيين.




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2010