العدد 170 - 15/4/2010

ـ

ـ

ـ

 

(4)

       قصة : عبد الودود يوسف          رسم : هيثم حميد

هل أحب مالك عمله؟!!

فوجئ مالك في اليوم الأول من عمله في معمل الغسال بوشير، بالروائح النتنة والأوساخ التي لم يكن يتصورها في ألبسة العمال الداخلية التي كانوا يأتونه بها لغسلها في المغاسل الآلية.

كره عمله جداً وحاول تركه. لكنه فكر بأمرٍ، وعزم على تنفيذه لولا أن وقت عمله قد انتهى، ودع المعلم بوشير، وخرج. لكنه حين حمل حقيبته شعر أنها ثقيلة، تذكر أنه لم يسلم المعلم بوشير ملابسه الداخلية الوسخة ليغسلها له. فعاد سريعاً وسلم هذه الألبسة للمعلم بوشير بعد أن رجاه أن يقبل منه أن يدفع أجورها كبقية الزبائن وغادر المعمل سريعاً لكنه فوجئ بصراخ مسيو بوشير خلفه يناديه، عاد إليه فسأله:

- يبدو أنك قد أخطأت يا مالك لقد أعطيتنا ثياباً نظيفةً بدل الألبسة الوسخة.

أخذ مالك ملابسه وتفقدها، ثم قال للمعلم بوشير:

- لا.. لا.. إنها ملابسي الوسخة.

دهش المعلم بوشير وقال له:

- لكنها نظيفة يا مسيو مالك، إنني لا أرى فيها بولاً ولا خروجاً، وليس لها أية رائحة نتنةٍ؟؟!!.

ضحك مالك طويلاً وقال له: ولن تجد طوال حياتك في ثيابي أي بولٍ أو خروجٍ أو رائحةٍ كريهةٍ.

زادت دهشة بوشير وسأله:

- وكيف ذلك.. ألا تخرج إلى المرحاض أبداًً؟!

أجابه مالك: لا.. لا أنا مثل الناس لكنني أنظف نفسي بالماء أو الورق بعد أنتهي من التبول.

قاطعه المعلم بوشير: أنت إذن من بلادٍ راقيةٍ جداً؟

ضحك مالك ضحكة أخرى وقال: بلادي هي أفقر من بلادكم بكثير لكننا مسلمون، أمرنا ديننا أن نغسل أنفسنا من كل نجاسةٍ حتى يقبل الله صلاتنا.

همس بوشير: يأمركم دينكم بذلك؟! وكلكم تفعلونه؟!

أجابه: نعم.. نعم كلنا نفعل ذلك، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذرنا من النجاسة وأمرنا بالطهارة، وأخبرنا أن المسلم إن مات وكان أثناء حياته لا يغسل نفسه جيداً من النجاسة فإنه سيعذب في قبره.

قاطعه بوشير: والله إن هذا شيءٌ عظيمٌ.. إن وساخة عمالنا تجلب لنا الأمراض وتدفع الدولة نفقاتٍ باهظةً لمكافحة أمراض العمال.. ما أروع دينكم الذي يأمركم بالطهارة.

قاطعه مالك: فكرت في خطةٍ مناسبةٍ من أجل هذا لكنني الآن مستعجل يجب أن أذهب إلى الجامعة، غداً سأحدثك بما أريد.

غادر مالك معمل الغسيل بينما كان المعلم بوشير يفكر:

"ما أروع دين المسلمين، يأمرهم بالطهارة ولا يقبل صلاتهم إلا إذا كانوا طاهرين من كل نجاسةٍ ويتوعدهم بعذاب القبر إن لم ينظفوا أنفسهم من بولهم".. سأل نفسه:

لكن ماذا سيقترح علي مالك؟!..

هل سيقبل بوشير اقتراح مالك؟!!

لم يكن مالك يتوقع أن يكون الذي يطرق بابه مساء ذلك اليوم هو المعلم بوشير نفسه.

دخل غرفة مالكٍ وقال له:

- جئت لأسمع اقتراحك حول ملابس العمال الداخلية، قل لي، ماذا تريد؟!

قال له مالك: أقترح عليك يا معلم بوشير أن تعلن أن من غسل نفسه بعد أن يتبول وأتانا بملابسه نظيفةً من النجاسة، فسوف نأخذ منه نصف أجر الغسيل فقط..

دهش المعلم بوشير وقال:

- هل تظن أن العمال سيغسلون أنفسهم؟!! لا أظن ذلك.. لكنني سأنفذ اقتراحك..

أعلن المعلم بوشير في جريدة العمال ذلك، كما طبع ورقةً صغيرةً وزعها على جميع العمال ودسها في جميع الثياب النظيفة التي كان يغسلها ويسلمها إلى أصحابها..

مضى الأسبوع الأول دون أي تغيير في أوساخ ملابس العمال الداخلية ورائحتها الكريهة، وبعد أسبوع دخل أحد العمال وبيده ملابسه الداخلية وقال: هذه ملابسي، ليس فيها أي نجاسةٍ. هل ستأخذون مني نصف أجر غسلها.

صاح مالك: لا.. سنعفيك من الأجر كله يا سيدي بشرط أن تخبر جميع زملائك بذلك.

عاد العامل بعد يومين فسلمه مالكٌ ثيابه دون أن يأخذ منه أجراً، فخرج وهو يكاد يطير من الفرح وشاع الخبر بين جميع العمال، ونشرته صحيفة مدينة العمال وبعد يومين حضر نصف العمال بثيابهم الداخلية نظيفةً من أية نجاسةٍ.

المفاجأة

يتبع في العدد القادم بإذن الله




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2010