العدد 170 - 15/4/2010

ـ

ـ

ـ

 

وقف أحد أمراء الأندلس في مكان مرتفع ونظر إلى جيشه الكبير وقد ملأ السهل والجبل!!؟ فالتفت إلى قائد الجيش وقال له: كيف ترى هذا الجيش؟

قال: أرى جيشاً واسعاً كبيراً.

فقال له: هل فيه ألفُ مقاتل من الشجعان؟

فسكت القائد، فقال له الأمير:

- لماذا سكتَّ؟ أليس فيه ألفُ شجاع؟

قال: لا.

فتعجب الأمير وبدا عليه الغضب وقال:

- هل فيه خمس مئةٍ من الأبطال المعدودين؟

قال القائد: لا. فازداد غضب الأمير، وقال:

- أليس فيه مئة رجل زمن الأبطال؟

قال قائد الجيش: لا أظن ذلك. فقال الأمير: خمسون بطلاً؟

فسكت القائد، ونظر إلى الأرض وقال بصوت منخفض:

- أخشى ألا يكون!!

فأغلظ له الأمير بالقول وخَلَعَه من منصبه، وجعله جندياً كأحد الجنود؟! واتجه بالجيش لمقابلة الروم، وحين التقى الجيشان، خرج فارس من فرسان العدو يهدد وينادي:

- أين الأبطال؟ هل من مبارز؟!

فخرج له رجل من المسلمين، فتضاربا ساعة ولكن الرومي عاجله بضربة، فسقط عن فرسه، فازداد عُجباً وغروراً، وصاح أصحابه فرحين، واضطرب المسلمون وحزنوا.. وعاد الرومي يلوّح بسيفه، ويشمخ بأنفه، ويُجري فرسه في الساحة التي تفصل ما بين الجيشين وهو يردد بغرور:

- هل من مبارز، اثنين لواحد.

فخرج من صفوف المسلمين رجل، ولكن الرومي كان أعجل منه فطعنه، ثم هاج كالثور يضرب برجليه على بطن فرسه، والروم يهتفون له، فأحس العرب بالانكسار، وعبست الوجوه، واضطربت النفوس!! فقال أحد المقربين من الأمير:

- ليس لهذا الرومي إلا قائد الجيش المعزول!؟ فأرسل إليه الأمير وقال:

- ألا ترى ماذا فعل هذا العِلج الكريه؟

قال: وماذا تريد أن أفعل؟

قال الأمير: أريد أن تكفينا شره، لتعود الثقة إلى نفوس جنودنا، فإننا لو دخلنا المعركة بهذه النفوس نخشى أن نُهزم!!

فهز القائد رأسه وقال:

- انتظروني قليلاً، فلن تروا إلا ما يسركم – إن شاء الله-

ثم دخل في صفوف الجنود يبحث عن عدد من الرجال كانوا معه في معارك سابقة، فوجد واحداً منهم معه فرس ضعيفة لا تعجب من يراها، وبيده قربة ماء، وليس معه عتاد يدل على أنه من الفرسان، فاقترب منه القائد، وقال:

- ألست ترى ما صنع هذا الرومي؟

قال: رأيت، فما الذي تريد؟

قال: أريد أن تكفينا شره، ليرى الروم أن في جيشنا من هو أشجع وأقوى.

قال الجندي: وما النصر إلا من عند الله، فوالله ما خرجت من بيتي وأنا أفكر بالعودة إليه، وليس لي مال أخشى عليه ولا ولد يبكي عليّ، وما لي إلا أم عجوز تعيش في دُويرة على ضفة النهر، فإن مت فأحسنوا إليها، وإن عدت كفيتكم ذلك.

ثم شرب من القربة وتركها في الأرض، وانطلق إلى الرومي غير مكترث به ولا خائف منه!

فلما رآه الروم ضحكوا وأيقنوا أن فارسهم سيقتل هذا العربي.

ووقف المسلمون يدعون الله أن ينصره على هذا الرومي المغرور المتعجرف.. ومضى بعض الوقت، وارتفع الغبار، ولم يعد أحد يرى شيئاً، وما هي إلا ساعة حتى خرج الجندي المجهول وهو يجري؟! ولم يستطع أحد معرفة السبب؟ وخشي بعضهم أن يكون قد انهزم.. وحين اقترب رأوا رأس الرومي بيده ينطلق به باتجاه الأمير، حتى وضعه أمامه.

فرح الأمير فرحاً عظيماً فقبّل رأسه، وضمه إلى صدره وقال:

- بارك الله فيك! والحمد لله الذي جعل في جيشنا أمثالك، فكم نحن بحاجة إليهم، ولو كانوا قلة!!

فقال القائد وهو يمسك بيد الجندي:

- أيها الأمير! عن هؤلاء الرجال أخبرتك، فإنهم إذا فُقدوا من الجيوش لم ينفعها كثرة العدد؟! فإن الجيوش برجالها لا بأعدادها!!

قال الأمير: صدقت أيها القائد..

ثم أكرمه ورفع درجته وردّه إلى قيادة الجيش مرة أخرى.




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2010