العدد 170 - 15/4/2010

ـ

ـ

ـ

 

إعداد: نازك الطنطاوي

بسم الله الرحمن الرحيم

فلمّا جهزهم بجهازهم، جعل السقاية في رحل أخيه، ثمّ أذّنَ مؤذّن أيتها العير إنكم لسارقون 

صدق الله العظيم

(يوسف الآية: 70)

يحدثنا القرآن الكريم في سورة يوسف عليه السلام عن إخوته أنهم لمّا قدموا عليه في المرة الثانية وقد أحضروا معهم أخاهم بنيامين تلبية لطلب العزيز يوسف، أدخلهم يوسف دار كرامته ومنزل ضيافته، وأفاض عليهم من العطايا وأحسن إليهم وأكرم نزلهم، ثم اختلى بعد ذلك بأخيه وعرّفه على نفسه، وأخبره بما فعله إخوته به، وكيف حاولوا قتله بإلقائه في الجبّ، ثم كيف التقطه بعض المارّة الذين اكتشفوا أمره، وأخذوه معهم، وباعوه بثمن بخس (أي رخيصاً) لعزيز مصر، ثم كيف دخل السجن مظلوماً بكيد امرأة العزيز، حتى إذا أراد الله إخراجه من السجن، اعترفت امرأة العزيز بذنبها، وبرأت ساحته، ليحتلّ بعد ذلك مرتبة أمين خزائن الملك. ثم طمأن شقيقه، وأوصاه أن لا يحزن ولا يأسف على ما صنعوا به، وأمره بحفظ هذا السرّ، وكتمانه عن إخوته، واتفق معه على خُطّة تبقيه في مصر إلى جانبه معزّزاً مكرَّماً..

وفي الصباح الباكر، وبينما إخوة يوسف يستعدّون للعودة إلى بلدهم، أمر لهم يوسف بالطعام، بعد أن كال الغلمان لهم حنطتهم، وحمّلوا لهم أحمالهم، وبدون أن يشعروا وضع يوسف صواع الملك (وهو إناء من الفضة كان الملك يشرب فيه) داخل متاع أخيه بنيامين، فلما همّ إخوته بالرّحيل طلب يوسف من أحد غلمانه أن يستوقف القافلة، لأنّ صواع الملك قد فُقد.

 عند ذلك رجع إخوة يوسف إليهم سريعاً، وبصوت ملهوف سألوا المنادي:

 - ماذا تفقدون؟

ردّ عليهم المنادي:

- نفقد صُواع الملك، ولسوف نقدّم مكافأة قَدْرُها حمْلُ جمل من القمح، لمن يردّ علينا الصُّواع. أمّا إذا كنتم سرقتم الصواع، فسوف يعاقب الملك السارق منكم.

دُهش الإخوة من هذا القول الغريب وقالو:

- تالله لقد علمتم أننا ما جئنا لنفسد في الأرض، فإننا ذوو سمعة طيبة، ولسنا بسارقين.

 فردّ عليهم المنادي قائلاً:

- وما جزاء من نجد في متاعه ذلك الصُّواع؟

أجاب إخوة يوسف بصوت واحد:

جزاؤه أن يدفع ثمن هذا الشيء بالعقوبة التي ترونها مناسبة لكم.

قال المنادي: جزاؤه أن يكون عبداً لنا.

أخذ يوسف يفتّش في أمتعة إخوته قبل متاع أخيه الأصغر بنيامين، لكي لا يشعروا بشيء، حتى وصل إلى وعاء شقيقه، فاستخرج منه الصُّواع.

صعق الإخوة عندما رأوا صواع الملك قد أُخرج من متاع بنيامين، ثم قالوا ليوسف:

- إن كان هو السارق، فقد سرق أخ له من قبل -ويقصدون يوسف عليه السلام- فقد سرق عندما كان طفلاً، صنماً لجدّه أبي أمّه فكسره.

عندما سمع يوسف هذا الكلام تألّم كثيراً، لأنّ إخوته يعرفون أنه لم يسرق الصنم، إلاّ ليحطّمه، ولكنه كتم ألمه، ولم يظهره لهم. ثم أمر غلمانه أن يأخذوا السارق حسب القانون، فأسرع إخوته إليه متضرعين وطالبين عفوه، وعرضوا عليه أن يأخذ أحدهم بدلاً من بنيامين، رأفة بأبيه الشيخ العجوز، ولكنّ يوسف عليه السلام رفض ذلك وقال لهم:

 - معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده.

وعندما فشل إخوة يوسف في تخليص بنيامين، اجتمعوا بعيداً عن الناس، وأخذوا يتشاورون: كيف سينقلون الخبر لأبيهم؟ قال أحد الإخوة مذكّراً إياهم:

- ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله أن تعودوا به؟ لن أعود معكم وسأبقى هنا في مصر حتى يأذن لي أبي بالعودة، أو أفكّ أسر أخي.

ثم أجمعوا أمرهم أن يذهبوا إلى أبيهم، ويقصّوا عليه القصة، فقال أحد الإخوة:

- وإن لم يصدّقنا، فسنطلب منه أن يسأل القرية التي كنا فيها، والناس الذين شهدوا حادثة السرقة، والعير (أي القافلة) التي أقبلنا فيها، حتى يتأكّد من صدقنا.

ولما وصلوا إلى بلادهم، قصّوا على أبيهم ما حدث لهم. فقال يعقوب في نفسه:

- بل زيّنت لكم أنفسكم أن تفعلوا فعلة لا أدري ما هي، ولكني لن أيأس من رحمة ربّي، عسى أن يردّ إليّ يوسف وأخاه، ثمّ ترك يعقوب أهله وأبناءه، ودخل بيته يتأسف على ضياع يوسف وأخيه، حتى ابيضّت عيناه من الحزن والبكاء، ولكنه كان يشكو أمره إلى الله سبحانه وتعالى، ويكظم حزنه، ولا يظهره للناس.

وعندما رأى الإخوة ما حلّ بأبيهم من الوهن والحزن قالوا له:

- إلى متى ستبقى تذكر يوسف وتبكي عليه؟ حتى تضعف وتشرف على الهلاك؟

فما كان من يعقوب عليه السلام إلا أن طلب من أبنائه أن يعودوا إلى مصر، ويبحثوا عن يوسف وأخيه، ويتقصّوا أخبارهما، وأن لا ييأسوا من روح الله، لأنّ اليأس لا يدخل قلب مؤمن، ومن ييأس من أنّ الله يمكن أن ينقذه ينفي قدرة الله، ويكفر بصفاته، وبالتالي لا يستطيع أن يقف أمام أي مشكلة تعرض له، لأنّ لكلّ مشكلة عنده حلاً. فإذا استنفد الحيل، رفع يديه إلى السماء وقال:

يا الله، فتنحلّ العقد، وتذلّل العقبات..

سافر إخوة يوسف إلى مصر، كما أمرهم أبوهم، ودخلوا على العزيز، وقالوا له في ذلّ وانكسار:

- يا أيّها العزيز، أصابنا وأهلنا الجوع، وجئناك بدراهم قليلة وبضاعة كاسدة فخذ منا بضاعتنا، وأعطنا ما نستحقه من مؤونة، بما يعادل هذه الدراهم القليلة، وزدنا من عندك صدقة وفضلاً.

وعندها كانت المفاجأة في رد يوسف حين سألهم:

 - هل عرفتم ماذا فعلتم بيوسف وأخيه؟

حينها أدركوا أنّ العزيز الذي يكلّمهم هو أخوهم يوسف، وعرفوا أنهم أخطؤوا بحقّه وحقّ شقيقه، وطلبوا الصفح منه، فما كان منه إلا أن قال لهم:

- لن أعاتبكم وأقرّعكم على ما فعلتموه بي.

ثم خلع قميصه، وطلب منهم أن يلقوه على وجه أبيه، فيرتدّ إليه بصرُه، ثم أن يحضروا إليه جميعاً، ومعهم أبوه وأمّه.

وعندما خرجت القافلة من مصر، قال يعقوب لمن حوله

- إنّي أشمّ رائحة يوسف تقترب منّي.

فضحك منه قومه، واتّهموه بالجنون.

ثمّ وصل البشير بعثور الإخوة على يوسف وأخيه، ثم ألقوا القميص على وجه أبيهم، فعاد بصيراً. وأحضروه إلى يوسف. فأجلس يوسفُ أبويه على العرش معه. وانحنى أبواه وإخوته له ركوعاً، إجلالاً له: عندها التفت يوسف إلى أبيه قائلاً:

- يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل، قد جعلها ربّي حقاً.

ثمّ خرّ يوسف ساجداً لله حامداً لفضله وكرمه.




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2010