العدد 173 - 1/6/2010

ـ

ـ

ـ

 

إعداد: نازك الطنطاوي

بسم الله الرحمن الرحيم

(قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإنّي نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجباً).

(الكهف الآية: 63)

 يخبرنا الله تعالى أن موسى كان خطيباً في بني إسرائيل فسُئل يوماً: أي الناس أعلم؟ قال موسى: أنا.

 فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه (أي إلى الله ونسبه إليه)، فأوحى الله إليه عن طريق فتاه يوشع بن نون، وهو فتى من فتيان سيدنا موسى عليه السلام بأنّ عبداً من عباد الله يقيم في مجمع البحرين عند طنجة - في أقصى بلاد المغرب - عنده من العلم ما لم يحط به موسى.

قال موسى: يا رب وكيف لي به؟

قال: تأخذ معك حوتاً (أي سمكة) مملحاً وتجعله في مكتل (أي في قدر للطبخ) ومتى فقدت الحوت تكون هذه علامة لقائك مع هذا العبد.

 فسارا حتى بلغا مجمع البحرين، وهناك عين يُقال لها عين الحياة، لا يصيب من مائها شيء إلا حيي، فناما هناك، وبينما الحوت في القدر وإذ به يصاب بشيء من رشاش ذلك الماء، فاضطرب، وطفر من المكتل إلى البحر، فاستيقظ يوشع عليه السلام وإذ به يرى الحوت وقد سقط في البحر، وجعل يسير في الماء، والماء له مثل الطاق لا يلتئم بعده (أي يشقّ البحر شقاً ويبقى أثره)، ولهذا قال تعالى:(واتخذ سبيله في البحر سربا) أي مثل السرب في الأرض، يترك أثراً.

عندما استيقظ موسى طلب من فتاه أن يتابع المسير، وبعد أن سارا مسافة بعيدة، أحسّ موسى بالجوع والتعب، وطلب منه أن يأتيه بالطعام، وهنا تذكّر يوشع ما حلّ بالسمكة فقال لموسى: أتذكر الصخرة التي نمنا عليها فإني نسيت الحوت هناك، وما أنسانيه إلا الشيطان، ولقد رأيت الحوت وهو يشقّ طريقه في البحر شقاً بشكل عجيب.

فقال موسى عليه السلام: ذلك ما كنت أنتظره..

ثم عادا من حيث تركا الحوت هناك حتى انتهيا إلى الصخرة، وهناك وجدا عبداً من عباد الله وهو الخضر عليه السلام، كان عبداً صالحاً أتاه الله العلم والحكمة، فطلب منه موسى أن يعلّمه مما علّمه الله تعالى، فقال له الخضر عليه السلام: إنك لن تستطيع أن تصبر على ما لم تعلم، فوعده موسى على السكوت والصبر. وبينما هما يمشيان فإذا بسفينة تقترب منهما فطلب الخضر أن يحملوه ورفيقه فحملوهما، فلما صارا في السفينة وإذ بالخضر يقلع لوحاً من ألواح السفينة، فأخذ الماء يتسرّب إلى السفينة، وعندها اغتاظ موسى وقال للخضر عليه السلام: إنك جئت بعمل خطير، وقبل أن يردّ عليه الخضر، وإذا بعصفور صغير يأتي على حرف السفينة، فيغمس منقاره في البحر ثم يخرجه، فالتفت الخضر إلى موسى قائلاً: ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره في الماء. ثم خرجا من السفينة وبينما هما يتمشيان على الساحل وإذا بغلام يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه بيده فمات من فوره، وهنا اشتاط موسى غضباً، قائلاً له كيف تقتل نفساً بريئة بدون حق. ولكنّ الخضر ذكّره بالشرط فقال موسى حزيناً: إن سألتك عن شيء بعدها فيحقّ لك أن تتركني وتمضي.

 وعندما وصلا إلى قرية يُعرف أهلها بالبخل، طلب الخضر من أهل القرية أن يستضيفوهما ويعطيانهما شيئاً من الطعام، ولكن أهل القرية رفضوا، فوجد الخضر جداراً قديماً مهترئاً يكاد أن يسقط، فشمّر الخضر على ساعديه وأصلح الجدار، فقال له موسى لماذا تعمل لهم وهم لم يعطونا شيئاً.. وهنا كانت القاضية حيث أمره الخضر بالفراق ولكنه أعلمه بأن السفينة خرقها لأن أهلها بسطاء وكان ملك يتربص بالسفن فيأخذها. وأما الغلام، فكان أبواه صالحين وعلم الخضر بما علّمه الله أن هذا الغلام عندما يكبر سيصبح عاقاً لوالديه. وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان أبوهما صالحاً، فأراد الله لهذين الغلامين أن يكبرا ويستخرجا الكنز من تحت الجدار.

التفت الخضر عليه السلام إلى موسى قائلاً: كلّ هذا الذي فعلت لم يكن من إرادتي ولكنّ الله أمرني به، وهو أرحم بعباده المؤمنين.

حزن موسى عليه السلام على استعجاله عدم صبره، وأدرك بأنه أخطأ حينما قال أنه يعلم كل شيء دون الرجوع إلى الله تعالى.




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2010