العدد 174 - 15/6/2010

ـ

ـ

ـ

 

بقلم: يحيى بشير حاج يحيى            رسوم : إياد العيساوي

قال ماجدٌ لجده: وعدتنا – يا جدي – يوم أمس أن تقص علينا قصة السفينة!

قال الجد: وأنا عند وعدي – يا أبنائي –

انتبه ماجد وإخوته، وخيم الصمت على الجميع، وركزوا أبصارهم في وجه الجد العجوز، الذي انطلق قائلاً:

- عندما وقفت السفينة التي كانت تنتقل من الشاطئ الغربي إلى الشاطئ الشرقي في أحد الموانئ، طلب ثلاثة من الرجال الذين بدا عليهم الجوع والتعب، طلبوا من قائد السفينة أن يحملهم معه، لأنهم انقطعوا في هذه الديار، ولم يعد معهم نفقة، وقد تأخروا في العودة إلى أهلهم.

كان قائد السفينة ذا خبرة واسعة في البحر، وفي الرجال الذين يعملون فيه، وكان يخشى من اللصوص، وحين تأكد من صدقهم أحس بالشفقة عليهم، واشترط أن يكونوا في أسفل السفينة، لأن جميع الأماكن على ظهرها محجوزة من قبل، وفيها كثير من الأسر، وبعض هؤلاء مرضى لا يستطيعون الصعود والهبوط.

وافق الرجال الثلاثة على شروط القائد... ومضت السفينة في طريقها حسب الخط الذي تسير عليه في كل مرة، ولكنهم بعد أن شبعوا وارتاحوا بدؤوا يتذكرون أهليهم وأولادهم، ويتمنون أن تصل السفينة قبل موعدها؟! قال أصغرهم:

- لماذا لا نكلم قائد السفينة ليسرع؟

قال الآخران: من يكلمه؟

قال: أنا، وأنتما تكونان معي.

مر بهم القائد، وسألهم عن أحوالهم، فقال أصغرهم:

- أيها القائد! أنت رجل كريم، ونحن مشتاقون إلى أهلنا، فلماذا لا تسرع بنا أكثر؟!

قال قائد السفينة: هداكم الله – إننا نسير ضمن خطة معينة، وسرعة محددة، وإن للبحر مفاجآت أنتم لا تعرفونها!

 قال أوسطهم: إذا كنت لا توافق على زيادة السرعة، فلعلك تختصر الطريق.

ابتسم القائد، وقال: في البحر كما في البر طرق محددة تسير فيها السفن، وقد اعتادت عليها لتضمن لنفسها ولركابها السلامة

تركهم القائد، وذهب إلى بعض شأنه، فقال أكبرهم:

- ليس لدينا مال ندفعه له لكي يسرع أو يختصر الطريق!! وهذا الصنف من الرجال عنيد، لا تنفع معه إلا القوة والتهديد.

قال أوسطهم: ويحك! اخفض صوتك، أهذا هو جزاء من أحسن إلينا؟! ثم لو فعلنا ما تفكر به فسنكون الخاسرين، فنحن ثلاثة لا نملك إلا ملابسنا، وهم كثرة لديهم السلاح والقوة.. اصرف هذا الخاطر الشيطاني عن ذهنك؟!

وبات الثلاثة ليلتهم تلك، وهم مهمومون قلقون، وفي الصباح صعد أصغرهم إلى ظهر السفينة ليأتي ببعض الماء، وكان الوعاء ثقيلاً، وحين رجع أبدى تضجراً، وطلب من صاحبيه أن يوكلا له عملاً آخر! فقالا له:

- أنت أصغرنا وأقدرنا على ما تقوم به؟!

صمت وهو يحس بالتعب والحزن، وقال في نفسه: لأفعلن غداً أمراً أريح به نفسي من التعب، وأوفر الماء اللازم، دون أن أصعد على ظهر السفينة.

وفي صباح اليوم التالي استيقظ قبلهما، وأمسك بمطرقة وإزميل له رأس رفيع وراح ينقر جسم السفينة نقراً خفيفاً، ليثقب ثقباً صغيراً يدخل الماء منه!

انتبه صديقاه مذعورين، وأمسك أحدهما بالمطرقة، والآخر بالإزميل، وصاحا بصوت واحد:

- ماذا تفعل أيها الأحمق؟!

تراخت يداه، ونظر إليهما بهدوء وقال:

- بل أنتما الأحمقان! إنني سأحصل لكما على الماء ننتفع به ولا نضر غيرنا، فأنا كلما صعدت إلى ظهر السفينة أحس بالتعب ويزعجني بعض ركابها بنظراتهم وكلماتهم الهازئة! وأنتما لم تعانيا ما أعاني كل يوم، وأنا منذ الآن لن أصعد إلا مرة واحدة كل ثلاثة أيام، وسيكون لكل واحد منكما يوم يجلب فيه الماء .. أو تتركاني أفعل ما أريد..

قال أحدهما للآخر: لنتركه يفعل ما يريد، وإلا فسنضطر للصعود.

ثم قال له: امضِ في عملك، واجعل الثقب صغيراً.

كان قائد السفينة يتفقد أعمال رجاله، ليتأكد بنفسه من أن كل شيء على أحسن وجه، وعندما اقترب من السلم الذي يؤدي إلى الأسفل، سمع صوت مطرقة يتوالى بانتظام فنزل مسرعاً، ليرى المشهد المخيف، فانقض كأنه النسر، وأمسك بالمطرقة وصاح:

- ويحك! ماذا تفعل؟ إنك تعرضنا جميعاً للموت والغرق؟!

توقف أصغرهم مندهشاً، ونظر الآخران في استغراب؟! وقالا:

- ولكنه لا يفعل شيئاً يؤذي الآخرين أيها القائد؟!! إنك ومنذ أن ركبنا معك لا توافقنا على شيء، فليتنا كنا نملك مالاً ندفعه لك لنصبح كالآخرين.

نظر القائد إلى مكان الثقب، وحمد الله أنه لم يفتح بعد فأحس وكأن صخرة انزاحت عن صدره؟! وقال بصوت منخفض:

- غفر الله لكم، لقد كنتم تقودوننا جميعاً إلى الهلاك؟!

قالوا: وكيف؟!

قال: لو أنني تركت صاحبكم يفعل كما تركتموه لثقب جسم السفينة.

قال أحدهم: وماذا يضر هذا الثقب وهو سيكون صغيراً؟

قال الآخر: ألهذا الحد تخاف من ثقب صغير في سفينتك؟!

قال القائد: نعم! لأن هذا الثقب سيكبر ويكبر؟! وسيتدفق الماء منه شيئاً فشيئاً حتى يغمر أسفل السفينة ولن نكون عند ذلك قادرين على فعل شيء ننقذ به أنفسنا، ومن معنا، لأن حمولة السفينة ستصبح أكبر من قدرتها، وعند ذلك تحدث المأساة وتهوي بنا إلى قعر البحر.

انتبه الثلاثة جيداً إلى كلام القائد، واعتذروا عما بدر منهم، ورجوه أن يقبل اعتذارهم.. ومضت السفينة بأمان..

قال الجد: في حياتنا – يا أبنائي – كثيرون يثقبون الثقوب في سفينة المجتمع؟! وكل عملٍ فيه ضرر، وفيه شر، وفيه منكر هو ذلك الثقب! فإذا انتبه الناس إلى ما يفعل هؤلاء نجوا جميعاً، وإذا تركوهم غرقوا كلهم، وحلت المصيبة بالجميع!




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2010