العدد 175 - 1/7/2010

ـ

ـ

ـ

 

    (4)

           قصة : عبد الودود يوسف          رسم : هيثم حميد

من أين أتى سهم بالمال؟

أذن المؤذن لصلاة العصر ولم يحضر سهم، ثم أذن لصلاة المغرب، ثم أذن لصلاة العشاء. وبعد العشاء بساعةٍ كاملةٍ حضر سهم ووجهه مملوء بالتعب. كان أبوه نائماً، وكانت أمه تنتظره وكأنها تقف على نارٍ، قبّل يدها، ثم أخرج من جيبه عشر ليراتٍ ووضعها أمامها. سألته:

- من أين لك كل هذا المال يا سهم؟!

نظر إليها ثم قال لها:

- إذا قلت لك ماذا أفعل، فهل تتركينني أفعل ما أريد؟..

أجابته: إن كان عملك لا يحرمه الله فسأتركك تفعل ما تشاء.

أطرق رأسه، وقال لها:

- سمعت حديثك مع أبي مساء البارحة، فقلت لماذا لا أفتح الفرن، وأخبز للناس خبزهم؟!.. وعند الفجر فتحت الفرن، وخبزت للناس وأنا الآن تعب يا أماه.

ضمته أمه وبكت من الفرح.

نظرت إلى أخيه سحبان فوجدته يشخر. قالت لسهم:

- لكنني أخاف عليك أن يصيبك شر، أو تحرقك النار، أو تمرض من التعب. غداً سأذهب معك إلى الفرن مع سحبان لنتعاون على العمل كلنا.

فوجئ سهم وقال:

- أنت تعملين في الفرن.. هذا مستحيل؟!

قالت له: فكرت أن أذهب إلى الفرن اليوم لولا أنك قد أتيت مع الطبيب، وجئت بالطعام. وقد أوهمت والدك أنني سأذهب إلى أهلي لآتي بالمال من عندهم. سألبس يا بني ثياب الرجال، وأغطي رأسي. وأوسخ وجهي حتى لا يعرفني الناس، وأعمل أمام بيت النار. وتعمل أنت وأخوك في عجن العجين، وترقيق الأرغفة، فما رأيك؟!!..

أجابها سهم: أنا لا أوافق.. سأقوم بالعمل وحدي.. إن الله سيعينني يا ماما، ماذا سيقول بابا؟.. ومن سيعتني به؟ ومن سيرعى إخوتي الصغار؟ لا يمكن.. لا يمكن..

أجابته: سنقول للناس: الخبز قبل الظهر فقط، وبعد الظهر إلى المغرب سنستلم منهم صدور الحلويات. فأنا أعمل قبل الظهر وأعود، وأنت وأخوك تخبزان صدور الحلويات.

صلاة العشاء ثقيلة على المنافقين

هزت أم سحبان ابنها سحبان عند أذان الفجر، وقالت له:

- هيا إلى الفرن يا سحبان.

صاح: لكن أبي مريض.

لطمته على وجهه. وهمست له:

- قلت لك قم إلى الفرن، وإلا فسوف أكسر هذه العصا على رأسك.

لبس ثيابه وخرج إلى الفرن.

دهش حين رأى الفرن مفتوحاً، وأخوه قد أخبر الجيران كلهم أن يأتوا بعجينهم أو طحينهم عند أذان الفجر، رأى رجلاً طويلاً يخبز الأرغفة، ويقف أمام بيت النار. لم يعرف من هو. عمل مع أخيه بكسلٍ حتى فرغ خبز الجيران كله.

صلى الجميع صلاة الظهر بعد أن انتهوا من العمل وفرغ الفرن من الناس، قال سهم لأخيه سحبان:

- تذهب الآن إلى البيت وتستريح إلى المغرب، فتصلي وتأتي لتعاونني في خبز صدور الحلويات.

فرح سحبان، ونام فوق بلاط الفرن، بينما ذهبت أمه مسرعةً إلى الدار، فهيأت الطعام، وقدمته لزوجها وأولادها وذهب بعدها سحبان إلى الدار يحكي لأمه بطولاته، وأنه قد أدار الفرن، وأخبرها أن أخاه سهماً كان نائماً لا يعمل شيئاً.

لطمته على فمه وقالت له:

- اخرس يا كذاب، أخوك سهم لا يفعل ذلك.

غضب ودخل غرفته ونام.

أذن المؤذن لصلاة المغرب، فأسرعت أمه إليه، وأيقظته، قالت له:

- هيا إلى الفرن يا سحبان، يجب أن تعين أخاك.

لبس ثيابه بتثاقلٍ، وذهب إلى الفرن، رأى أخاه يعمل بهمةٍ، وضع رأسه على خشبةٍ ونام، أذن المؤذن لصلاة العشاء وهو يشخر.. انتهى سهم من كل شيءٍ. هز أخاه، وقال له:

- قم إلى صلاة العشاء يا سحبان.

نظر إليه وقال له:

- اتركني يا سهم، إنني نعسان.

ضحك سهم وقال له:

- صلاة العشاء ثقيلةٌ على المنافقين يا سحبان، فلا تكن منافقاً.

لكن سحبان لم يفهم عليه. كان يغط في نومه، صاح به:

- خذ هذه الحلويات اللذيذة يا سحبان.

فتح سحبان عينيه وقال:

- حلويات، نعم... نعم.. هات الحلويات..

ضحك سهم وقال له:

- تصلي العشاء ثم تأكل.

فتمدد سحبان ونام، وقال:

- لا أريد الحلويات. أريد أن أنام.

قفز سهم وتوضأ ولبس ثيابه النظيفة، وصلى بخشوعٍ. أنهى صلاته وهز أخاه وقال له: هيا إلى البيت يا سحبان، سأغلق الفرن.

نهض سحبان متثاقلاً، فلما دخل بيتهم ارتمى على فراشه بثيابه الوسخة، هزته أمه وصاحت به:

- قم صلِّ العشاء يا سحبان.

فلم يرد عليها، وقالت له:

- صلاة العشاء ثقيلةٌ على المنافقين يا سحبان.

رفع رأسه، وخلع ثيابه، وتوضأ بسرعةٍ. وصلى كالبرق، ثم شخر وهو على سجادة الصلاة، بينما كان سهم يسامر أباه.

العمل الصالح لا يذهب هدراً

ومضت عشرة أيامٍ وشفى الله أبا سحبان، وحكت أم سحبان لزوجها ما فعله سهم، فاشترى له بكل المال الذي ربحه سهم وأمه وأخوه ثياباً جديدةً وحذاءً أما سحبان فقال له أبوه:

- إن صليت العشاء عند الأذان فسوف أشتري لك ثياباً مثل ثياب سهم.

فأجابه سهم: إنها ثقيلةٌ عليه يا أبي.

فأجابه: إنها ثقيلةٌ على المنافقين يا سحبان، فهل تريد أن تكون من المنافقين؟

أجابه: لا.. لا.. يا أبي.. سأصلي العشاء عند أذانها إن شاء الله، لأكون من المؤمنين الذين يحبهم الله.

النهاية




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2010