العدد 177 - 1/8/2010

ـ

ـ

ـ

 

كان يعيش في مدينة أفسوس ملك ظالم كافر بالله، وكان أغلبية شعبها يعبدون الأصنام والأوثان.

وكان لهذا الملك راعٍ يؤمن بالله تعالى سرّاً، هو وعدد من أصحابه. وكان يلجأ بأغنامه لإحدى الخرائب ليصلي، ويدعو إلهاً واحداً لا شريك له.

وفي يوم من الأيام وبينما كان الراعي منهمكاً في صلاته وإذا بكلب لا يقوى على المشي من شدة الجوع والعطش فسارع الراعي إلى العطف عليه، وقدّم له ما تيسّر من الطعام والماء. ومنذ ذلك الوقت أصبحا صديقين حميمين، وأطلق عليه اسم قطمير. فكان هذا الكلب يحرس الأغنام في غياب الراعي ووقت راحته كما كان يحرس الراعي من الأخطار التي قد تداهمه.

 ومضت الأيام.. وبينما الراعي عند الملك لإعطائه الخراف صرخ الملك في وجهه:

- توقَّفْ أيُّها الرّاعي الجاحد..

توقَّفَ الراعي وقلبُه يخفق من شدّة الخوف، دون أن ينبس ببنت شفة. ثم أردف الملك قائلاً:

- لم أرك أيُّها الرّاعي تسجد لآلهتنا. راقبْتُك مراراً وأنت تمرّ على تمثال الإلهة التي في الحديقة دون أن تسجد لها.

تَلَعْثَمَ الراعي قائلاً بصوت مرتجف خائف:

- لقد ضعف بصري أيُّها الملك، ولم أعد أرى ما حولي.

ثم همّ  بالانصراف، ولكن الملك استوقفه مرة أخرى، وقال له بدهاء :

- تكلّمْ أيُّها الرّاعي.. ماذا يجمع بينك وبين وزيري؟.

أحسّ الراعي هذه المرّة بأنه هالك لا محالة، وارتعشت فرائصه من الخوف وهو يقول:

- لاشيء أيُّها الملك.. كان يريد أن أبعث له اللحم إلى بيته.

نظر الملك إلى الراعي نظرات تنمّ عن أنه قد كشف سرّه، ثم أومأ بيده للراعي أن ينصرف.

وفي أقلَّ من ثوان كان الراعي خلف أسوار القصر يعدو راكضاً، وخَلْفَه كَلْبُه الأمين قطمير، وهو ينقر على أكثر من بيت نقرات خفيفة إلى أن خرج من المدينة قاصداً الجبال القريبة، ثم دَلَفَ إلى مكان بين جبلين. ولم تمض سوى ساعة حتى كان ستة رجال يقصدون الجبل، ومن بينهم وزير الملك. التفّوا حول الراعي، وصاروا يتهامسون.

قال الراعي بخوف:

- أدركتُ اليوم أنّ الملك قد عرف الصلة التي بيني وبين الوزير، فماذا تشيرون عليّ؟.

قال الوزير: واليوم أيضاً قرّر الملك أن يمزّق جسد كل من يعبد آلهة غير الآلهة التي يعبده.

وقال آخر: لقد جنَّ الملك ويجب أن نتصرّف بسرعة قبل أن يكتشف أمرنا.

وأجمعوا أمرهم أن يلتقوا هنا في هذا المكان، صباح اليوم التالي في كهف يقضون فيه النهار، حتى إذا جاء الليل تسللوا خارج المدينة، وبهذا ينقذون أنفسهم من يد الملك الظالم.

وفي الصباح كان حراس الملك يقبضون على الناس ويرجمونهم بالحجارة حتى الموت.

جاء الرجال الستة مذعورين إلى بيت الرّاعي، وقال الوزير بهمس وحزم.

- لا وقت لدينا أسرعوا إلى الكهف.

وفي الطريق كانوا يدعون الله قائلين: (ربُّنا ربُّ السماوات والأرض، لن ندعوَ من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططاً) (أي باطلاً وكذباً وبهتاناً).

وما إن وصلوا الكهف  إلى حتى تفرقوا وناموا من شدة الخوف والتعب، وعندما رأى الكلب منظرهم، خاف أن يعثر عليهم حُرّاس الملك، فاتّجه إلى فتحة الكهف، وفتح يديه ورجليه، معترضاً طريق من يتقدم إلى الكهف، ومتّخذاً وضعيّة الحراسة. وكان أمر الله أن تدخل الشمس في الكهف بُكْرَةً وعشيّاً، بحيث لا تصيبهم بأذى حرارتها الشديدة.

ومرّت الأيام والسِّنونَ والرّاعي وأصحابُه والكلب، نائمون على هيئة متيقّظين، فقد كانت أعينهم مفتوحة لا تنطبق لئلا يسرع إليها البِلى والمرض والقَطَبُ، فإذا بقيت مفتوحة ظاهرة للهواء كان ذلك أبقى لها، ولهذا قال تعالى: (وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود). إلى أن كان اليوم الموعود وإذا بالكلب يستيقظ ويتّجه إلى صاحبه الراعي وعندما شاهده ارتعد وارتدّ بعيداً من هول ما رأى، فقد كان شعر رأس صاحبه ولحيته وأظافر يديه ورجليه، قد طالت بشكل كبير ومخيف. فأخذ ينبح من شدة الخوف. استيقظ الراعي على نباح الكلب قطمير، وأراد أن يحرّك يديه ولكنه انتبه إلى أظافره وشعر رأسه المتهدّل على كتفيه، فأسرع إلى أصدقائه ليسألهم عما حلّ به وإذا هو يراهم على هذا الشكل الذي هو عليه، فأخذ ينادي عليهم حتى يستيقظوا. وكم كانت دهشتهم كبيرة وهم يرون أنفسهم بهذا الشكل. وتساءلوا فيما بينهم: كم لبثنا؟ (أي نمنا) (قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم) لأن دخولهم إلى الكهف كان في أول النهار واستيقاظهم كان في آخر النهار. وبدأ الجدال في عدد الأيام التي ناموها، وفيما هم في حيرتهم أحسوا بشيء من الجوع، فاقترح أحدهم أن يذهب الراعي إلى السوق، ليشتري بعضاً من الطعام بهدوء لكي لا يشعر أحد به، ويستدلوا على مكانهم.

عندما خرج الراعي إلى المدينة كانت دهشته واضحة للعيان، فقد تغيّرتْ معالم البلد ولم يعرف أحداً من سكانها: لا خَوَاصّها ولا عَوَامّها، فجعل يقول في نفسه: لعلّ بي جنوناً أو أنا أحلم.. ليست هذه البلدة التي أْعرفها. ثم عمدَ إلى رجل يبيع الطعام فدفع إليه قطعة معدنية كان الملك قد أعطاه إياها، ولكن الرجل أنكر هذه النقود ولم يعرفها ثم دفعها إلى جاره لعله يعرف ما نوعُها، وأخذ كل واحد يتداول قطعة النقود، ظانين بأنّ هذا الرجل إما مجنون أو أنه عثر على كنز، -وفهم من كلامهم أنه رقد هو وأصحابه ثلاثمائة عام- فأحضروه إلى ولي أمرهم وهو الحاكم (يندوسيس) فسأله عن حاله وما قصة النقود التي معه فأخبره بكل ما جرى معه ومع أصحابه. كان الملك يستمع إليه وهو في غاية من الدهشة، ثم طلب من الراعي أن يرى الكهف الذي فيه الرجال الستة. وليتبين صدق الرجل من كذبه.. حتى إذا وصلوا إلى الكهف قال لهم الراعي:

- دعوني أتقدمكم في الدخول لأعلم أصحابي، كي لا يندهشوا دهشتي.

ثم غاب في الكهف وطالت غيبتُه والملك والناس ينتظرونه. عندها قرر الملك الدخول إلى الكهف ليرى ماذا حلّ بالراعي، وإذا به يراهم جميعاً قد رجعوا إلى إغفاءتهم ورقودهم ولكن هذه المرة كانت الرقدة الأخيرة إلى يوم الدين.

خرج الملك وهو يسبّح بحمد الله وبقدرته العجيبة. ثم أمر أن يُبنى عليهم مسجد يقصده الرائح والغادي ليبقى عبرة على مرّ العصور.




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2010