العدد 177 - 1/8/2010

ـ

ـ

ـ

 

بقلم : عبد الودود يوسف             رسوم : هيثم حميد

(1)

كانتْ صلعةُ الأخنسِ ابنِ شُريقٍ مشهورةً في أنحاءِ مكّةَ كُلِّها ، كما كان بطْنُهُ الضّخمُ دليلاً لأطفالِ مكةَ على شخصيّتِهِ ، كانَ الكبارُ يمزحونَ معهُ ، يقولون له :

ـ متى ستلدُ أولادَكَ العَشرةَ يا أخنسُ ؟!!.

كان يضحكُ لهم ويَغمزهمْ كما يغمزونهُ .

جلسَ مع أصحابهِ العشرةِ خلفَ الكعبةِ في مجلسِهمُ المشهورِ . همس :

ـ أرأيتُمُ العودَ وفراخَهُ ؟!

أصابتهُمُ الدَّهشةُ ، وهمسوا :

ـ وهل للعيدانِ أولادٌ يا أخنسُ ؟!!.

همس :

ـ انظروا إلى يمينِ الكعبةِ تروْنَ العودَ وفِراخَهُ . نظروا فرأوه أبا طالبٍ وأولادَهُ الصِّغارَ .

ضحكوا حتى دمَعتْ عُيونهم . همس :

ـ وما رأيُكمْ بالدّيكِ النّابحِ ؟

ضحكوا .. وضحكوا ثمَّ همسوا :

ـ وهل ينبحُ الدِّيكُ يا أخنسُ ؟!!...

همس :

ـ انظروا إلى أبي جهلٍ كيفَ يَصيحُ ويرفعُ أنفهُ ويعوي بصوتهِ في أنحاءِ مكةَ كلّها .

لم يبقَ واحدٌ منهمْ إلا وفاضت عَيناهُ من شدَّةِ الضّحكِ .

كانت سهرتُهم كُلُّها غمزاً بالناسِ ولمزاً بهمْ ، لم يبقَ رجلٌ في مكةَ إلا هَمزوهُ ، وَلمزوهُ ، وسَخروا منه .

صاح بهم :

ـ الدّيكُ يَصيحُ ، والصباحُ يطلعُ .

صاحوا :

ـ ومن هو الديكُ يا أخنسُ ؟

صاح بهم :

ـ ويْلكُم إنّني لا أغمزُ ولا ألمِزُ ، إنَّ الصباحَ يكادُ يَطلعُ ، وأنا ذاهبٌ إلى بيتي ، وموعدُنا مساءَ الغدِ.

لم يُصدِّقوا أنَّ الأخنس لا يمزحُ إلا حين رأوهُ يُغادرُ المجلسَ إلى بيتهِ .

عادَ العَشرةُ مساءَ اليومِ التالي ، وجلسوا ينتظرون الأخنسَ ليضحكوا على غمزاتهِ ولمزاتهِ وهمزاته وأحاديثِهِ السّاخرةِ . لكنَّ الأخنسَ لم يحضرْ ، عجبوا لذلك ، وأخيراً فطنوا إلى سرِّ تخلُّفِهِ ، لقد عادت من الشّامِ قافلةُ الصّيفِ وعاد رجالَهُ ، ومعهمُ البضائعُ من كلِّ لونٍ . أفرغها كلّها في دارهِ ، وأغلقَ عليه بابَهُ ينتظرُ من يأتيه ليطلُبها منه . تجمهرَ باعةُ مكةَ الصّغارُ أمامَ دارهِ فرأو أبوابَ دارِهِ كلّها مُوصدةَ ، نعم مُغلقةً ، ومغلقةً بقوةٍ ، فماذا يفعلونَ ؟مضت السّاعاتُ دونَ فائدةٍ ، قال أحدُهم :

ـ يبدو أنَّ الأخنسَ يعدُّ الآنَ أمواله .

فهمسَ آخرُ :

ـ لا فائدةَ إذن من الانتظارِ ، هيا إلى أعمالِنا .

همسوا جميعاً :

ـ لكننا انتظرنا أمامَ بابِه الموصدِ ساعاتٍ ، فهل علِمَ بنا ، لماذا لا نَطرُقُ عليه بابه ؟!.

اقترب أحدُهم وطرق بابَ الأخنسِ بلطفٍ ، وبعد قليلٍ فُتح البابُ ، وظهرَ الأخنسُ بِصلعتِهِ اللاّمعةِ ، وكِرشِهِ الضّخمة همسَ :

ـ أهلاً بكم ، ماذا تريدون ؟!

أجابوهُ :

ـ جئنا نشتري بعضَ البضائعِ منك .

همسَ :

ـ غداً سأبيعُكم ما تطلبونَ أمّا اليومَ فإنني مشغولٌ بعدِّ أموالي وتصنيفِ بضائعي ، ولو أتيتم بعد غدٍ لكانَ خيراً لكم .

غادرَ الباعةُ دارَ الأخنسِ وهم يهمسون :

ـ إنَّ أموالَ الأخنسِ تحتاجُ إلى يومين حتى ينتهيَ من عدّها ، إنّه غنيٌ كبيرٌ .

دخلَ الأخنسُ بيته وهو يبتسمُ ، لقد أخفى عن تُجّارِ مكّةَ ما يريدُ فِعلهُ ، ولو استطاعَ أحدٌ أن يطّلع على ما في فؤادهِ لوجدهُ لا يُفكّرُ في عدِّ أموالِهِ وإحصاءِ بضائعهِ .. لا .. إنّه يحاولُ تحديدَ أرباحهِ ، ومعرفةَ كم ستكونُ هذه الأرباحُ .

كانَ فؤادَهُ يموجُ بالأفراحِ حين يفكرُ أنّ أموالَه ستتضاعفُ سيصبحُ كلَّ قِرشٍ منها ثلاثةَ قروشٍ .

حليمةُ العَجوزُ

ما كادَ يبيتُ إلا وسمعَ طرقاً على بابهِ ، خرجَ سَريعاً ظنَّ أنَّ التجّارَ قدْ عادوا إليه ، لكنّه وجدَ حليمةَ العجوزَ تحملُ أطفالها الثلاثةَ . قالتْ له :

يتبع في العدد القادم بمشيئة الله




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2010