
بقلم
: عبد الودود يوسف
رسوم : هيثم
حميد
(1)

كانتْ صلعةُ الأخنسِ
ابنِ شُريقٍ مشهورةً في أنحاءِ مكّةَ
كُلِّها ، كما كان بطْنُهُ الضّخمُ دليلاً
لأطفالِ مكةَ على شخصيّتِهِ ، كانَ الكبارُ
يمزحونَ معهُ ، يقولون له :
ـ متى ستلدُ أولادَكَ
العَشرةَ يا أخنسُ ؟!!.
كان يضحكُ لهم
ويَغمزهمْ كما يغمزونهُ .
جلسَ مع أصحابهِ
العشرةِ خلفَ الكعبةِ في مجلسِهمُ المشهورِ
. همس :
ـ أرأيتُمُ العودَ
وفراخَهُ ؟!
أصابتهُمُ الدَّهشةُ ،
وهمسوا :
ـ وهل للعيدانِ أولادٌ
يا أخنسُ ؟!!.
همس :
ـ انظروا إلى يمينِ
الكعبةِ تروْنَ العودَ وفِراخَهُ . نظروا
فرأوه أبا طالبٍ وأولادَهُ الصِّغارَ .
ضحكوا حتى دمَعتْ
عُيونهم . همس :
ـ وما رأيُكمْ بالدّيكِ
النّابحِ ؟
ضحكوا .. وضحكوا ثمَّ
همسوا :
ـ وهل ينبحُ الدِّيكُ يا
أخنسُ ؟!!...
همس :
ـ انظروا إلى أبي جهلٍ
كيفَ يَصيحُ ويرفعُ أنفهُ ويعوي بصوتهِ في
أنحاءِ مكةَ كلّها .
لم يبقَ واحدٌ منهمْ إلا
وفاضت عَيناهُ من شدَّةِ الضّحكِ .
كانت سهرتُهم كُلُّها
غمزاً بالناسِ ولمزاً بهمْ ، لم يبقَ رجلٌ في
مكةَ إلا هَمزوهُ ، وَلمزوهُ ، وسَخروا منه .
صاح بهم :
ـ الدّيكُ يَصيحُ ،
والصباحُ يطلعُ .
صاحوا :
ـ ومن هو الديكُ يا
أخنسُ ؟
صاح بهم :
ـ ويْلكُم إنّني لا
أغمزُ ولا ألمِزُ ، إنَّ الصباحَ يكادُ
يَطلعُ ، وأنا ذاهبٌ إلى بيتي ، وموعدُنا
مساءَ الغدِ.
لم يُصدِّقوا أنَّ
الأخنس لا يمزحُ إلا حين رأوهُ يُغادرُ
المجلسَ إلى بيتهِ .
عادَ العَشرةُ مساءَ
اليومِ التالي ، وجلسوا ينتظرون الأخنسَ
ليضحكوا على غمزاتهِ ولمزاتهِ وهمزاته
وأحاديثِهِ السّاخرةِ . لكنَّ الأخنسَ لم
يحضرْ ، عجبوا لذلك ، وأخيراً فطنوا إلى سرِّ
تخلُّفِهِ ، لقد عادت من الشّامِ قافلةُ
الصّيفِ وعاد رجالَهُ ، ومعهمُ البضائعُ من
كلِّ لونٍ . أفرغها كلّها في دارهِ ، وأغلقَ
عليه بابَهُ ينتظرُ من يأتيه ليطلُبها منه .
تجمهرَ باعةُ مكةَ الصّغارُ أمامَ دارهِ
فرأو أبوابَ دارِهِ كلّها مُوصدةَ ، نعم
مُغلقةً ، ومغلقةً بقوةٍ ، فماذا يفعلونَ
؟مضت السّاعاتُ دونَ فائدةٍ ، قال أحدُهم :
ـ يبدو أنَّ الأخنسَ
يعدُّ الآنَ أمواله .
فهمسَ آخرُ :
ـ لا فائدةَ إذن من
الانتظارِ ، هيا إلى أعمالِنا .
همسوا جميعاً :
ـ لكننا انتظرنا أمامَ
بابِه الموصدِ ساعاتٍ ، فهل علِمَ بنا ،
لماذا لا نَطرُقُ عليه بابه ؟!.
اقترب أحدُهم وطرق بابَ
الأخنسِ بلطفٍ ، وبعد قليلٍ فُتح البابُ ،
وظهرَ الأخنسُ بِصلعتِهِ اللاّمعةِ ،
وكِرشِهِ الضّخمة همسَ :

ـ أهلاً بكم ، ماذا
تريدون ؟!
أجابوهُ :
ـ جئنا نشتري بعضَ
البضائعِ منك .
همسَ :
ـ غداً سأبيعُكم ما
تطلبونَ أمّا اليومَ فإنني مشغولٌ بعدِّ
أموالي وتصنيفِ بضائعي ، ولو أتيتم بعد غدٍ
لكانَ خيراً لكم .
غادرَ الباعةُ دارَ
الأخنسِ وهم يهمسون :
ـ إنَّ أموالَ الأخنسِ
تحتاجُ إلى يومين حتى ينتهيَ من عدّها ، إنّه
غنيٌ كبيرٌ .
دخلَ الأخنسُ بيته وهو
يبتسمُ ، لقد أخفى عن تُجّارِ مكّةَ ما يريدُ
فِعلهُ ، ولو استطاعَ أحدٌ أن يطّلع على ما
في فؤادهِ لوجدهُ لا يُفكّرُ في عدِّ
أموالِهِ وإحصاءِ بضائعهِ .. لا .. إنّه
يحاولُ تحديدَ أرباحهِ ، ومعرفةَ كم ستكونُ
هذه الأرباحُ .
كانَ فؤادَهُ يموجُ
بالأفراحِ حين يفكرُ أنّ أموالَه ستتضاعفُ
سيصبحُ كلَّ قِرشٍ منها ثلاثةَ قروشٍ .
حليمةُ العَجوزُ
ما كادَ يبيتُ إلا وسمعَ
طرقاً على بابهِ ، خرجَ سَريعاً ظنَّ أنَّ
التجّارَ قدْ عادوا إليه ، لكنّه وجدَ
حليمةَ العجوزَ تحملُ أطفالها الثلاثةَ .
قالتْ له :
يتبع
في العدد القادم بمشيئة الله
