العدد 178 - 15/8/2010

ـ

ـ

ـ

 

صاح محمود فرحاً:

- لقد أثبتوا هلال رمضان..أثبتووووه.

عمّت الفرحة وجوه الأسرة، وأخذ كل فرد منهم يسلم على الأخر بحرارة، مهنئاً بقدوم شهر رمضان، الضيف الجميل الذي انتظروه طوال العام.

قالت أم محمود:

- أعدّ الناس عدة هذا الشهر الفضيل، من طعام وشراب وحلويات.

قال أبو محمود:

- وكأنهم لم يأكلوا طوال العام.

قال محمود بحزن:

- ولكن صديقي محمد كان حزيناً البارحة، لأنهم لا يملكون طعاماً ولا شراباً، وقد رأى الناس من حوله يدخلون على بيوتهم ما لذّ وطاب، وأبوه لا يملك قرشاَ كي يصرف عليهم.

قال أبو محمود:

- لقد اجتمعت مع كبار أهل الحي عندنا، وقررنا أن نتبرع لفقراء الحي.

قفز محمود من الفرح وقال:

- هل تريد أي مساعدة يا أبتي؟

قال أبو محمود:

- سنجمع التبرعات في حديقة منزلنا، وأنت عليك ترتيب الطرود.

قال محمود:

- وكيف؟

قال أبو محمود:

- تضع في كل صندوق كيساً من الحليب، وكيساً من الشاي والسكر، وبعض المعلبات.

علم أصدقاء محمود بما يعمله محمود، فاجتمعوا عنده، وبدؤوا بمساعدته، فصارت ورشة عمل رائعة، الكل يتسابق كي يكسب الأجر وخاصة في شهر رمضان.

كان مراد أخو محمود كسول جداً، لا يحب مساعدة أحد، وكان ينظر إلى محمود وأصدقاءه نظرة استهزاء، ويقول لهم:

- لمَ هذا التعب؟ الفقراء لهم الله، الله يطعمهم ويسقيهم.

ثم يذهب إلى غرفته يهزّ رأسه ضاحكاً.

في أحد الأيام، كان مراد يسير في شارع فرعي كي يختصر الطريق ويعود بسرعة إلى بيته قبل أذان المغرب.

وإذا بالطريق يطول ويطول، أراد العودة من حيث بدأ فلم يستطع، حار في أمره، واقترب موعد الإفطار ومراد لا يعرف طريق العودة.

وفجأة انطلق أذان المغرب، ومراد لا يملك طعاماً ولا شراباً، وقد وصل على منطقة مقطوعة بعيدة عن العمران، شعر مراد بالجوع والعطش، وخاصة في هذا الصيف اللاهب.

نظر حوله علّه يجد من يساعده فلم يجد.

بدأ التعب يدبّ في أطرافه، والجوع يعصر معدته، ولسانه صار ثقيلاً قد التصق في سقف حلقه من شدة العطش.

حينئذ تذكر جاره الفقير وبكاء أولاده الصغار، وهم يصرخون من الجوع، وكم شعر بالخجل من نفسه، عندما كان يسخر من جاره ومن قلة حيلته وتقصيره في إطعام أولاده.

شعر مراد بألم الجوع الذي كان يعصر أولاد جاره عصراً، عندما جاع هو، فاستغفر الله كثيراً، وقرر في نفسه أنه عندما يصل إلى بيته سيساعد محموداً في توزيع طرود الخير على الفقراء والمساكين.

وفجأة سمع أصواتاً كأنه يعرفها، وهم ينادون عليه، ركض جهة الصوت، فرأى أخاه محموداً وأصدقاءه يتراكضون هنا وهناك وهم يصرخون:

- مراد .. مراد.. هل تسمعنا..

ركض مراد نحوهم فرحاً بمرآهم، ثم تذكر شيئاً فقال لهم:

- الآن موعد الإفطار وأنتم هنا؟

قال الأصدقاء:

- لم نستطع أن نفطر وأنت بعيد عنا يا مراد.. لقد بحثنا عنك في كل مكان..

وصل الجميع إلى بيت مراد وودعوه كي ينصرفوا إلى بيوتهم ليفطروا.

ولكن مراد لم يتركهم يذهبون حتى يفطروا عنده، وهو يقول لهم:

- لدينا عمل كثير بعد الإفطار، لقد سمعت من والدي أن شاحنة كبيرة ستأتي اليوم لتأخذ التبرعات وتوزعها على المحتاجين.




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2010