
بقلم
: عبد الودود يوسف
رسوم : هيثم
حميد
(2)

حليمةُ
العَجوزُ
ما
كادَ بيتُ إلا وسمعَ طرقاً على بابهِ ، خرجَ
سَريعاً ظنَّ أنَّ التجّارَ قدْ عادوا إليه
، لكنّه وجدَ حليمةَ العجوزَ تحملُ أطفالها
الثلاثةَ . قالتْ له :
ـ
هؤلاءِ الصِّغارُ جائعونَ منذُ أيّامٍ ، فهل
نجدُ عندكَ يا أخنسُ ما يأكلون ؟!!..
صرخَ
بها :
ـ
وهل أنا مُتفرّغٌ لكِ ولأولادِكِ ، هيا
ابعدي عنْ داري أنتِ وصَعاليكُكِ الثلاثةُ ،
إنني مشغولٌ بعدِّ أموالي ، وإحصاءِ أرباحي .
انكسرت
نفسُ المسكينةِ ونفرتِ الدّموعُ من عينيها ،
وامتلأَ فؤادُها بالكرهِ له . ولوِ اطلعَ
أحدٌ على ما في قلبِها لرأى مَوجاتِ
الأحزانِ تغلي فيهِ وتفورُ . كانت اللّوعةُ
تُحرقُ كبدَها على أطفالها الجائعينَ .
لكنَّ اللهَ لا ينسى عِيالهُ ، والفقراءُ
والمظلومون هُمْ أقربُ عِيالهِ إليهِ .
كانت
المسكينةُ تسيرُ مبتعدةً بينما كانَ
الأخنسُ بنُ شُريْقٍ يُلويْ عُنقَهُ ،
ويغمزُ بعينيهِ ، ويقولُ :
ـ
ذهب البلاءُ .
صاحَ
أبناؤهُ وانفجروا ضاحكين ، بينما همست زوجُه
:
ـ
يا لك من هُمزةٍ كبيرٍ . إنَّ هَمَزاتِكَ
ولَمَزاتِكَ لا يقدِرُ عليها في مكةَ أحدٌ .
كانت
دموعُ العجوزِ تملأُ وجهَها حِينَ اقتربت من
الكعبةِ بعدَ أن طردها الأخنسُ ، وسخرَ منها
، كانَ الجوعُ يهدُّها هدّاً ، وأولادُها
الثّلاثةُ قد ملّوا منَ البكاءِ . وفجأةً
هدأَ أحدُ أبنائها ، نظرت إليه فإذا هو قدْ
ماتَ . أسرعتْ إلى مدافنِ مكةَ لِتدفِنَهُ ،
فلمّا انتهت من دفنِهِ جلستْ تنتظرُ أن
يموتَ أولادُها واحداً بعدَ واحدٍ ،
لتدفِنهم ، وحفرتْ لنفسِها حُفرةً ، حتى إذا
ما شعرت بقُربِ الموتِ ألقتْ بنفسِها فيها ،
وجَعَلَتها قبرَها . إذ منْ يدري فقد تموتُ
ولا تجدُ منْ يَدْفنها . كانت عيناها تفيضانِ
بالدّموعِ مُمتزِجةً بالدِّماءِ ، وكانَ
إبناها يغرسانِ أظافِرهُما في الترابِ من
شدّةِ الجوعِ ..
شعرتْ
بالدّنيا تدورُ منْ حولِها ، وأحسّتْ كأنَّ
طاحوناً يَطحنُ رأسَها ، عرفتْ أنَّهُ
الموتُ ، فألقتْ بنفسِها في الحفرةِ التي
حفرتها . صرخَ ولداها :
ـ
أمّاهُ ... أمّاهُ ...
صرختْ
بكلِّ ما تملكُ من قوّةٍ :
ـ
ولدي .. إنْ متُّ فستموتانِ ، يا ويلكَ يا
أخنسُ .
وفقدت
وعيَها ، كانت ترى أحلاماً رائعةً ؛ أناسٌ
طيبون مجتمعونَ حولها ، قرّبَ أحدُهمْ من
فمها كوبَ حليبٍ دافئٍ ، فشربتهُ حتى لم يبقَ
في بطنها مكانٌ لطعامٍ ولا شرابٍ . كانت
تشعرُ بالسّعادةِ والقُوّةِ ، لولا أن رأتِ
الأخنسَ يقتربُ منها . صرختْ :
ـ
ابعدْ عني يا أخنسُ .
فتحتْ
عينيها فوجدت نفسها في بيتٍ جميلٍ . رأت
امرأةً سوداءَ تعتني بها ، كانَ ولداها
يلعبانِ في ناحيةٍ من الغرفةِ ، همستْ :
ـ
أين أنا ؟!! .
ابتسمتْ
لها الجاريةُ وقالت لها :
ـ
أنتِ في دارِ حمزةَ بنِ عبدِ المطّلبِ .
دُهشتْ
وهمست :
ـ
سيدُ شبابُ قريشٍ ؟!!
رأتهُ
من بعيد يقتربُ منها . ابتسمَ لها وقال :
ـ
عافاكِ اللهُ يا امرأةُ . سمعتُ صُراخكِ في
المقابرِ ، فأسرعتُ إليكِ وحملكِ أهلي إلى
بيتِنا ، هل أنتِ في عافيةٍ ؟!!.
همست
:
ـ
لو لم يكنْ في الدنيا أخنسُ لكنتُ في عافيةٍ
، أموالَهُ بالقناطيرِ ، ولسانُهُ
كالثعبانِ . كادَ أولادي يموتونَ من الجوعِ ،
حملتهُم إليه ليراهمْ ، وسألتُه بعضَ
الطعامِ ، لكنّهُ سخرَ منّا وشتمنا وطردَنا .
همس
حمزةُ :
ـ
ويلكَ يا أخنسُ ما أشدَّ لُؤمَكَ ، وما أقذرَ
لسانَكَ الهمّازَ الغمّازَ . سأريَهُ ماذا
سأفعلُ بهِ .
يتبع
في العدد القادم بإذن الله