العدد 178 - 15/8/2010

ـ

ـ

ـ

 

بقلم : عبد الودود يوسف             رسوم : هيثم حميد

(2)

حليمةُ العَجوزُ

ما كادَ بيتُ إلا وسمعَ طرقاً على بابهِ ، خرجَ سَريعاً ظنَّ أنَّ التجّارَ قدْ عادوا إليه ، لكنّه وجدَ حليمةَ العجوزَ تحملُ أطفالها الثلاثةَ . قالتْ له :

ـ هؤلاءِ الصِّغارُ جائعونَ منذُ أيّامٍ ، فهل نجدُ عندكَ يا أخنسُ ما يأكلون ؟!!..

صرخَ بها :

ـ وهل أنا مُتفرّغٌ لكِ ولأولادِكِ ، هيا ابعدي عنْ داري أنتِ وصَعاليكُكِ الثلاثةُ ، إنني مشغولٌ بعدِّ أموالي ، وإحصاءِ أرباحي .

انكسرت نفسُ المسكينةِ ونفرتِ الدّموعُ من عينيها ، وامتلأَ فؤادُها بالكرهِ له . ولوِ اطلعَ أحدٌ على ما في قلبِها لرأى مَوجاتِ الأحزانِ تغلي فيهِ وتفورُ . كانت اللّوعةُ تُحرقُ كبدَها على أطفالها الجائعينَ . لكنَّ اللهَ لا ينسى عِيالهُ ، والفقراءُ والمظلومون هُمْ أقربُ عِيالهِ إليهِ .

كانت المسكينةُ تسيرُ مبتعدةً بينما كانَ الأخنسُ بنُ شُريْقٍ يُلويْ عُنقَهُ ، ويغمزُ بعينيهِ ، ويقولُ :

ـ ذهب البلاءُ .

صاحَ أبناؤهُ وانفجروا ضاحكين ، بينما همست زوجُه :

ـ يا لك من هُمزةٍ كبيرٍ . إنَّ هَمَزاتِكَ ولَمَزاتِكَ لا يقدِرُ عليها في مكةَ أحدٌ .

اللّئيمُ

كانت دموعُ العجوزِ تملأُ وجهَها حِينَ اقتربت من الكعبةِ بعدَ أن طردها الأخنسُ ، وسخرَ منها ، كانَ الجوعُ يهدُّها هدّاً ، وأولادُها الثّلاثةُ قد ملّوا منَ البكاءِ . وفجأةً هدأَ أحدُ أبنائها ، نظرت إليه فإذا هو قدْ ماتَ . أسرعتْ إلى مدافنِ مكةَ لِتدفِنَهُ ، فلمّا انتهت من دفنِهِ جلستْ تنتظرُ أن يموتَ أولادُها واحداً بعدَ واحدٍ ، لتدفِنهم ، وحفرتْ لنفسِها حُفرةً ، حتى إذا ما شعرت بقُربِ الموتِ ألقتْ بنفسِها فيها ، وجَعَلَتها قبرَها . إذ منْ يدري فقد تموتُ ولا تجدُ منْ يَدْفنها . كانت عيناها تفيضانِ بالدّموعِ مُمتزِجةً بالدِّماءِ ، وكانَ إبناها يغرسانِ أظافِرهُما في الترابِ من شدّةِ الجوعِ ..

شعرتْ بالدّنيا تدورُ منْ حولِها ، وأحسّتْ كأنَّ طاحوناً يَطحنُ رأسَها ، عرفتْ أنَّهُ الموتُ ، فألقتْ بنفسِها في الحفرةِ التي حفرتها . صرخَ ولداها :

ـ أمّاهُ ... أمّاهُ ...

صرختْ بكلِّ ما تملكُ من قوّةٍ :

ـ ولدي .. إنْ متُّ فستموتانِ ، يا ويلكَ يا أخنسُ .

وفقدت وعيَها ، كانت ترى أحلاماً رائعةً ؛ أناسٌ طيبون مجتمعونَ حولها ، قرّبَ أحدُهمْ من فمها كوبَ حليبٍ دافئٍ ، فشربتهُ حتى لم يبقَ في بطنها مكانٌ لطعامٍ ولا شرابٍ . كانت تشعرُ بالسّعادةِ والقُوّةِ ، لولا أن رأتِ الأخنسَ يقتربُ منها . صرختْ :

ـ ابعدْ عني يا أخنسُ .

فتحتْ عينيها فوجدت نفسها في بيتٍ جميلٍ . رأت امرأةً سوداءَ تعتني بها ، كانَ ولداها يلعبانِ في ناحيةٍ من الغرفةِ ، همستْ :

ـ أين أنا ؟!! .

ابتسمتْ لها الجاريةُ وقالت لها :

ـ أنتِ في دارِ حمزةَ بنِ عبدِ المطّلبِ .

دُهشتْ وهمست :

ـ سيدُ شبابُ قريشٍ ؟!!

رأتهُ من بعيد يقتربُ منها . ابتسمَ لها وقال :

ـ عافاكِ اللهُ يا امرأةُ . سمعتُ صُراخكِ في المقابرِ ، فأسرعتُ إليكِ وحملكِ أهلي إلى بيتِنا ، هل أنتِ في عافيةٍ ؟!!.

همست :

ـ لو لم يكنْ في الدنيا أخنسُ لكنتُ في عافيةٍ ، أموالَهُ بالقناطيرِ ، ولسانُهُ كالثعبانِ . كادَ أولادي يموتونَ من الجوعِ ، حملتهُم إليه ليراهمْ ، وسألتُه بعضَ الطعامِ ، لكنّهُ سخرَ منّا وشتمنا وطردَنا .

همس حمزةُ :

ـ ويلكَ يا أخنسُ ما أشدَّ لُؤمَكَ ، وما أقذرَ لسانَكَ الهمّازَ الغمّازَ . سأريَهُ ماذا سأفعلُ بهِ .

يتبع في العدد القادم بإذن الله




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2010