العدد 179 - 1/9/2010

ـ

ـ

ـ

 

بقلم : عبد الودود يوسف             رسوم : هيثم حميد

(3)

العقابُ ..!!..

كانَ مساءً صعباً على الأخنسِ حينَ أقبلَ إلى الكعبةِ ليجلسَ في مجالسِ قادةِ مكةَ . كانَ يقولُ في نفسِهِ :

ـ سأجدُ سادةَ قريشٍ كلّهم عندَ الكعبةِ ، سيقومونَ كلُّهم ، وسأبيعهم اليومَ بألفِ ألفِ درهمٍ . فلمّا وصلَ إلى الكعبةِ ، وجدهم جميعاً ينظرونَ إليهِ بغضبٍ ، ولم يقمْ لهُ أحدٌ منهم ، لم يعرفِ السببَ . صرخَ حمزةُ :

ـ لا مكانَ لكَ بيننا يا أخنسُ .

همسَ :

ـ ولماذا يا ابنَ عبدِ المطلبِ ؟!!.

صرخَ الجالسونَ كلُّهم :

ـ لسانُكَ طويلٌ ، وبُخلُكَ مشهورٌ ، وكلُّنا نكرهُك ، سَنقاطعكَ حتى تتركَ صِفاتِكَ اللئيمةَ . سننبُذك كما ننبذُ أوساخنا ..

صاحَ حمزةُ :

ـ إي واللهِ ، لننبُذنّك حتى تُصلِح نفسكَ .

ارتجفَ فؤادُ الأخنسِ ، وقال في نفسهِ :

ـ إنْ قاطعني أهلُ مكةَ ونبذوني فسوفَ أخسرُ كلَّ تجارتي .

تحطمت آمالُهُ في أن يبيعَ قادة مكةَ بضائعهِ بألفِ الفِ درهمٍ كما تمنّى ، فحطّمَ هذا الخاطرُ نفسَهُ فوقعَ على الأرضِ كأنّهُ قد خرجَ من حُطَمةٍ كسّرتْهُ ، وألقتْهُ كما تُلقي الطّاحونُ الدقيقَ المسحوقَ .

همس :

ـ لن ترَوا مني بعد اليومِ شراً قطُّ .. سأكونُ كما تريدونَ .

صاحَ حمزةُ :

ـ لن نُصَدِّقَكَ إلاّ إذا دفعتَ لِفقراءِ مكةَ مائةَ ألفِ درهمٍ دُفعةً واحدةً .

صرخَ الأخنسُ :

ـ دُفعةً واحدةً ؟! هذا كثيرٌ ..

صاحَ حمزةُ :

ـ ألم أقلْ لكم إنَّ الأخنسَ لنْ يَرجعَ عنْ أخلاقهِ السّيئةِ !!..

قاطعهُ الأخنسُ :

ـ لكمْ ما تريدونَ ، غداً سأوزّعها ...

صاحَ حمزةُ :

ـ توزّعها أمامنا غداً عند الكعبةِ .

عدَّ الأخنسُ مائة ألفٍ درهمٍ وهو يبكي ، لم تعرف امرأتُهُ سببَ أحزانِهِ ، سألتْهُ :

ـ أعرفكَ تعُدُّ أموالكَ وأنت تضحكُ ، فلماذا تبكي اليومَ على غيرِ عادتِكَ ؟!

فلمّا عرفتْ سببَ بكائهِ ضحكتْ حتى كادت تقعُ ، همست :

ـ عرفَ حمزةُ بنُ عبدِ المطّلبِ كيفَ يُعاقبُكَ .

صرخ :

ـ واللهِ كأنّي خارجٌ الآنَ من حُطمَةٍ طحنتني فحطّمتني .

همست له :

ـ ولماذا كلُّ هذا الهمِّ ، زد ثمن بَضائعك تربحُ أكثرَ من مائةِ ألفٍ .

صاحَ :

 ويلك واللهِ لقد أخرجتني من الحُطمةِ . سأرفعُ ثمنَ بضائعي مائتي ألفِ ، وأعطيكِ منها عَشرةَ دراهمَ مُكافأة لك .

رمتهُ بقبضةٍ من ترابٍ وصرخت في وجهه :

ـ ردَّ دراهمكَ العشرةَ على بخلكَ أيها اللئيمُ .

وخرجتْ من الغرفةِ غاضبةً .

الحقُّ يظهرُ

لم يستطع أحدٌ من قادةِ قريش أن يكتمَ غيظهُ مساءَ ذلك اليومِ . نفخَ أبو سُفيان كالجملِ وصاحَ :

ـ مزّقكمْ واللهِ محمدٌ .

ودمدمَ أبو جهلٍ :

ـ يريدُنا أتباعاً له ، ونحنُ السّادةُ الذينَ يتبعُنا الناسُ ؟

وقضمَ أميّةُ بن خلفٍ أسنانَهُ وشهرَ سيفه ، وفحّ كالأفعى :

ـ إن لم تقتلوهُ فسوفَ يأكُلُكمْ أتباعُهُ يزيدون في كلِّ يومٍ عدداً وقوةً .

صاح الأخنسُ :

ـ أنا كفيلٌ أن أجعلَ الناسَ كلَّهم يسخرون منهُ ، ومالي كله بين أيديكم .

وصرخ أميةُ بن خلفٍ :

ـ وعليّ تعذيبَ الضعفاءِ من المسلمين .

وصرخ أبو جهلٍ :

ـ أما أنا فلن أهدأَ حتى أقتله .

وأخذ كل زعيمٍ منهم دوراً في حربِ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم .

كان الناسُ يضربون عبد اللهِ ابنَ مسعودٍ حينَ أخذ يصرخُ بسورةِ الرّحمنِ عندَ الكعبةِ ، لم ينتهوا حتى سمعوا صارخاً ثانياً يصرُخُ بصوتٍ يُحاولُ أن يجعَله كصوتِ امرأةٍ :

ـ الرّحمنُ .. الرّمنُ ..!.. هيا اكفروا بالرّحمن ..

ضحك الناسُ كلهُم ...

تابع الأخنسُ :

ـ خلقَ الإنسانَ .. خلقَ الإنسانَ .. هيا اضحكوا على محمدٍ ، ألا تعرفونَ أنَّ اللهَ هو الذي خلقَ الإنسانَ ؟! ما هوَ الجديدُ الذي جاءكمْ به محمدٌ ..؟!..

ضحكوا حتى كادوا يقعونَ على ظهورهم . وتابعَ الأخنسُ غَمزهُ ولمزهُ :

ـ الشّمسُ والقمرُ يسجدان ؟.. ألا تعرفون كيف تسجدُ الشمسُ ، وكيف يسجدُ القمرُ للرحمن ؟..

صاح الناسُ :

ـ لا .. لا ..

صرخَ :

ـ وأنا لا أعرفُ أيضاً ، هيا إلى محمدٍ لنسأله .

ضحكوا ... وضحكوا .. وضحكوا .. صاح بهم :

ـ منْ ضحكَ على محمدٍ أكثرَ من غيرهِ أعطيتُهُ مالاً أكثر من غيرهِ . خُذوا .. ونثر عليهم الدراهم صرخ :

ـ يقولُ محمدٌ إنّ من يكفرُ به سيدخلُ جهنّمَ بعدَ موتِهِ ، أقول لكم : إنَّ مالي سيحولُ بيني وبين الموتِ ، لن أموتَ أبداً ، بلّغوا محمداً أنَّ مالَ الأخنسِ سَيُخلدهُ في الأرضِ ، ولن يموتَ ، لأنَّ الموتَ إن جاءني فسوف أعطيهِ بعض مالي ليبتعدَ عني ، فما رأيكم ..

ضحكوا حتى كادتْ قلوبهم تنفجرُ . لم يبق أحدٌ إلاّ وضحك من سُخرياتِ الأخنسِ ابنِ شريقٍ من القرآنِ ، ومن محمدٍ صلى الله عليه وسلم .

العقابُ ....

يتبع في العدد القادم بمشيئة الله

 

 


أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2010                    

www.al-fateh.net