|
 

بقلم
: عبد الودود يوسف
رسوم : هيثم
حميد
(3)
العقابُ
..!!..
كانَ مساءً صعباً
على الأخنسِ حينَ أقبلَ إلى الكعبةِ ليجلسَ
في مجالسِ قادةِ مكةَ . كانَ يقولُ في نفسِهِ
:
ـ سأجدُ سادةَ
قريشٍ كلّهم عندَ الكعبةِ ، سيقومونَ كلُّهم
، وسأبيعهم اليومَ بألفِ ألفِ درهمٍ . فلمّا
وصلَ إلى الكعبةِ ، وجدهم جميعاً ينظرونَ
إليهِ بغضبٍ ، ولم يقمْ لهُ أحدٌ منهم ، لم
يعرفِ السببَ . صرخَ حمزةُ :
ـ لا مكانَ لكَ
بيننا يا أخنسُ .
همسَ :
ـ ولماذا يا ابنَ
عبدِ المطلبِ ؟!!.
صرخَ الجالسونَ
كلُّهم :
ـ لسانُكَ طويلٌ
، وبُخلُكَ مشهورٌ ، وكلُّنا نكرهُك ،
سَنقاطعكَ حتى تتركَ صِفاتِكَ اللئيمةَ .
سننبُذك كما ننبذُ أوساخنا ..
صاحَ حمزةُ :
ـ إي واللهِ ،
لننبُذنّك حتى تُصلِح نفسكَ .
ارتجفَ فؤادُ
الأخنسِ ، وقال في نفسهِ :
ـ إنْ قاطعني
أهلُ مكةَ ونبذوني فسوفَ أخسرُ كلَّ تجارتي .
تحطمت آمالُهُ في
أن يبيعَ قادة مكةَ بضائعهِ بألفِ الفِ
درهمٍ كما تمنّى ، فحطّمَ هذا الخاطرُ
نفسَهُ فوقعَ على الأرضِ كأنّهُ قد خرجَ من
حُطَمةٍ كسّرتْهُ ، وألقتْهُ كما تُلقي
الطّاحونُ الدقيقَ المسحوقَ .
همس :
ـ لن ترَوا مني
بعد اليومِ شراً قطُّ .. سأكونُ كما تريدونَ .
صاحَ حمزةُ :
ـ لن نُصَدِّقَكَ
إلاّ إذا دفعتَ لِفقراءِ مكةَ مائةَ ألفِ
درهمٍ دُفعةً واحدةً .
صرخَ الأخنسُ :
ـ دُفعةً واحدةً
؟! هذا كثيرٌ ..
صاحَ حمزةُ :
ـ ألم أقلْ لكم
إنَّ الأخنسَ لنْ يَرجعَ عنْ أخلاقهِ
السّيئةِ !!..
قاطعهُ الأخنسُ :
ـ لكمْ ما
تريدونَ ، غداً سأوزّعها ...
صاحَ حمزةُ :
ـ توزّعها أمامنا
غداً عند الكعبةِ .

عدَّ الأخنسُ
مائة ألفٍ درهمٍ وهو يبكي ، لم تعرف امرأتُهُ
سببَ أحزانِهِ ، سألتْهُ :
ـ أعرفكَ تعُدُّ
أموالكَ وأنت تضحكُ ، فلماذا تبكي اليومَ
على غيرِ عادتِكَ ؟!
فلمّا عرفتْ سببَ
بكائهِ ضحكتْ حتى كادت تقعُ ، همست :
ـ عرفَ حمزةُ بنُ
عبدِ المطّلبِ كيفَ يُعاقبُكَ .
صرخ :
ـ واللهِ كأنّي
خارجٌ الآنَ من حُطمَةٍ طحنتني فحطّمتني .
همست له :
ـ ولماذا كلُّ
هذا الهمِّ ، زد ثمن بَضائعك تربحُ أكثرَ من
مائةِ ألفٍ .
صاحَ :
ويلك
واللهِ لقد أخرجتني من الحُطمةِ . سأرفعُ
ثمنَ بضائعي مائتي ألفِ ، وأعطيكِ منها
عَشرةَ دراهمَ مُكافأة لك .
رمتهُ بقبضةٍ من
ترابٍ وصرخت في وجهه :
ـ ردَّ دراهمكَ
العشرةَ على بخلكَ أيها اللئيمُ .
وخرجتْ من
الغرفةِ غاضبةً .
الحقُّ
يظهرُ
لم يستطع أحدٌ من
قادةِ قريش أن يكتمَ غيظهُ مساءَ ذلك اليومِ
. نفخَ أبو سُفيان كالجملِ وصاحَ :
ـ مزّقكمْ واللهِ
محمدٌ .
ودمدمَ أبو جهلٍ :
ـ يريدُنا
أتباعاً له ، ونحنُ السّادةُ الذينَ يتبعُنا
الناسُ ؟
وقضمَ أميّةُ بن
خلفٍ أسنانَهُ وشهرَ سيفه ، وفحّ كالأفعى :
ـ إن لم تقتلوهُ
فسوفَ يأكُلُكمْ أتباعُهُ يزيدون في كلِّ
يومٍ عدداً وقوةً .
صاح الأخنسُ :
ـ أنا كفيلٌ أن
أجعلَ الناسَ كلَّهم يسخرون منهُ ، ومالي
كله بين أيديكم .
وصرخ أميةُ بن
خلفٍ :
ـ وعليّ تعذيبَ
الضعفاءِ من المسلمين .
وصرخ أبو جهلٍ :
ـ أما أنا فلن
أهدأَ حتى أقتله .
وأخذ كل زعيمٍ
منهم دوراً في حربِ محمدٍ صلى اللهُ عليه
وسلم .
كان الناسُ
يضربون عبد اللهِ ابنَ مسعودٍ حينَ أخذ
يصرخُ بسورةِ الرّحمنِ عندَ الكعبةِ ، لم
ينتهوا حتى سمعوا صارخاً ثانياً يصرُخُ
بصوتٍ يُحاولُ أن يجعَله كصوتِ امرأةٍ :
ـ الرّحمنُ ..
الرّمنُ ..!.. هيا اكفروا بالرّحمن ..
ضحك الناسُ كلهُم
...
تابع الأخنسُ :
ـ خلقَ الإنسانَ
.. خلقَ الإنسانَ .. هيا اضحكوا على محمدٍ ،
ألا تعرفونَ أنَّ اللهَ هو الذي خلقَ
الإنسانَ ؟! ما هوَ الجديدُ الذي جاءكمْ به
محمدٌ ..؟!..
ضحكوا حتى كادوا
يقعونَ على ظهورهم . وتابعَ الأخنسُ غَمزهُ
ولمزهُ :
ـ الشّمسُ
والقمرُ يسجدان ؟.. ألا تعرفون كيف تسجدُ
الشمسُ ، وكيف يسجدُ القمرُ للرحمن ؟..
صاح الناسُ :
ـ لا .. لا ..
صرخَ :
ـ وأنا لا أعرفُ
أيضاً ، هيا إلى محمدٍ لنسأله .
ضحكوا ... وضحكوا ..
وضحكوا .. صاح بهم :
ـ منْ ضحكَ على
محمدٍ أكثرَ من غيرهِ أعطيتُهُ مالاً أكثر
من غيرهِ . خُذوا .. ونثر عليهم الدراهم صرخ :
ـ يقولُ محمدٌ
إنّ من يكفرُ به سيدخلُ جهنّمَ بعدَ موتِهِ ،
أقول لكم : إنَّ مالي سيحولُ بيني وبين
الموتِ ، لن أموتَ أبداً ، بلّغوا محمداً
أنَّ مالَ الأخنسِ سَيُخلدهُ في الأرضِ ،
ولن يموتَ ، لأنَّ الموتَ إن جاءني فسوف
أعطيهِ بعض مالي ليبتعدَ عني ، فما رأيكم ..
ضحكوا حتى كادتْ
قلوبهم تنفجرُ . لم يبق أحدٌ إلاّ وضحك من
سُخرياتِ الأخنسِ ابنِ شريقٍ من القرآنِ ،
ومن محمدٍ صلى الله عليه وسلم .
العقابُ
....
يتبع
في العدد القادم بمشيئة الله

|