العدد 181 - 1/10/2010

ـ

ـ

ـ

 

-1-

د. طارق البكري

مرحباً يا أصدقاء..

يسرني أن ألتقي بكم اليوم بعد أكثر من 975 سنة من رحيلي عن هذه الدنيا.. لا شك أنكم سمعتم بي وبإنجازاتي الكثيرة.. وأنا أحبكم لأنكم مميزون ووصلتم اليوم إلى أعلى مستوى من التقدم.. فنحن في الماضي لم نكن نملك كل ما لديكم الآن من آلات وإنجازات تسهل لكم العيش.. وتساعدكم على الحياة بسهولة أكبر من الماضي..

لقد اشتهرت كثيراً بلقبي (ابن سينا).. ويحب الناس أن يلقبونني بالشيخ الرئيس..

ولدت قبل نحو ألف عام وتحديداً عام 980 وكانت وفاتي عام 1036 أي كان عمري عند وفاتي 56 سنة تقريباً..

وليست هذه الارقام صحيحة تماماً.. لأنه في زمني لم يكن لدينا سجلات مثل السجلات التي لديكم اليوم.. لكنها تواريخ رجحها بعض العلماء..

ولدت في قرية قديمة تدعى (أفشنة) وهي قريبة من مدينة بخارى من مدن أوزبكستان حالياً، من أب من مدينة (بلخ) التي تقع في أفغانستان حالياً.. وتوفيت في مدينة همدان التي تقع في في إيران..

ولو أردت أن أخبركم عن تفاصيل حياتي لاحتجت إلى أوراق كثيرة.. فقد كنت منذ صغيري مهتماً مثلكم بالعلم.. وكنت لا أضيع دقيقة واحدة دون أن أقرأ أو أكتب.. أو أحفظ.. حتى أني حفظت القرآن الكريم وعمري لا يتجاوز العشر سنين.. وبرعت في تلك السن الصغيرة بالنحو (الإعراب) واللغة والشعر والأدب.. وفي سن الشباب أحببت الطب حباً كثيراً.. وأصبحت طبيباً ماهراً ولم يكن عمري قد تجاوز السادسة

 ورغم حياتي القصيرة فقد كتبت أكثر من مئتي كتاب وفي موضوعات علمية كثيرة.. من أبرزها الطب والفلسفة.. وكنت أول من وضع كتاباً عن الطب في العالم.. ومن كتبي الشهيرة عبر السنين كلها كتاب الشفاء.. وكتاب القانون في الطب..

ومما ساعدني على دراستي أن أبي كان محباً للعلم.. وقد وجهني للتعلم على أيدي علماء كبار في عصري.. وكنت أحياناً لا أنام الليل.. وأوصل السهر والعمل والبحث حتى أتوصل إلى حل لمسألة علمية..

وعندما بلغت 18 من عمري أصبحت طبيباً شهيراً جداً.. وعندما مرض السلطان نوح بن منصور الساماني.. سلطان الدولة السامانية التي كانت في تلك الأيام.. استدعاني على الفور.. وتمكنت من علاجه بفضل الله.. فأعجب السطان بي وبعلمي وأمر بأن تكون مكتبته الخاصة تحت تصرفي.. ولم تكن الكتب في عصرنا متوفرة كثيراً.. فكانت تلك الفترة من أجمل فترات حياتي وأكثرها أهمية.

وبسبب حبي للعلم.. قررت السفر بحثاً عن العلماء وطلباً للعلم.. فغادرت مدينة بخارى.. وذهبت الى خوارزم وبقيت فيها عشر سنوات.. ثم تنقلت من بلد إلى آخر.. حتى وصلت إلى همدان.. وقضيت فيها تسع سنوات.. وعندما بلغت 56 سنة من عمري.. جاءني الموت وتوفيت هناك سعيداً راضياً عن أعمالي الكثيرة ومساعدتي لكثير من الناس.. وكنت أتمنى فقط أن أعيش أكثر حتى أحقق أكثر.. لأني كنت أؤمن بأهمية العلم في الحياة ومدى فائته للناس.. ومما يؤكد ذلك أن كثيراً  مما كتبته صار يدرس في جامعات العالم.. وترجم إلى لغات كثيرة.

ولم يكن اهتمامي مقتصراً على الطب.. فقد كنت أحب الشعر وأكتبه.. ولدى أشعار كثيرة.. كما اشتهرت بالفكر والفلسفة.. وكانت أبحاثي لا تمنعني عن ممارسة هواياتي المحببة.. وقد درست الموسيقى أيضاً.. وكتبت كتباً فيها.. كما درست الرياضيات والعلوم والفلك..

وبرعت في كل ذلك..

وصدقني يا عزيزي الصغير أني لم أكن أشعر بالملل أثناء القراءة أبداً... رغم أن كتبنا القديمة هي غير كتبكم الجميلة الصغيرة اليوم.. وكانت أقلامنا غير أقلامكم الخفيفة السهلة الكتابة.. وكنت أحيانا اقرأ كتاباً مرات ومرات لأفهمه.. وربما قرأت الكتاب 40 مرة متتالية دون أن أشعر بالملل ولا للحظة واحدة..

وكنت إذا تحيرت في مسألة ولم أجد حلاً لها، ذهبت إلى المسجد وصلّيت ودعوت الله أن يهدي قلبي إلى الحل.

وكنت في الليل أضيء السراج وكان عبارة عن فتيلة وزيت فلم يكن لدينا الكهرباء التي لديكم والمصابيح القوية.. بل كنت أضع السراج قرب الكتاب والأوراق.. وأنشغل بالقراءة والكتابة فمهما غلبني النوم أو شعرت بضعف، عدلت إلى شرب قدح من الشراب ريثما تعود إليّ قوتي، ثم أرجع إلى القراءة.

ولم يكن يهمني الماء والثراء والمناصب.. بل كان همي العلم الذي يفيد الناس.. ومنذ أن أصبحت طبياً.. فرغت نفسي من أجل معالجة المرضى الفقراء دون أجر.. حباً للخير وشكراً لله على هذا العلم.. وليس للتكسب..

ورغم أني لم أكن من أصل عربي.. فإني أحببت العربية وبرعت فيها..

وأفخر أني كنت أول من وصف التهاب السحايا، وأظهر الفرق بين التهاب الحجاب الفاصل بين الرئتين والتهاب ذات الجنب. وأوَّل من اكتشف الدودة المستديرة. وأوَّل من اكتشف اليرقان وأوَّل من تحدَّث وبشكل دقيق عن السكتة الدماغية.

ومن بين إنجازاتي اكتشافي لبعض الأدوية المنشّطة لحركة القلب. ولأنواع من الأدوية المنومة التي تعطى للمرضى قبل إجراء العمليّات الجراحية. وكنت أحد أوائل العلماء المسلمين الذين اهتموا بالعلاج النفسي، وبرصد أثر هذا العلاج على الآلام العصبية.

وفي علم الطبيعة، اكتشفت أن الرؤية أو الضوء سابقة على الصوت كضوء البرق مثلاً يسبق صوت الرعد، فنحن نرى ومض برقه ثم نسمع صوته.

ومن أشهر كتبي في الطب "القانون"، الذي أصبح أحد مراجع جامعات أوروبا الأساسية، حتى إنه درِّس في جامعتي "مونبليه" و"لوفان" إلى نهاية القرن السابع عشر. وكان هذا الكتاب مرجعاً أساسياً يدرَّس في جامعتي فيينا وفرانكفورت طوال القرن السادس عشر.

ولم أكن في يوم من الأيام فاتر الهمّة في طلب العلم لكن في نهاية حياتي أصاب جسدي المرض، وأحسست بقرب الأجل فتصدقت بما لدي من مال للفقراء، وأعتقت غلماني. وتفرغت للعبادة حتى وفاتي.

وغادرت الدنيا وأنا سعيد جداً رغم الآلام التي أصابتني.. لأني تركت لكم إنجازات عظيمة.. في العلم والفكر والطب والفلك والدواء والتربية وكثير من العلوم.. فرضيت عن نفسي..

فانظروا يا أصدقائي كيف أنني اليوم وبعد نحو ألف سنة من وفاتي ما زال الناس يذكرونني ويكتبون عني.. فمن النادر أن تجد كتاباً عربياً أو أجنبياً يتكلم عن الطب والفلسفة والتربية ولا يذكرني..

وهذا ما يسعدني كثيراً ويشعرني بأني قريب منكم.. وأنكم تحبونني.. فلكم جميعاً محبتي..




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2010                    

www.al-fateh.net