العدد 181 - 1/10/2010

ـ

ـ

ـ

 

بقلم : عبد الودود يوسف           رسوم : هيثم حميد

(1)

لم يبقَ رجلٌ ولا امرأةٌ ، ولا طفلٌ ، إلاَّ وخرجَ من خيمتِهِ حين قرعَت طُبولُ قبيلة الهاسبا معلنةً بدء الاحتفالِ بمحصولِ العامِ الجديدِ .

لم يتوقف قرعُ الطبولِ إلا حينما أعلنَ شيخُ القَبيلةِ بدءَ الصّلاةِ شُكراً لله على ما أنعمَ به على قبيلةِ الهاسبا من خيراتٍ . صلى الناسُ خلفهُ ركعتينِ ثم توجهوا معهُ إلى أكوامِ المحاصيل ، وقفَ شيخُ القبيلةِ محمد شَمارا أمامَ أولِ كومة ، كُومَةِ الموزِ ، وأخذ منها موزةً ، ووضعها على رأسهِ إجلالاً واحتراماً وهتفَ :

ـ شكراً للهِ وحمداً لهُ .

فهتف الجميعُ :

ـ اللهُ أكبر ... اللهُ أكبرُ ...

وزادَ قرعُ الطُّبولِ قرعاً وقرعاً ، وتوجهت وجوه القارعينَ حماساً فزادتْ ضّرَباتِهم قوةً وحناناً ... وعَجِبَ وحوشُ الغابِ من هذه القارعةِ .

ما زال الشيخُ محمد شمارا ينتقلُ من كومةٍ إلى كومةٍ حتى انتهى من مباركةِ المحاصيلِ كلّها . غربتْ الشمسُ بألوانها الرّائعةِ وأعلنَ المؤذنُ من فوقِ أعلى شجرةٍ قريبةٍ نهايةَ النهار ، ووقفَ الجميعُ صُفوفاً طويلةً بثيابهم البيضاءِ يُصلّونَ خلف شيخِ القبيلةِ صلاةَ المغربِ .

ولما انتهت الصلاةُ زادَ قرعُ الطّبولِ ، وأُشعلتِ النّيرانُ الحاميةُ تحتَ القُدورِ ، ومُلئتِ القُدورُ بأنواعِ المحاصيل حتى أنضجتها تلك النارُ الحاميةُ .

صُبّتِ الأطعمةُ في الصّحونِ ، وجلس الجميعُ حلقاتٍ يأكلونَ من رزقِ اللهِ الذي أعطاهم في هذا العامِ الخصيبِ حتى شبعوا . ثمّ التفّوا حولَ النّيرانِ الحاميةِ يتسامرونَ .

كانت أسرابُ الفراشِ تأتي من كلِّ مكانٍ لتدورَ حولَ أضواءِ النّيرانِ ، ثمّ لتلقي بنفسها بها حباً بالنّورِ وما زالت تكثرُ حتى أصبحت فوقَ النيرانِ كالسّحبِ ، كبيرةً ، وصغيرةً ، وذاتُ ألوانٍ رائعةٍ ، لم يرَ الناسُ مثلها من قبل .

كان أطفالُ قبائلِ الهاسبا يركُضونَ إلى الفراشاتِ ليُعيدوها ، ويضعوها في أقفاصٍ منَ القشِّ ، حتى يتطلعوا عليها عند الصباح ، كانت أسرابُ الفراشِ منتشرةً في كلِّ مكانٍ ، ومبثوثةً في كلِّ ناحيةٍ ، تأتي وتروحُ كأنها هي الأخرى في حفلةِ العمرِ ، مبتهجةً بمحاصيلِ العامِ الجديدِ . وأخيراً أمرَ شيخُ القبيلةِ أن تُطفأ النيرانُ حِرصاً على أسرابِ الفراشِ المبثوثِ في كلِّ مكانٍ أن تهلكَ نفسها باللّهيبِ الرّهيبِ . قُرعت الطبولُ فرحاً بهذا الموقفِ الكريمِ .

صاحَ شيخُ القبيلةِ :

ـ ربعُ محاصيلنا لجيرانِنا قبيلةِ النّرجسِ الفقراءَ زكاةَ أموالنا ، وزيادةً ، فما رأيكم ؟

زادَ قرعُ الطّبولِ سُروراً لهذا الموقفِ العظيمِ .

كان الناسُ كلهم في سرورٍ عظيمٍ إلاّ هتاشا الذي كانَ لا يفكرُ في الاحتفالِ ، بل كان يُفكر فيما سيشتريه غداً من هذه المحاصيل . ذهبَ الناسُ جميعاً إلى بيوتهم إلا هتاشا الذي كان يدورُ حولَ أكوامِ المحاصيلِ ، وقف طويلاً أمامَ كُومةِ العهنِ وقال :

ـ إنَّ كُومةِ الصّوفِ هذه كبيرةٌ ... كبيرةٌ ، لكنّ هذا العهنَ منفوشٌ ، يجبُ أن يرَصّ جيداً حتى يسهلَ نقلهُ إلى معاملِ الجُوخِ في أوروبا .

نام تلك الليلةَ وهو يحلمُ بأرباحهِ من العهن المنفوشِ ، كان هتاشا هو أوّلُ من استيقظ حين أذّن المؤذنُ لصلاةِ الفجرِ ، كما كان هتاشا هو أول من دخل إلى الجامعِ من المسلمين . كانت الصلاة ثقيلةً عليه . ظنَّ أن الإمامَ قد قرأ القُرآن كلّه في كل ركعةٍ ، إنّه يريد أن تنتهيَ الصّلاةُ ليبدأَ بشراءِ المحاصيلِ .

نصب موازينَهُ أمامَ أكوامِ الصُّوفِ المنفوشِ ، وصارَ يصيح :

ـ هيا يا أصحابَ الصّوفِ ، سأشتري اليومَ صّوفكم كلّه .

ابتسموا جميعاً واقتربوا منه ، وهمسوا له :

ـ بكم ستشتري صوفنا ؟.

أجابهم :

ـ هيّا رصّوهُ ، سأشتريه بالثمنِ الذي تريدون .

عَجِبوا جميعاً حين انتهوا من وزنِ صوفهم بموازينِ هتاشا ، إنَّ وزنه أقلَّ من كلِّ المواسم السّابقةِ ، كانوا يَظنّونَ أن موسمهم في هذا العامِ سيكون ضِعفَ موسمِ السّنة الماضيةِ ، فأغنامهم أكثرُ ، وصُوفُها أطولُ ؟!!..

ماذا فعلَ هتاشا ؟!.

يتبع في العد القادم بمشيئة الله




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2010                    

www.al-fateh.net