العدد 182 - 15/10/2010

ـ

ـ

ـ

 

-2-

د. طارق البكري

في زمان بعيد.. كان هنالك فتى صغير اسمه (أحمد) يعيش في منطقة جميلة قرب البحر.. وكان البحر صديقاً له منذ الصغر.. وكان أبوه بحاراً كما كان جده من.. ولم يكن أبوه بحاراً عادياً بل كان رباناً معروفاً في زمنه.. مشهوراً برحلاته ومغامراته البحرية حتى أطلق البحارة عليه لقب (ربان البرين) أي بر العرب وبر العجم لكثرة أسفاره ورحلاته..

وفي يوم من الأيام الجميلة.. اجتمع كثير من الأصدقاء وأهل المنطقة يستمعون إلى حديث البحار ماجد وجلس في جواره ابنه أحمد ينصت ويستمع باهتمام بالغ لحديث والده الشيّق.

وفيما كان الأب يروي قصصه ومغامراته البحرية الكثيرة.. كان أحمد يتأمل ما يقوله الأب وهو يحكي ويسرد العجائب التي رآها في رحلاته.

أحمد صغير بالسن لكنه بعد أن أسعده ما سمعه من والده من مغامرات... طلب من أبيه أن يأخذه معه في رحلته المقبلة..

فرح الأب كثيراً بطلب ابنه.. ورأى فيه بحاراً كبيراً في المستقبل... فقال له: ما زلت صغيراً يا ولدي على مثل هذه الرحلات الشاقة..

فقال أحمد مصراً: أريد أن أرى بلاد العجم، وأشاهد بعيني العجائب التي ترويها لنا.

فوعد الأب ابنه بأنه سوف يأخذه معه بعد أن يكبر قليلاً.. خاصة أن الرحلة القادمة أصبحت قريبة..

وعندما حان موعد الرحلة.. ذهب أحمد الى الشاطىء مودعاً أبيه.. وظل يتأمل السفينة حتى غابت خلف البحر..

عاد الطفل حزيناً.. ويتمنى لو رافق أباه في رحلته هذه..

تذكر أحمد ما قاله له أبوه قبل أن يرحل: "أعدك يا أحمد بأن آخذك معي في الرحلة المقبلة لو اتقنت القراءة والكتابة، وحفظت كتاب الله، وتعلمت الحساب، وقرأت كل الكتب التي كتبتها عن رحلاتي السابقة، إضافة إلى ما كتبه البحارة السابقون عن رحلاتهم"..

أسرع أحمد إلى البيت.. ودخل مكتبة أبيه وبدأ يقرأ ويقرأ.. وذهب إلى حلقات التعليم في زمنه.. وكان حريصاً على العلم والتعلم.. ثم يعود إلى البيت ويقضي ما بقي من نهار في قراءة الكتب التي كتبها أبيه والتي كتبها كثير من البحارة.. فقد كان أبوه يحتفظ بمكتبة كبيرة..

اطلع أحمد على كتاب جميل جداً كتبه أبوه وكان عنوانه: (الأرجوزة الحجازية).. وكانت تضم ألف بيت في وصف الملاحة في البحر.. فأمضى وقته بقراءته وحفظ ما فيه..

وعندما عاد أبوه من رحلته بعد أشهر.. رأى ابنه على هذا الحال من التقدم في العلم والمعرفة ففرح كثيراً وقال له إنه سيوفي بوعده له ويأخذه معه في رحلته المقبلة بعد أن أثبت إصراره وحرصه على أن يكون بحاراً.. وقبل أن يبلغ أحمد العاشرة من عمره قاد أول سفينة في حياته بمراقبة والده حتى يختبره.. فنجح في الاختبار.. وظل يرافق والده حتى بلغ الـ17 عمره وبعد أن تأكد الأب من قدرات ابنه سمح له بقياد السفينة لوحدة.

ولم يتوقف أحمد عن القراءة والتعلم والاطلاع رغم تحقق حلمه بالسفر.. بل اشتدت رغبته للحصول على العلم والتعلم.. بل كان سعيه للعلم فيما بعد سبباً لسفراته ومغامراته اللاحقة..

ومضت الأيام.. وازداد أحمد خبرة وعلماً، وصار شهيراً بين الناس في بلده وفي كل البلاد التي زارها.. بل أصبح أشهر ربان في الخليج العربي، وأطلق عليه البحارة: (أسد البحار).

وبعد أن أصبح أحمد بحاراً شهيراً لم يتكبر ولم يتعال على الآخرين.. بل كان متواضعاً يحرص على العمل بيديه.. وكان يفحص المركب بنفسه.. قبل أن تنزل البحر ويتأكد من صلاحية أجهزة السفينة وصحة البحارة وأحوالهم وراحتهم.

وكان أحمد خلوقاً طيباً فأحبه البحارة وأحبه الناس، وكان رباناً حكيماً، ليناً في قوله، عادلاً في حكمه، لا يظلم أحداً، صبوراً ثابت القلب، دائم اليقظة قليل النوم. وكتب في أحمد كتبه الكثيرة: (ينبغي إذا ركبت البحر أن تلزم الطهارة، فإنك في السفينة ضيف من ضيوف الباري فلا تغفل عن ذكره).

ومن شدة حبه للبحر حرص على الاستزادة من كل العلوم التي ترتبط بالبحر فتعلم كل ما يتعلق بالنجوم والأفلاك.. وحركة الريح والجغرافيا.. وكتب أكثر من 40 كتاباً.. وكان فضله كبيراً على البحارة من بعده لأنه هو الذي اخترع البوصلة التي تنفع البحارة في رحلاتهم.

من هو أحمد بن ماجد؟

- ولد ونشأ في جلفار حالياً (رأس الخيمة) وهي اليوم إحدى إمارات دولة الإمارات العربية المتحدة. ويرجح مولده في عام 840هـ (ت بعد 1498م).

- قاد السفينة لأول مرة تحت رعاية أبيه وعمرة لا يتجاوز العاشرة.

- عندما بلغ الـ17 من عمره تولى القيادة التامة بنفسه.

- تعلم الحساب الهندي والعربي والزنجي، وحساب أهل جاوة والصين منذ أن كان حدثاً يافعاً، مما مكنه من مقارنة قياسات الآخرين.

- كان نشاطه مرموقاً على ساحل الزنج وفي جزر الهند، حتى أصبح اسم ابن ماجد فيه على لسان ربابنة المحيط الهندي والخليج العربي.

- اشتهر بعلمه في شؤون البحار وفي كل ما يتصل بعلم الملاحة والفلك، وخلف الكثير من أعماله في مختلف العلوم الملاحية والفلكية، وهو أول من طور البوصلة الملاحية بالمفهوم الحديث، وقد وضع الإيطاليون بوصلة من هذا النوع وبهذا الاسم بعد عصر ابن ماجد بـ50 عاماً.

- ذكر ابن ماجد في مؤلفاته أسماء الجزر والبلدان والسواحل والقياسات البحرية ومطالع النجوم وطريقة استخراج القبلة، وشرح المسالك البحرية بين ساحل وآخر، ودون علمه ومعرفته في أراجيز عديدة وفي مؤلفات منها كتاب (الفوائد في أصول علم البحر والقواعد) وهو من أكبر أعماله، و يشتمل على عدة مواضيع في الملاحة وعلم الفلك.

- من آثاره ما تمت صياغته شعراً على شكل أراجيز أهمها (حاوية الاختصار في علم البحار)، وقصائد في وصف شواطئ جزيرة العرب.

من كتبه الكثيرة:

- الفوائد في أصول علم البحر والقواعد.

- حاوية الاختصار في أصول علم البحار.

- أرجوزة بر العرب في خليج فارس.

- تصنيف قبلة الإسلام في جميع الدنيا.

- ضريبة الضرائب في القياسات الفلكية.

- القافية في قياس النجوم المشهورة.

- كنز المعالمة في علم المجهولات في البحر.

- الفوائد في أصول علم البحر.




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2010                    

www.al-fateh.net