العدد 190 - 15/2/2011

ـ

ـ

ـ

 

ريما عبد القادر - غزة

في عيون بريئة تحملها ملامح طفولة محمد ناجي عبيات، والدموع تنهمر على وجهه الصغير، وهو ينظر لصور والدته وأشقائه، ويتمنى أن يحتضنهم جميعاً من جديد بعد أن حرمه الاحتلال قول كلمة "ماما"، كما حرم الاحتلال والده المبعد ناجي عبيات من زوجته وأطفاله وكل أفراد عائلته بعد أن أبعد بقرار من قبل الاحتلال الإسرائيلي من بيت لحم إلى قطاع غزة المحاصرة.

وكثيراً ما كان محمد يحاول أن يخفي دموعه عن والده حتى لا يزيد ألمه إلا أن مشاعره وكلماته ودموعه التي تنهمر كانت أصدق من أي كلمة تقال تؤكد من خلالهم الشوق الكبير لأسرته.

اشتقت لماما

وقال محمد بكلمات تتقطع حروفها بدموعه المنهمرة: " اشتقت كثيرا لماما فهي لم تكن أمي فحسب بل كانت كل شيء بالنسبة لي خاصة أنني الطفل الأكبر لها ..اشتقت لحنانها وكلماتها الدافئة فبعدها عني يشعرني بالبرد القارص".

وكثيراً ما كان محمد بشكل يومي يتصل بوالدته وأشقائه في محاولة منه أن يعوض الحرمان، والبعد عن أفراد عائلته، ورغم طفولته فكان يحاول أن يظهر بكلماته لوالدته بأنه كبير إلا أن نبرات صوته الحزينة تؤكد على طفولته التي تشتاق لوالدته بشوق كبير.

صور العائلة

وكلما تكلم محمد بكلمة كان يتبعها بنظرات إلى صورة والدته وأشقائه وهو يتمنى أن يخرجهم من الصورة؛ ليجتمع شمل العائلة من جديدة.

وأوضح محمد، بأنه يحاول أن لا يظهر مشاعره أمام والده المبعد ناجي حتى لا يزيد همومه وحزنه فيقول له دائما: " أريد البقاء معك يا أبي، ولا أريد العودة وحدي إلى بيت لحم".

وبعد أن ضم المبعد ناجي "38سنة" طفله محمد إلى أحضانه في محاولة منه لتخفيف مشاعره المؤلمة، قال " أشعر بحزن كبير وبألم أكبر كلما نظرت لحال طفلي، وهو بعيد عن والدته وأشقائه وأكثر ما يؤلمني حينما يتحدث بالهاتف فأشعر أنه يريد من خلال سماعة الهاتف أن يذهب لبيت لحم".

بداية المعاناة

ولم تكن بداية المعاناة مع المبعد ناجي عبيات من بيت لحم إلى قطاع غزة موضع الألم فحسب بل كانت لحظة حرمانه من زوجته وأطفاله الأكثر صعوبة حيث ذكر ناجي بأنه تم إبعاده في تاريخ 20/5/2002، بعد أن تم حصاره مع العشرات من الفلسطينيين في كنيسة المهد في بيت لحم لمدة أربعين يوما من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي، وانتهت المحاصرة  باتفاق قضي بإبعاده مع ستة وعشرين مبعد آخرين إلى مدينة غزة، وثلاثة عشر مبعد إلى الدول الأوروبية.

وبين، بأنه بعد إبعاده إلى غزة بعد عام تقريبا عمل على جلب زوجته وأطفاله من بيت لحم إلى قطاع غزة فهذا كان يخفف عنه الكثير من ألم البعد عن والدته ووالده وكل أحبته في بيت لحم.

وأشار إلى أنه بعد حرب غزة كان قدم تصريح للاحتلال الإسرائيلي بالسماح لزوجته وأطفاله بالعودة لبيت لحم من أجل زيارة الأهل والاطمئنان عليهم خاصة بعد مجزرة غزة التي كانت لها تأثير كبير على أطفاله: محمد، أية، أمين، عبد الرحمن، وعاطف الذي لازال يعاني من أثر الحرب بالخوف والصراخ.

وأوضح، بأنه عاش أيام صعبة في قطاع غزة أثناء الحرب خاصة أنه يسكن مع أفراد عائلته في شقة في برج بجوار مجمع الوزارات الذي تم قصفه من قبل طائرات الاحتلال مما جعله مع أفراد عائلته يرددون الشهادتين بشكل مستمر، والخوف يحيط جدران قلوبهم الخائفة من هول القصف القريب منهم.

وتابع بكلماته التي تحمل معاناة البعد: "كان السفر مجرد زيارة للأهل لشهور قليلة لكن المفاجأة الكبرى حينما أرادت زوجتي العودة إلى بيت لحم فتم التحقيق معها من قبل سلطات الاحتلال على جسر ما بين الضفة الغربية والأردن فتم بعد تحقيق أربع ساعات منعها من السفر مما شكل ذلك سكين على قلبي وقلب طفلي محمد فهي الآن ممنوعة من السفر".

وأكد، على أن ذلك ليكون بمثابة عقاب ليس له فحسب بل لكافة أفراد عائلته فقد منعت للسفر بدون أي ذنب وكل مرة تحاول فيها السفر كانت تمنع من الخروج من بيت لحم.

صمت قليلاً عن الكلام؛ ليجعل صمته في حيرة من أمره بشأن طفله محمد حينما استكمل الحديث قائلاً: " كنت خلال فترة زيارة زوجتي للأهل في بيت لحم طلبت من زوجة إحدى المبعدين أن تحضر طفلي محمد معها من أجل أن يتعلم في غزة نظرا لأن التعليم في غزة أفضل، وأوسع من قرى بيت لحم وكنت أظن بأن زوجتي وأطفالي سيتبعونه بعد فترة قصيرة لكن لم يحدث ذلك".

وأضاف بحروفه الحزينة: " الآن طفلي محمد يشعر في حيرة ما بين حنينه لوالدته وأشقائه والبقاء في غزة عندي فطفلي لا يريد العودة لبيت لحم بدوني والاحتلال لا يسمح لزوجتي بالعودة إلى غزة وبذلك تشتت شمل العائلة".

وتابع بكلمات تؤكد على حزنه العميق: " لا أعلم ماذا أفعل ؟! كنت سابقاً أطالب بالعودة إلى بيت لحم لكن الآن أطلب بعودة زوجتي وأطفالي، وأن يسمح لوالدي ووالدتي بزيارتي في غزة إلا أن الاحتلال يحاول دائماً أن يحرم الإنسان الفلسطيني من حقه في العيش مع عائلته".

"ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين"




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2011                    

www.al-fateh.net