العدد 198 - 15/6/2011

ـ

ـ

ـ

 

قصة : يحيى بشير حاج يحيى

كان الشيخ جلال الدين ومجموعة من التجار يسرعون الخطى مع القافلة التي تحمل بضاعتهم، ويطمعون ألا يمسي المساء حتى يكونوا قد وصلوا إلى قرية يبيتون فيها. ولم يكونوا يعلمون أنهم دخلوا أرضاً لملك تلك البلاد يحرم على الغرباء دخولها! فأحاط بهم الجنود من كل جانب وشدوا أيديهم بالحبال، ومضوا بهم إلى الملك. وحين وقفوا بين يديه سألهم في غضب:

- كيف تجرأتم على دخول هذه الأرض؟!

فأجاب جلال الدين:

- أيها الملك! نحن قومٌ غرباء، ولا نعلم أننا دخلنا أرضاً محرمةً، فسألهم الملك عن بلادهم، فأخبروه، فقال في ازدراء:

- إن الكلب أغلى ثمناً من أي واحدٍ منكم.

فأجابه الشيخ: نعم! قد لا نكون أغلى ثمناً من الكلب لو أننا لم نكن من أهل الدين الحق.

فتعجب الملك، وطلب من الجميع أن يخرجوا، ثم أمر جلال الدين أن يقترب منه، وسأله:

- ماذا تعني بهذه الكلمات؟

فبدأ جلال الدين يشرح للملك مبادئ الإسلام وتعاليمه في حماسةٍ وصدقٍ، ولم يكن الملك قد سمع مثل هذا الكلام قبل ذلك، فأحس أن قلبه يذوب كما يذوب الشمع واقتنع بفساد ما عليه هو وجنوده من عبادة للأوثان، وقال:

- يا شيخ إن ما ذكرته لي جميلٌ، ولكني إذا اعتنقت الإسلام الآن، فليس من السهل أن يقتنع شعبي، فأمهلني قليلاً حتى أتمكن من بسط سيطرتي على أرجاء المملكة كلها.

ثم أمر جنوده بإخلاء سبيلهم وإكرامهم، ومضى جلال الدين إلى بلاده بعد أن باع بضاعته، ولكنه لم ينس قصته مع الملك ثم مرض مرضاً شديداً أشرف فيه على الموت فقال لابنه رشيد الدين:

- سيصبح الملك الذي حدثتك عنه ملكاً عظيماً، فلا تنس أن تذهب إليه، وتقرئه مني السلام، وتذكره بوعده لي في الدخول في الإسلام.

وبعد سنواتٍ قليلة سيطر الملك على أرجاء المملكة، فذهب إليه رشيد الدين، ولكنه لم يستطع مقابلته، فقد كان الحرس يحيطون بالقصر، ويمنعون أي غريبٍ من الدخول. وبقي رشيد الدين أياماً على ذلك ولكنه لم ييئس، وخطرت له فكرةٌ، فاقترب من القصر وأخذ يؤذن، فنهض الملك، وأمر بإحضار صاحب الصوت، وحين أدخل عليه، أبلغه رسالة أبيه جلال الدين، وذكره بما كان منه من وعد، فقال الملك:

- حقاً ما زلت أذكر ذلك، ونطق بالشهادتين، وقال لرشيد الدين:

- لا بد أن تقابل الأمراء، وتعرض عليهم الإسلام واحداً بعد واحد.

وكان أول من عرض عليه قائد الجيش فقال له الملك:

- ما رأيك بما سمعت؟

فبكى، وسالت دموعه وقال:

- قد أسلمت منذ ثلاث سنين، ولكني كنت أخفي ذلك.

فقام الملك وعانقه، وجعل الأمراء يدخلون في الإسلام، ويقبلون عليه في حبٍ وحماسةٍ إلا قائد الحرس فقد أبى! وقال:

- أترك دين آبائي من أجل هذا التاجر الغريب الضئيل!

ثم اقترح إجراء مصارعةٍ بين الشيخ وخادمه الذي كان قوياً، ضخم الجثة، ووعد أن يسلم إن غلبه الشيخ!! وكان الشيخ ضعيف الجسم، فخشي الملك والأمراء أن يغلبه الخادم، وحاولوا أن يصرفوا رشيد الدين عن ذلك، فقال الشيخ:

- إذا أراد الله لهذه البلاد الخير فسيمنحني القوة التي أستطيع بها أن أغلب هذا المصارع.

واحتشد الناس، وجاء الخادم العملاق ووقف أمام رشيد الدين الذي بدا صغيراً ضعيفاً جداً بجانب الخادم الضخم. وما إن بدأ الصراع بينهما، حتى لطمه الشيخ لطمةً قوية فسقط مغشياً عليه، فقام مرةً أخرى ولكنه لم يهجم على الشيخ في هذه المرة، بل صاح بأعلى صوته ناطقاً بالشهادتين. فَسُرَّ الملك، وعلت أصوات التكبير، وازداد إعجاب الحاضرين بالشيخ، وأصبح الإسلام منذ ذلك اليوم ديناً للشعب كله.




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2011                    

www.al-fateh.net