العدد 205 - 1/10/2011

ـ

ـ

ـ

 

قصة : جاسم محمد صالح

ركض سامح هنا وهناك كمن يبحث عن شيء يشعر بحاجة إليه , لكنه لا يعرف ذلك الشيء لكنه لا يعرف ذلك الشيء الذي يبحث عنه… فاقترب من الحمامة الرمادية وهي تهدل على غصن شجرة قريبة منه وسألها :

- أين بيتك أيتها الحمامة الرمادية ؟

- إنه عش جميل ودافئ على غصن شجرة الزيتون تلك.

تألم سامح حينما سمع ذلك , ومع هذا فانه توجه نحو النسر الأبيض الذي حط لتوه على غصن شجرة قريبة منه وسأله :

- أين بيتك أيها النسر الأبيض ؟

- إنه قرب الصخرة , فوق قمة ذلك الجبل العالي المغطى بالثلوج … إن أفراخي هنالك ينامون فيه بهدوء… بعد قليل سأذهب إليهم.

تألم سامح مرة أخرى وركض بلهفة وراء فراشة برتقالية تطير من زهرة إلى زهرة تبحث عن الرحيق, واقترب منها بهدوء وسألها:

- أين بيتك أيتها الفراشة البرتقالية ؟

توقفت الفراشة البرتقالية عن امتصاص الرحيق وضحكت كثيراً , ثم قالت له :

- بيتي فوق أوراق تلك الوردة الكبيرة الحمراء … ياه ما أجمله!!! وما أطيب رائحته !!!

امتلأ سامح بالألم مرة أخرى ودمعت عيناه , لكنه توجه نحو ساقية قريبة منه وشاهد فيها سمكة ملونة صغيرة وهي تسبح بهدوء وفرح مع بقية الأسماك وسأل السمكة :

- أين بيتك أيتها السمكة الصغيرة الجميلة ؟

فإجابته السمكة الملونة وهي تسبح في الماء الصافي بهدوء :

- إنه في أعماق هذا النهر الجميل … فهناك أخوتي وأصدقائي , لقد اشتقت إليهم سأذهب الآن لأراهم .

قالت ذلك بفرح وسعادة وغطست في الماء وابتعدت بعد أن ودعته واختفت في أعماق النهر الصافي .

بقي سامح في مكانه واقفاً لا يعرف ماذا يقول ؟؟؟ وما ذا يتكلم ؟؟؟

لأنه لا يعرف إلى أي مكان يتجه ؟ وانه لا يستطيع أن يجيب على السؤال الذي وجهه إلى الآخرين …كل واحد منهم له بيت يذهب إليه , وهو الوحيد الذي لا بيت له , فحرك رجليه بصعوبة وهو يتجه نحو المكان الذي ترك أمه العجوز فيه … مكان مصنوع من الصفائح المليئة بالتراب وسقفه مغطى بأغصان الأشجار , إنه قرب شجرة زيتون مثمرة… لقد أصرت أمه أن يكون قرب شجرة زيتون مثمرة,

سأل سامح أمه والدموع تترقرق في عينية حتى سالت على خده :

- أماه … أين بيتي؟

حزنت الأم حزناً كبيراً … لكنها فرحت في الوقت نفسه , فالآن سامح أصبح كبيراً وبدأ يفهم , فاقتربت منه وضمته إلى صدرها بكل قوة … ففي تلك اللحظات تذكرت كيف أن اليهود المتوحشين هاجموا قريتها وقتلوا زوجها الذي حمل السلاح وقاومهم … أولئك اليهود لم يكتفوا بقتل الأب بل قتلوا معه أخوته الثلاثة الآخرين … ثم احرقوا البيت بالمشاعل التي يحملونها معهم … كانت دموعها المتساقطة من عينيها تنزل مثل قطرات المطر فوق خدي سامح الذي انتبه إلى بكاء أمه وقالت له:

- يا ولدي سامح… بيتك هو وطنك … هناك في فلسطين , وطنك سرقه اليهود منك بعد أن قتلوا أباك وأخوتك الثلاثة … لقد طردونا من الوطن بعد أن أصابتني طلقاتهم في رجلي اليمنى وفي فكي الأسفل… ستتعلم يا ولدي وستكون رجلاً قوياً تحمل السلاح لتطرد من وطنك من قتل أباك وإخوتك الثلاثة … وطنك يا ولدي فلسطين … وفلسطين تنتظرك , الآن لقد كبرت وقلت لك كل شيء …

نظر سامح إلى وجه أمه وعرف الآن سبب عدم قدرتها على الكلام وعرف أيضاً لماذا وضعت ساقا خشبية في رجلها اليمنى , وبسرعة تناول سامح منديله من جيبه ومسح به دموع أمه ودموعه بعد ذلك , وبلغة كلها تفاؤل وثقة قال لها :

- سأتعلم يا أماه… وسأعيد بيتي وأسكن فيه , بعد أن أطرد اليهود المعتدين منه … إنهم مجرمون وقتلة وأنا لهم.

وضم أمه إليه من جديد ضمة قوية وأمسك كتابه وبدأ يقرأ .




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2011                    

www.al-fateh.net