العدد 223 - 1/7/2012

ـ

ـ

ـ

 

(1)

قصة : المداني عدادي

رسم : عماد يونس

بعد يوم شاق، حافل بالمفاجآت.. وبعدما آذنت الشمس بالمغيب، قرر الوالد صحبة أسرته، أن يقضوا ليلتهم هاته بأحد الصخور الجبلية، وكانت بمقربتهم غابة كثيفة الأغصان، وارفة الظلال، فتعجب الصغير قائلاً:

- لم لا نبيت هذه الليلة بتلك الغابة الكبيرة. يا أبتي، فقد نجد هناك قوتنا، ونتعرف على أصدقاء جدد؟!

ابتسم الأب ابتسامة مجرب، ثم قال بحكمة وتبصر:

- كم من أشياء تعجبنا، يا بني، فنستميت للحصول عليها، لكنها في النهاية تكون علينا حزناً وحسرة.. ولكن الله سبحانه وتعالى علمنا كيف نحتاط، قبل أن نقدم على فعل أي شيء.

- لكنها تبدو هادئة ومريحة..

- حتى الحية، يا ولدي، تبدو هادئة وناعمة..

فدنت الأم منه مداعبة، وقالت في حنان:

- أنت ما زلت صغيراً يا بني.. وما هذه إلا أول خطوة لك في الحياة.. وعليك أن تستفيد ممن علمتهم تجارب الحياة..

- مثل من يا أماه؟!

- مثل والدك، مثلاً.. أولم يقولوا: اسأل مجرباً، ولا تسأل طبيباً؟!

- عندك حق يا أمي..

ثم التفت إلى والده وقال:

- أبي، هل دخلت هذه الغابة يوماً؟

طأطأ الأب رأسه، دون أن يجيب، كان يود أن لا يدخل الرعب والفزع في قلبه الصغير.. فألح عليه بالسؤال:

- أبي أخبرني، هل هناك من سر؟!

اعتدل الأب في جلسته، وأجال ببصره عبر الأفق، ثم تنفس الصعداء وقال:

- كان ذلك منذ زمن طويل.. ساعتها كنت في سنك تقريباً، حين قمت برحلة صحبة أترابي قرب الغابة.. فدعانا الفضول، وطيش الصغر.. إلى الابتعاد قليلاً عن الغابة، وكلما ابتعدنا، حرض بعضنا بعضاً على المزيد.. وفجأة باغتتنا زوبعة مريعة، فرقت شملنا، وألقت بنا بعيداً عن الغابة. كانت الرؤية منعدمة بسبب الغبار المتطاير في السماء.. لم أقو على الطيران، لشدة الرياح أيضاً.. ففضلت الكمون حتى تنجلي الزوبعة.. وبعد ساعات طويلة، لم أدر فيها، إن كان الوقت ليلاً أم نهاراً.. قضيتها في حزن وخوف.. هدأ الجو، وانبلجت أشعة الشمس دافئة، فأيقظتني من نومي العميق، فالتفت ذات اليمين وذات الشمال، فلم أجد أثراً لأصدقائي ولا للغابة. ساعتها اعتمدت على نفسي، وتوكلت على الله.. فارتقيت إلى أعلى جبل كان بجانبي، فاندهشت لما رأيت غابة وارفة الظلال بمقربة مني.. ففرحت وزقزقت في الجو، وأطلقت صفيري مغرداً، فرحاً بالنجاة.. ثم اتجهت صوبها. ظناً مني أنها غابتي وموطني.. لكن ما إن اقتربت منها حتى سمعت أصواتاً غريبة، تنبعث من هناك..

- (قاطعه الصغير في خوف وشوق) قائلاً: أصوات ماذا؟!

- كانت أصوات طيور بطبيعة الحال..

- الحمد لله..

- ولكنها طيور كاسرة..

- طيور كاسرة؟!

- نعم، كانت غابة نسور..

- وماذا فعلت؟

- ركبني الذعر.. وعلمت أني إذا اقتربت أكثر، صرت وليمة لها..

- هيه...

- قررت الهرب طبعاً. وبأقصى سرعة، حتى لا تراني بعيونها الحادة، فهي تبصر على بعد أميال وأميال..

- وهل نجحت؟

- للأسف لا..

- ماذا؟! لقد أفزعتني.. ولكن الحمد لله أنك ما زلت أمامي..

- لا تخف.. عندما ابتعدت بعض الشيء عن الغابة المخيفة، واطمأنت نفسي.. فوجئت بظل ضخم من فوقي، ظننته في البداية غمامة عابرة.. ولكنني أحسست بالظل يلاحقني، فانتبهت، وإذا هو..

- ماذا؟ أسرع..

- .. وإذا هو طائر كاسر آخر، صادفته في طريقي، حينما كان عائداً من الصيد

- وماذا وقع؟

- ظننت نفسي هالكاً لا محالة، لكن عناية الله، وحسن التدبير في الأوقات الحرجة، جعلاني أنجو بأعجوبة..

- كيف ذلك؟!

- مهلاً، مهلاً يا ولدي.. قلبك يكاد يطير من شدة الخوف: خذ، خذ تناول عشاءك.

 وضعت الأم أمام ابنها بعض الحبيبات من البر، وهي تدق منقارها على الأرض.

- لن أتناول طعامي حتى أسمع القصة كاملة..

- طيب، طيب، يا ولدي

(واستأنف الوالد قصته):

- .. توكلت على الله، ثم انطلقت بكل قوتي، مخالفاً اتجاه الطائر الذي حاول الانقضاض علي كالسهم، فانفلت منه كالفأر حتى تناثرت بين مخالبه الحادة بعض الأعشاب والصخور.. حاول ملاحقتي ثانية، فأيقنت أنه سيمسكني، فلم أر أمامي سوى غار صغير، فاتجهت إليه.. دخلته في آخر لحظة، حتى تناثر مني ريش جناحي..

- الحمد لله.. نجوت يا أبي.. نجوت يا أبي...

ضحك الأب في وثوق، وهو يقول له:

- مهلاً.. مهلاً يا ولدي. لا تعجل، وأمسك عليك أعصابك..

- هل من مزيد؟!

- نعم.. ظننت الغار في البداية فارغاً وآمناً، لكني فوجئت، لما وجدت بداخله حية رقطاء..

- حية رقطاء!!

ارتعشت جناحا الصغير، واغرورقت عيناه بالدموع، ثم لاذ بحضن أمه، التي استقبلته بحنو، وهي تقول:

- حسبك.. حسبك يا هذا، لقد أفزعت ولدي، ولن ينام ليلته هاته هادئاً..

- دعيه.. حتى يخبر الحياة وتجاربها، لعله يصير بطلاً شجاعاً لا يخاف..

ولما أحس الصغير بالدفء والأمان في حضن أمه، طالب أباه بإتمام القصة، فاستطرد الأب قائلاً:

- وجدت نفسي بين خطرين لا انفكاك منهما؛ الحية النائمة، والصقر الذي يترقبني، وينظر إلي بعينين حادتين كالسكين، ومن حين لآخر، يمد مخالبه في جنون، لانتشالي من الغار..

- هيه أتمم..

- .. اقتنعت ساعتها بأني إذا خرجت خوفاً من الأفعى، كنت صيداً رخيصاً بالنسبة للصقر، وإذا مكثت في الداخل أصبحت وليمة دسمة جاهزة للأفعى..

ابتلع الصغير ريقه بصعوبة، وهو يقول:

- وماذا فعلت يا أبي، لقد أقلقت أعصابي؟

- قررت البقاء..

- البقاء.. والأفعى؟!

- كانت نائمة..

- وإذا استفاقت؟!

- لن تستفيق..

- أكاد لا أفهم!!

- لأنها في بياتها الشتوي

- تعني في سبات عميق؟

- تماماً.. وقد لا تعلم –يا بني- أن بعض الحيوانات والحشرات، في فصل الشتاء تنام، لقلة سبل عيشها، وقساوة المناخ عليها.. فقد زودها الله سبحانه بهذه الراحة، حتى تنجلي المشقة وتعود للحياة، لذا يكون نومها ثقيلاً، إذا لم تزعج..

- وهل فعلت؟

- نعم، حاولت عدم إزعاجها ما أمكن، فكنت ضيفاً آمناً في كنفها..

- والنسر؟

- ذهب إلى حال سبيله، لما سئم من خروجي.. وهكذا نجوت بأعجوبة..

- يا لها من قصة رائعة!!

وطفق الأب يحكي لابنه، كيف استطاع الوصول إلى الغابة بعد جهد جهيد.. مستعيناً بتجاربه، وبما تعلمه من والديه.. وهكذا حتى نام الصغير نوماً هادئاً ومريحاً.




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2012                    

www.al-fateh.net