العدد 225 - 1/8/2012

ـ

ـ

ـ

 

(3)

قصة : المداني عدادي

رسم : عماد يونس

ما زالت عينا الصغير تحملقان في هذا الفضاء الواسع، وهذه الكثبان الرملية المترامية، بل والمتدفقة، وكأنها أمواج بحر عاتية.

بدأ يخامره النوم.. فحرارة الجو، وبساط الصحراء الممتد.. وهذا الصمت المطبق.. كل ذلك صار يدعوه –وبإلحاح- لإغماءات متتالية. صاح والده:

- كن شجاعاً يا بني، فما عاد على رحلة اليوم إلا القليل..

تنبه الصغير بعينين منكسرتين، مثقلتين بالنوم والارتخاء. فوجد نفسه يحلق على مسافة جد قريبة من سطح الأرض، في حين كان والداه يحلقان في علو شاهق دون أن يمسهما كلل أو ملل، ربما لأنهما كبيران وقويان.. ربما قوة تحملهما أكثر منه.. فأراد أن يتأكد، فسأل والده وهو يلهث:

- أبي لماذا تحلقان في علو مرتفع؟!

فأجابه والده بكل حكمة:

- لو صعدت إلى أعلى، عرفت السبب وبطل العجب..

غمغم الصغير في نفسه: .. وهل أنا قادر على ذلك؟! فجناحاي متعبان، ولا أقوى على حمل نفسي، بله الصعود إلى أعلى..

فقاطع الأب تساؤلاته:

- ماذا تقول؟!

- أقول.. أقصد.. أنا قادم..

فحرك جناحيه الصغيرين بجهد، ثم عرج إلى أعلى حيث والداه. وما إن اقترب منهما، حتى أحس بحيوية منعشة، تغمر سائر جسده، وكلما زاد في العلو، زاد نشاطه وحيويته.. فصاح في سرور:

- آه.. الآن فهمت!! كلما ارتفعنا عن سطح الأرض خفَ الضغط، وقلَتْ درجات الحرارة.. فلماذا لم تخبرني بهذا من قبل يا أبتي؟

- ليس من الضروري أن أخبرك كل مرة عن كل شيء، فلا بد أن أترك لك الفرصة كي تكتشف ذلك بنفسك.. فأنت لم تعد صغيراً يا ولدي.. أليس كذلك؟.

- بالطبع، بالطبع يا والدي.. ولكن هناك أسئلة أخرى تحيرني..

- هات ما عندك وبسرعة، فالطيران مع الكلام يزيد في التعب..

- لكنه يساعد على تحمل مشاق الطريق، وتقصير الوقت..

- يا لك من ولد ملحاح وعنيد!!

فالتفتت الأم إليه، وهي مبتسمة:

- صدقت، ولكن من شابه أباه فما ظلم!!

زقزق الجميع تعبيراً عن فرحتهم، ثم حطوا قرب شجرة شوكية يابسة، كادت تغمرها رمال الصحراء، أسرع الصغير – لشدة تعبه- بالاختباء تحت أغصانها المتهالكة، لكن أباه حذره:

- لا تتعجل يا بني.. لا تتعجل..

- لكن الرمال ساخنة، والجو حار، ولا أقوى على البقاء تحت أشعة الشمس اللاهبة..

- ولكن، لو عرفت ما أقصد، لتحملت لهيب الشمس عما قد تقدم عليه.

- ماذا تقصد، فقد حركت مخاوفي؟!

فتدخلت الأم ضاحكة:

- يريد فقط أن يبصرك بأمور قد تجهلها، "ففي التأني السلامة وفي العجلة الندامة".

- وفيم تعجلي يا أماه؟!

- في تحصيل المنفعة التي تبدو لك أول وهلة، دون تقدير العواقب التي قد تلحقها..

- وأي ضرر في الاختباء خلف هذه الأشواك اليابسة يا أبتاه؟!

- كل الضرر يا متهور!!

- ماذا؟!

ذعر الصغير، وهو يسمع صوتاً مجهولاً خلف الأغصان اليابسة، وهو يخاطبه، فتراجع إلى الوراء محتمياً بأبيه، الذي تدخل في الوقت المناسب، مقهقهاً وهو يداعبه:

- لا تخف أيها الشجاع الصغير، تقدم إنها فقط العمة "لولى"

- العمة "لولى"؟! وكيف عرفتماها؟

- نعم، إننا نصادفها كل سنة هنا، في طريقنا إلى الهجرة

فتقدمت أم الصغير مسلمة على العمة "لولا"، وهي تسائلها:

- كيف حال العملة "لولى"؟

- بخير والحمد لله، كما ترين لقد تقدم بي السن، ولم أعد أقوى على مغادرة مكاني هذا الذي تجدونني فيه كل سنة..

فتدخل الأب مداعباً:

- بل ما زلت في ريعان شبابك يا بومة الصحراء..

- وأي شباب بقي، يا ولدي، وأنا لا أقوى حتى على اصطياد فريستي؟!

فحزن الصغير لحالها، وهو يقول:

- آه!! ومن أين تقتاتين يا عمتي "لولى"؟

- بك –طبعاً- لو لم تكن في رفقة والديك..

ذعر الصغير لما يسمع، ففتح فاه مندهشاً:

- ماذا بي أنا؟!

فقهقه الوالدان لدعابة العمة "لولا"، التي عقبت لتهدئ من روع الصغير:

- لو لم تسمع لنصح والديك، لسقطت في قبضتي، أو في قبضة غيري..

- وهل حذرني أبي منك وهو يعرفك؟

- مني أو من غيري، المهم لا تأمنن المكان المريح حتى تجربه..

- وممن حذرتني –أبي- إذن؟

- من الفخ –طبعاً- يا ولدي..

- من الفخ؟!

- نعم، من الفخ، ألا تعرفه؟

- لم أسمع به من قبل، ولم تحدثني عنه قط – يا والدي

فاستدارت الأم إليه قائلة:

- الفخ –يا صغيري- كمين خطر، من سلك أو معدن خشن، يضعه بنو البشر ليصطادوا به بعض الحيوانات البريئة..

استغرب الابن، وانتابه شيء من الخوف، وهو يستمع إلى أمه:

- وهل يصطادون بها حتى الحيوانات الكبيرة يا أبي؟!

- الفخاخ أنواع، يا بني، منها الكبيرة، وهي لاصطياد الحيوانات الكبيرة مثل: الأسود والغزلان والجواميس.. ومنها المتوسطة، وهي لاصطياد الذئاب والأرانب والثعالب..

فتدخلت العمة "لولى" قائلة:

- ومنها أخرى صغيرة، يعبث بها الأطفال لاصطياد المغفلين أمثالك..

- الأطفال يفعلون هذا؟!

- ومن سواهم يؤذيك؟

- أوليسوا وديعين وأبرياء كما قلت يا أماه؟!

- نعم يا بني، فيهم الأبرياء وفيهم الأشقياء، ولا بد أن نكون حذرين حتى وإن كان كل الناس أبرياء..

- لماذا يا أمي؟!

- لأن الشيطان عدو الإنسان، وقد يستدرجه لفعل الشر في أي لحظة، ولهذا عليك بالحذر من بني البشر..

فتحت العمة "لولى" عينيها الكبيرتين بجهد، ثم قالت:

- دعكم من هذا الآن، وتعالوا معي إلى بيتي، فأنتم ضيوفي هذه الليلة، فقد أتعبكم السفر، ولابد لكم من فترة استراحة..

حاول الأب أن يعتذر للعمة "لولى"، لكن لسان الصغير العجول حسم الموقف، حين نط فرحاً وهو يقول:

- نعم الرأي يا عمتي "لولا"، فكم نحن في حاجة إلى الراحة..

فعقب الأب –ضاحكاً- على قوله:

- بل أنت الذي في حاجة ماسة إلى الراحة، أيها العصفور الكسول!!

فتضاحك الجميع، ثم حلقوا خلف العمة "لولى" التي اقتادتهم لقضاء ليلة مريحة في عشها القريب، ليواصلوا بعد ذلك سفرهم البعيد...




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2012                    

www.al-fateh.net