العدد 236 - 15/01/2013

ـ

ـ

ـ

 

إعداد: د.طارق البكري

رسم : بنان شكو

قام جحا بزيارة صديق له يعمل وزيراً عند الوالي في بلدة بعيدة... وكان يحكم هذه البلدة وال لا يميّز بين الحق والباطل.. وكانت رعيته صابرة تحتسب أجرها على الله.. فيما غادر كثير من شباب البلدة هرباً من ظلمه وجهله..

وفي يوم، وبعد وصول جحا إلى البلدة بنحو أسبوع.. طلع في رأس الوالي أن يعلّم حماره حروف الهجاء العربية.. فاستدعى كبير الحكماء وطلب منه تعليم الحمار.. فاستنكر الحكيم هذا الكلام.. وقال له: حمار ويتعلم؟؟ لم نسمع عن مثل ذلك في حياتنا ولا في حياة آبائنا، وما قرأنا عن ذلك شبهاً في كتب الأقدمين..!

فغضب الوالي غضباً شديداً وأمر بنفي العالم وأبعاده عن البلدة..

ثم أرسل الوالي من يعلن في ساحة البلدة أنّه سيقدم مكافأة عظيمة لمن يقوم بتعليم حماره حروف الهجاء.. التي يجهلها الوالي نفسه...

فسمع جحا هذا الإعلان وقرر الذهاب إلى الوالي على أساس أنّه معلم قدير للحمير والبهائم..

وعندما علم الناس حاولوا منع جحا عن القيام بذلك، فهم أدرى منه بحاكم بلدتهم.. لكن جحا لم يبال بكل ما سمعه منهم.. واتجه مباشرة نحو قصر الوالي بثقة وإصرار..

وسمح له الحرس بالدخول إلى مجلس الوالي بعد أن أخبرهم بأنه معلم خبير بالحمير..

وقال جحا للوالي إنّه مغرم بتعليم الحمير ولديه مدرسة كبيرة في بلاد بعيدة تعلم الحمير الألف باء.. وليس هذا فقط.. بل تعلمهم أيضاً اللغات الاجنبية..

ففرح الوالي فرحاً شديداً، وأمر بصرّة من الدراهم الذهبية إكراماً لهذا الفهيم الذي يعرف قيمة الحمير..

واتفق الوالي مع جحا أن يبدأ بتعليم الحمار فوراً، وأمر بأن يعطى جحا داراً وخدماً..

واشترط جحا على الوالي أن يتم تعليم الحمار في غرفة تعد خصيصاً لذلك داخل قصر الوالي نفسه.. وأن يعطيه الوالي مهلة ثلاث سنين، وأن يشارك الوالي يومياً لمدة ساعة كاملة في الحصص الدراسية التي سيقدمها جحا للحمار، وأن يشاركه في حل الواجبات..

فوافق الوالي تقديراً منه لهذا المعلم القدير.. وقرر صرف راتب له طوال هذه المدة، معلناًً أنّه لو نجح في تعليم الحمار فسوف يعطيه جائزة كبيرة تضمن له العيش بثراء طوال حياته.. وحذره من فشل مهمته قائلاً: لو فشلت يا جحا في تعليم الحمار فسوف أسجنك وأضربك بالسياط ما دمتُ حياً..

وقبل جحا بشرط الوالي وتعهد بذلك أمام حاشيته ووزرائه الذين استغربوا بشدة هذا التهور من جحا واعتبروا عمله جنوناً..

فلما خرج جحا من مجلس الوالي استوقفه صديقه الوزير وقال له: أيّها أحمق! كيف تطلب لنفسك هذه المهمة؟ وكيف توافق على شرط الوالي؟ أمجنون أنت؟

فضحك جحا طويلاً وقال: يا أخي في هذه السنوات القليلة سأبذل جهدي لتعليم الحمار، فإن لم يتعلم وذلك مؤكد فسوف يتعلم الوالي، وعندها سيميز ما بين الخطأ والصواب، وأكون بذلك قد خدمته وخدمت البلدة كلها.. أمّا إذا لم يتعلم أحد منهما فسأطلب تجديد المهلة مدعياً أنّ الحمار بدأ يتعلم ولكنّ ذهنه غليظ ويحتاج لفترة زمنية أطول.. وفي هذه الفترة إمّا أن أجنّ أنا أو ينتهي عمري فأموت, أو يتعلم الوالي أو يجنّ، أو ينتهي عمره فيموت, أو يموت الحمار.. أو تقوم السّاعة فنموت جميعاً..

وراح صديق جحا الوزير يضحك من أعماق قلبه..

فقال جحا: قل لي الآن، من منا الأحمق أيّها الذكي؟!




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2012                    

www.al-fateh.net